القرآن الكريم له مكانة متفردة في قراءة الشيخ الغزالي التجديدية للتراث الإسلامي؛ فهو “ما بقي من وحي في هذه الدنيا. هو الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، {ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ} (البقرة: 2). ما شانه نقص، ولا شابته زيادة منذ نزل إلى يوم الناس هذا؛ فهو بحفظ الله مصون من أهواء الناس ووساوس الحب والإنس. وبقاء هذا القرآن هو العزاء الوحيد عن ضياع مواريث النبوات الأولى”([1]).

 

وقد دعا الغزالي إلى حسن تدبر القرآن، لا مجرد قراءته، وإلى مدارسته بوعي وفهم، فقال: “لابد من قراءة القرآن الكريم قراءة متدبرة واعية تفهم الجملة فَهْمًا دقيقًا، ويبذل كل امرئ ما يستطيع لوعى معناها وإدراك مقاصدها؛ فإن عز عليه سأل أهل الذكر. والمدارسة للقرآن مطلوبة باستمرار.. ومعنى مدارسة القرآن: القراءة والفهم والتدبر والتبيّن لسنن الله في الأنفس والآفاق، ومقومات الشهود الحضاري، ومعرفة الوصايا والأحكام، وأنواع الترغيب والترهيب، والوعد والوعيد، وما إلى ذلك مما يحتاج المسلمون إليه لاستئناف دورهم المفقود”([2]).

وأما ملامح “القراءة الغزالية” التجديدية للقرآن الكريم، فيمكن أن نوجزها في النقاط الآتية:

أولاً:القرآن الكريم أولا: فهو الأصل الأول في التشريع، والسنة تجيء من بعده في المرتبة؛ لأن السنة تستمد قوتها كمصدر للأحكام من أمر القرآن بذلك في مثل قوله عز وجل: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} (المائدة: 92). كما أن القرآن يقيني الثبوت، فهو متواتر جملة وتفصيلاً؛ أما السنة فمنها المتواتر وأكثرها أخبار آحاد؛ وروايات الآحاد تفيد الظن العلمي لا القطع الجازم؛ والأحكام الشرعية المهمة تعتمد على اليقينيات لا الظنيات”([3]).

ثانيًا:القرآن الكريم مهيمن على شئون الحياة: “ولذلك كان الإسلام دينًا يشرِّع للنفس والمجتمع والدولة على السواء. وكان كتابه مفعمًا بالتعاليم التي تتناول العلاقات الخاصة والعامة، وتوجه المرء في البيت والطريق، وفي الحرفة التي يتكسب منها؛ وكان تبيانًا لكل شيء يؤثر في المرء أو يتأثر به”([4]).

ثالثًا:الفهم الكلي للقرآن الكريم: لأن فهمه “لا يتم بفهم معاني الجمل ومغازي التراكيب فحسب؛ بل لابد أن تطبع في نفس القارئ الروح التي صدر عنها الكلام كله، والدلالات التي تكتنفه كوحدة متماسكة؛ ولهذا الانطباع أثره في دقة التشريع. والناس يتفاوتون حكمةً وفقهًا بمقدار أنصبتهم من هذا الإدراك النافذ الشامل”([5]). ولهذا انتقد الشيخ المدارسَ التي تناولت القرآن بنظرة جزئية، مثل التفسير الفقهي أو البياني؛ ودعا إلى التفسير الموضوعي الذي يُعنى بتتبع الموضوع الواحد في القرآن الكريم من ناحية، وبإبراز المحور الأساسي الذي تدور عليه السورة الواحدة من ناحية أخرى.

رابعًا:فَهْمُ القرآن في ضوء تاريخ النزول وسببه: فلكي “نفهم القرآن فهمًا صحيحًا لابد أن نفهم الأحداث التي عاصرته، وأن نعي الأحوال التي قارنت نزوله.. فإن تاريخ النزول وسببه جزءان لا يمكن تجاهلهما في تكوين المعنى وإيضاح القصد، بل لا يمكن تجاهلهما في تربية الناس بالقرآن وأخذهم بآدابه”([6]).

