تنسج هذه المقالة رؤيتها حول العزة، متخطيةً حدود التفسير السيكولوجي الضيق، لتنصبها معياراً قيمياً راسخاً وضابطاً معرفياً يحكم موازين التدافع الأزلي بين الحق والباطل في مسيرة الإنسان. ومن هذا المنطلق، يبرز السؤال الجوهري: كيف تتحول العزة من مجرد “غلبة مادية” عابرة إلى ثبات قيمي يستمد ديمومته من الوحي؟ وما هو الفارق الدقيق بين عزة المؤمن المستعلية بالحق، وبين “التعزز بالإثم” الذي يسقط في دركات الاستكبار والذل؟
كما تسعى القراءة إلى تبيان مدى كفاية النظم الوضعية في صون القيم الإنسانية، متسائلة: هل يغني القانون والميثاق عن مرجعية أخلاقية تجعل الالتزام بالحق عبادةً ويقظة ضمير؟ ومن خلال استنطاق السيرة النبوية والمواقف التاريخية، تستجلي المقالة ذلك التوازن الفريد بين اقتدار القوة وسكينة الأخلاق، لتجيب في الختام: كيف يمضي المسلم في فضاء التعاون الإنساني المعاصر بمرجعية واثقة، تجعل من سيادة الإسلام رحمةً للعالمين، تأمن في ظلها الحقوق، ويستقيم بها ميزان العدل للضعيف قبل القوي.
تمهيد منهجي: التدافع وطبيعة الإنسان
التدافع بين الحق والباطل ليس طارئًا في التاريخ الإنساني، بل هو مقتضى طبيعة الإنسان المزوّد بالعقل وحرية الاختيار. فإمكان الهداية يقابله إمكان الانحراف، كما تشير إليه دلالة قوله تعالى: { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} (البقرة: 30). فالفساد احتمال قائم بحكم الحرية المناطة بالإنسان، أو الهوى الذي يمكن أن ينزل به لدرجة الحيوانية، كما أن الصلاح كذلك ممكن ومتاح، فيتصف الإنسان بما هو من خصائص الملائكة الذين لم يخلقوا إلا للطاعة. ومن هنا ينشأ التدافع؛ وقد يكون هذا التدافع التلقائي الملازم لبني الإنسان فكريًا أو دعويًا أو ثقافيًا، وقد يتسع أثره في الواقع الإنساني ليكون تدافعا بحمل السلاح والتقاتل.
غير أن معيار تقييم هذا التدافع في الرؤية الإسلامية لا يقوم على الغلبة المجردة، بل على مفهوم العزة بوصفه معيارًا قيميًا ضابطًا، يحدد طبيعة الفعل الإنساني ووجهته ومرجعيته. فما المقصود بالعزة، وكيف يتخذ معيارا لما يخوضه المسلم في تعامله مع بني آدم ومع مخالفيه في الفكر والسلوك والرؤية الكونية؟
1- العِزة مفهوما قرآنيا وضابطا معرفيا
وردت العِزّة في القرآن الكريم بصيغ تؤسس لمعناها المعياري: { الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۚ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ ۖ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا } (النساء: 139)، { مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا } (فاطر: 10)، { يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ ۚ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ } (المنافقون: 8).
تقرر هذه الآيات أن العزة ليست امتيازًا اجتماعيًا ولا تفوقًا بشريًا، ولا عارضا من العوارض القائمة بالإنسان يمتاز به عمن استوى معهم في خاصية الإنسانية، بل ارتباطٌ بالحق واستمدادٌ للقوة من مرجعية إلهية. فهي قوة منضبطة بالعدل، وثباتٌ على القيم، لا تعالٍ ولا استكبار. ولهذا حذّر القرآن من عزة مذمومة تنفصل عن الحق: ﴿أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ (البقرة: 206).
فالعزة الشرعية هي علوّ بالطاعة والاستجابة لله ولرسوله، والعدل، لا بالظلم أو البغي. وهي في جوهرها توازن بين القوة والأخلاق، وبين القدرة والمسؤولية.
أورد صاحب المفردات في غريب القرآن أن العزة حالة مانعة للإنسان من أن يُغلب. فقد يمدح بالعزة تارة كما ترى ويذم بها تارة كعزة الكفار. قال{بل الذين كفروا في عزة وشقاق} ووجه ذلك أن العزة التي لله ولرسوله وللمؤمنين هي الدائمة الباقية التي هي العزة الحقيقية، والعزة التي هي للكافرين هي التعزز وهو في الحقيقة ذل.. وعلى هذا قوله : {واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا} أي ليتمنعوا به من العذاب، وقوله: { من كان يريد العزة فلله العزة جميعا} معناه من كان يريد أن يعز يحتاج أن يكتسب منه تعالى العزة فإنها له.