خامسًا:أهمية القصص القرآني: “لم يكن هذا القصص الواعي المحكم سرًّا مجردًا لبعض الروايات القديمة يتسلى بها السامعون ثم يغفلون عند حكايتها أو يتعظون؛ لا.. إن هذا القصص كان تاريخًا لسير الدعوة الدينية في الحياة، وكيف خطت مجراها بين الناس منذ فجر الخليقة؟ وما هي العقبات التي اعترضتها؟ وهل وقفت عندها أو تغلبت عليها؟ وما صنع الأنبياء بإزائها؟ وكيف قبلت الأمم المدعوة رسالات الله أو صدت عنها؟ وبم انتهى الصراع بين الغي والرشد؟”([7]).

سادسًا: النسخ: حرص الشيخ على تأكيد فاعلية القرآن المستمرة لجميع آياته وأحكامه، فقال بعدم وقوع النسخ في القرآن؛ بمعنى “إبطال لحكم سبق نزوله، والإتيان بحكم جديد أصلح منه للناس، أو أدنى منه إلى الحق”. لكنه أقر بأن القرآن قد يقع فيه “تفصيل بعد إجمال، أو تقييد بعد إطلاق، أو تخصيص بعد تعميم. بيد أن ذلك شيء غير الزعم بأن هناك آيات بطل حكمها، أو وقف تنفيذها”([8]).

سابعًا:الإعجاز العلمي: عالج الشيخ هذه القضية بنظرة وسطية؛ حيث أكد أن القرآن يلفت النظر للكون ولمعارفه، لكنه مع ذلك ليس كتابًا في العلوم، وأن من المخاطرة ربطه بها.

فقال: “القرآن ليس كتابًا فنيًّا في علم من العلوم؛ فهو كتاب في هداية الإنسان؛ ولكن كلامه عن الكون والإنسان، يتفق مع العلم؛ لأن موضوع العلم هو الكون والإنسان. فوحدة الموضوع متحققة بين القرآن والعلم… أرى أنه يكفى القرآن إعجازًا علميًّا، أنه وضع الإنسان في المناخ العلمي.. ولا أستطيع، مع هذا، أن أقول: إن الكتاب كتاب فني وضع قوانين علمية؛ لأنه ليس هناك قوانين علمية إسلامية، وأخرى نصرانية. قوانين الكشف العلمي واحدة؛ فلا يجوز التجاوز في التعبير، وليس لأحد أن يورط الوحي الإلهي في هذا”([9]).

ثامنا:القرآن أسَّس للاجتهاد: لأنه “جاء بالمبادئ، وترك الاجتهاد في تنزيل النص على الواقع ووضع البرامج إلى اجتهادات العقل البشرى في كل عصر، بحسب معطياته ومشكلاته.. القرآن الكريم رسم الخطوط العامة، وترك التفصيل في أمور كثيرة للنبي عليه الصلاة والسلام. حتى صاحب الرسالة فصَّل في الجزئيات فيما يتصل بالعبادات؛ ولكنه فيما وراء هذا ترك الأمر أيضًا للعموم الذي تستكشف العقول مداه على مر الأيام، وما هو الأنفع فيه”([10]). كما في نُظم الحكم وكيفية تحقيق العدالة الاجتماعية وتقييد أو إطلاق المِلكيات العامة والخاصة.

بهذه الملامح الغزالية للقراءة التجديدية، يكون القرآن الكريم بحقٍّ رسالة الله الخالدة على مر الزمان، والفاعلة على الدوام في دنيا الناس.

الغزالي والسنة النبوية  

للسنة النبوية مكانة مهمة في قراءة الشيخ الغزالي للتراث الإسلامي؛ حيث أكد مكانتها، ونبَّه على عدة ضوابط لكيفية تناولها وفهمها فهمًا صحيحًا، كما انتقد القراءات التي لا تفي بما للسنة من مكانة وأهمية؛ سواء القراءات الجامدة أو المتجاوِزة.

وأما معالم القراءة التجديدية للشيخ الغزالي فيما يتصل بالسنة النبوية، فيمكن أن نوجز أهمها فيما يلي:

أولاً:مكانة السنة وحُجيتها: “إن هناك طريقًا واحدًا لإرضاء الله سبحانه وتعالى ونيل محبته؛ هو إتباع محمد ، واقتفاء آثاره، والسير على سنته” لقوله تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (آل عمران: 31)([11]).