2- العزة وثبات القيم
في ظل الحضارة الإنسانية السائدة يتزايد الاهتمام بالقيم الإنسانية، كالعدل وكرامة الإنسان وبحقوق الإنسان والأخلاقيات المشتركة، وتُبذل جهود تشريعية ومؤسسية معتبرة لترسيخها. وهذه القيم والحقوق -والحقيقة تقال- يقرّ بها أغلب شعوب العالم، وتصرف مترفيها لا ينفي عن هذه القيم وهذه الحقوق مصداقيتها. والتجربة العملية تُظهر أن ترسيخ القيم لا يقتصر على سنّ القوانين أو إصدار المواثيق أو صنع مؤسسات لها أتباع، بل يحتاج إلى عناية بثقافة المجتمع وضميره الحي.
فالعناية بالقيم ينبغي أن تشمل جميع المستويات؛ من عامة الناس إلى النخب العلمية والفكرية، لأن أي خلل في الالتزام بها -على مستوى الأفراد أو القيادات- قد ينعكس على مصداقيتها. ومن هنا يبرز السؤال المنهجي: هل تكفي الأطر التنظيمية وحدها لضمان استقرار القيم واستمرارها، أم أن ثباتها يقتضي مرجعية أخلاقية راسخة وعميقة، تتجاوز الاعتبارات الفردية والانتماءات الضيقة، وتمنح هذه القيم معنى ثابتًا وضمانًا حقيقيًا يحفظ روحها ومقاصدها؟
الرؤية الإسلامية تجيب بأن الضمان الحقيقي للقيم هو ارتباطها بوحي ملزم، يمنحها صفة الثبات والاستمرار والموضوعية والبعد عن المصلجحية، أو الضحك على الناس باستغلال هذه القيم الإنسانية. فالقانون ينظم السلوك الظاهر، أما الدين فيراقب النية الباطنة، ويجعل الالتزام بالقيم عبادةً قبل أن يكون التزامًا اجتماعيًا، ناهيك على أنه يوقظ ويحيي الضمير.
ثالثًا العِزة في السيرة: نموذج التوازن بين القوة والأخلاق
تجلّى مفهوم العزة في السيرة النبوية في لحظات الشدة والثبات. ففي أُحد، لما رُفع شعار التفوق من قبل الخصوم، وجّه النبي ﷺ أصحابه إلى تقرير مرجعية العلو بقوله: «الله أعلى وأجل» (رواه البخاري). لم يكن ذلك تعبيرًا عن عصبية، بل تثبيتًا لمعيار الحق.
وفي قوله ﷺ: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف» (رواه مسلم)، يظهر أن القوة مطلوبة، لكن ضمن إطار الإيمان. فالعزة في الإسلام قوة أخلاقية قبل أن تكون قدرة مادية، وهي التزام بالقيم في لحظة الاختبار.
ويذكر هنا ما جاء في شعب الإيمان للبيهقي، أنه لَمَّا قَدِمَ عُمَرُ الشَّامَ أَتَتْهُ الْجُنُودُ وَعَلَيْهِ إِزَارٌ وَخُفَّانِ وَعِمَامَةٌ، وَهُوَ آخَذٌ بِرَأْسِ بَعِيرِهِ يَخُوضُ الْمَاءَ ، فَقَالُوا لَهُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ , تَلْقَاك الْجُنُودُ وَبِطَارِقَةِ الشَّامِ ، وَأَنْتَ عَلَى هَذَا الْحَالِ ، قَالَ : فَقَالَ عُمَرُ : إِنَّا قَوْمٌ أَعَزَّنَا اللَّهُ بِالإِسْلاَمِ , فَلَنْ نَلْتَمِسُ الْعِزَّ بِغَيْرِهِ.
وجدير بالذكر إيراد ما جاء في التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَمَّا بَلَغَهُ تَأَلُّبُ الْعَرَبِ وَاجْتِمَاعُ الْأَحْزَابِ، قَالَ لِلْأَنْصَارِ: إنَّ الْعَرَبَ قَدْ رَمَتْكُمْ عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ، فَهَلْ تَرَوْنَ أَنْ نَدْفَعَ إلَيْهِمْ شَيْئًا مِنْ ثِمَارِ الْمَدِينَةِ”، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنْ قُلْت عَنْ وَحْيٍ فَسَمْعٌ وَطَاعَةٌ، وَإِنْ قُلْت عَنْ رَأْيٍ فَرَأْيُك مُتَّبَعٌ؛ كُنَّا لَا نَدْفَعُ إلَيْهِمْ تَمْرَةً إلَّا بِشِرًى أَوْ قِرًى، وَنَحْنُ كُفَّارٌ، فَكَيْفَ وَقَدْ أَعَزَّنَا اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ، فَسُرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِمْ.
4- التعاون الإنساني ومنطلق المسلم
يقر الإسلام مبدأ التعارف والتعاون بين البشر: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ… لِتَعَارَفُوا } (الحجرات: 13)، ومن ثم فإن العمل المشترك في مجالات القيم والإنسانية، أو في إطار المنظمات والمبادرات العامة، أمر مشروع ومحمود. غير أن الرؤية الإسلامية تؤكد أن منطلق المسلم في هذا العمل ينبغي أن يكون دينه، لا أن يكون تابعًا لمرجعية أخرى ثم يُلتمس له التبرير.
فإذا دخل المسلم ميادين خدمة الإنسان أو الدفاع عن القيم بنية أن ذلك امتثال لأمر الله، وأن الإسلام سبق إلى تقرير هذه المبادئ، كان عمله عبادةً وقربةً، وربح سعيه في الدنيا والآخرة. أما إذا جعل مرجعيته الأساس خطابًا إنسانيًا مجردًا، ثم حاول إلحاق الدين به لاحقًا، فقد يفقد وضوح الرؤية، ويعرض نيته للاضطراب.
المسألة هنا ليست رفضًا للتعاون، بل ترتيبًا للمرجعيات: الإسلام أولًا، ومنه تنبثق القيم، ثم يلتقي مع الآخرين في مساحات الخير المشتركة.
5- العِزّة ضمان الاتساق بين القول والعمل
قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ } (الصف: 2). فالانسجام بين المبدأ والسلوك شرط للعزة. وحين يكون الدافع دينيا، يتولد لدى الإنسان رقيب داخلي يحفظ نيته ويصون عمله من التحول إلى مجرد ممارسة شكلية. ولهذا فإن العزة ليست شعورًا نفسيًا فحسب، بل هي التزام معرفي وأخلاقي، يربط بين الإيمان والعمل، وبين القيم والسلوك، وبين الانفتاح والثبات.
6- سيادة الإسلام بين القوة والرحمة
وصف القرآن الرسالة المحمدية بقوله تعالى: { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ } (الأنبياء: 107). وهذا الوصف يؤسس لمعنى السيادة في التصور الإسلامي؛ فهي ليست غلبة مجردة، ولا تفوقا ماديا منفصلا عن القيم، بل حضور منظومة أخلاقية تحقق العدل، وتصون الكرامة، وتوازن بين القوة والمسؤولية. فالرحمة هنا ليست عاطفة عابرة، وإنما إطار حاكم يضبط ممارسة القوة ويوجهها.
وقد أشار أبو الحسن الندوي في كتابه” ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين ” إلى أن تراجع المسلمين لم يكن فقدانا لمجرد حضور تاريخي، بل غياب نموذج حضاري كان يجمع بين القوة والأخلاق. فحين تنفصل القوة عن مرجعية أخلاقية عليا، تميل بطبيعتها إلى الانفلات؛ أما إذا ارتبطت بوحي ملزم، فإنها تخضع لمعيار العدل، وتتحول إلى أداة حفظٍ للحقوق لا وسيلة اعتداء.
ومن هنا تتجلى خصوصية المنظور الإسلامي في تعامله مع الإنسان؛ إذ يقوم على الرحمة واللطف والعناية، ويمنح الإنسان -أيًّا كان موقعه- إحساسًا بالأمان تحت مظلة العدل. فالإسلام بمبادئه يقف مع الضعيف قبل القوي، لا تحيزًا طبقيًا، بل إقرارًا لحقه وصونًا لكرامته. وإذا سادت قيم الإسلام، كان الضعيف مطمئنًا؛ لأن القوي، في ظل هذا الميزان، لا يظلم ولا يبطش، ولا يمارس سلطته إلا في حدود العدل والتكليف الشرعي.
وبذلك تتحقق السيادة في معناها الأخلاقي: قوةٌ منضبطة، ورحمةٌ فاعلة، وعدلٌ شامل؛ فيغدو المجتمع أكثر توازنًا، ويأمن الإنسان -ضعيفًا كان أو قويًا- من الجور والانحراف.
خاتمة
أخيرا، العزة في المنظور الإسلامي مفهوم مركزي يضبط علاقة الإنسان بالقيم وبالآخر وبنفسه. فهي ارتباط بالحق، وقوة منضبطة بالعدل، وثبات مرجعي في لحظة التدافع. إذا كان منطلق المسلم في تعامله مع القيم الإنسانية هو دينه، ربح عمله، واستقامت نيته، وثبتت خطواته. أما إذا قُدّمت المرجعيات الأخرى على دينه، اختلّ الميزان، وتعرضت النية للاضطراب.
{وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} بهذه العزة يثبت المبدأ، ويصفو القصد، وتصمد القيم في وجه تقلبات الإنسان والزمان، ولا ينخدع الإنسان بأي مصدر آخر للقيم أو للحقوق ولا ينخدع بما ليس رصينا: { فأما الزبد فيذهب جفاءً وما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض. كذلك يضرب الله الأمثال} (الرعد: 17).