ثانيًا:عناية الأمة بالسنة: فأمتنا “من تاريخ بعيد، تصون التراث النبوي، وتحميه من الأوهام، وتعد الكذب على صاحب الرسالة طريق الخلود في النار؛ لأنه تزوير للدين وافتراء على الله لقوله : «إن كذبًا علي ليس ككذب على أحد؛ من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار» (رواه البخاري)([12]).

ثالثًا:لا سنة بغير القرآن: “فلا يجوز أن يشتغل بالسنة من لم يدرس علوم القرآن ويضرب فيها بسهم وافر؛ فإن القرآن هو الدستور الأصيل للإسلام، وهو الذي يحدد للمسلم بدقة تامة واجباته وحقوقه، ويرتب التكاليف المنوطة به، ويوزع العبادات على حياته؛ فلا تطغى عبادة على أخرى، ولا تطغى كلها على عمله للحياة ومكانه فيها. والمرء الذي يعجز عن تحصيل هذه الحقائق من القرآن لن يعوضه عن فقدانها شيء آخر؛ والصورة التي تستقر في نفسه للإسلام- من غير القرآن- تضطرب فيها النِّسب والألوان، وربما لحقها اختلاف كبير”([13]). ولذا أيد الشيخ السيدةَ عائشة في رفض حديث تعذيب الميت ببكاء أهله، لأنه مخالف للقرآن حيث: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} (الأنعام: 164)([14]).

رابعًا:لا قرآن بلا سنة: كما يزعم من يسمون أنفسهم (القرآنيين). فأوضح الشيخ أن “السنة النبوية تواجه هجومًا شديدًا في هذه الأيام، وهو هجوم خالٍ من العلم ومن الإنصاف. وقد تألفت بعض جماعات شاذة تدَّعي الاكتفاء بالقرآن وحده. ولو تم لهذه الجماعات ما تريد، لأضاعت القرآن والسنة جميعًا؛ فإن القضاء على السنة ذريعة للقضاء على الدين كله”([15]).

خامسًا:المحدِّثون لا يستأثرون وحدهم بالسنة: فكان الشيخ يدعو لتكامل عمل المحدثين مع الفقهاء؛ “ذلك أن الحكم بسلامة المتن يتطلب علمًا بالقرآن الكريم، وإحاطة بدلالاته القريبة والبعيدة، وعلمًا آخر بشتى المرويات المنقولة لإمكان الموازنة والترجيح بين بعضها والبعض الآخر. والواقع أن عمل الفقهاء متمم لعمل المحدثين، وحارس للسنة من أي خلل قد يتسلل إليها عن ذهول أو تساهل”([16]). فحديث مثل: “لا يُسأل الرجل: فيم ضرب امرأته”، مخالف للكتاب والسنة جميعًا([17]).

سادسًا: قبول الحديث يرتبط بالسند والمتن معًا: ولذا وضع العلماء شروطًا للسند وأخرى للمتن؛ مثل اتصال السند، وأن يكون الراوي عدلاً ضابطًا.. وألا يكون المتن شاذًّا بأن يخالف الثقة من هو أوثق منه، وألا تكون بالمتن علة قادحة([18]).

سابعًا:صحة السند لا تعني صحة المتن: فقد يصح الحديث سندًا ويضعف متنًا بعد اكتشاف الفقهاء لعلة كامنة فيه. واكتشاف الشذوذ والعلة في متن الحديث ليس حكرًا على علماء السنة، فإن علماء التفسير والأصول والكلام والفقه مسئولون عن ذلك، بل ربما ربت مسئوليتهم على غيرهم. ألم تر إلى ابن حجر– على صدارته في علوم السنة- قوَّى (حديث الغرانيق)، وأعطاه إشارة خضراء فمرَّ بين الناس يفسد الدين والدنيا؛ والحديث المذكور من وضع الزنادقة، يدرك ذلك العلماء الراسخون! وقد انخدع به الشيخ محمد بن عبد الوهاب فجعله في السيرة التي كتبها عن رسوله الله ؛ والشيخ هو مَن هو غيرةً على عقيدة التوحيد ودفاعًا عنها. ثم جاء الوغد الهندي سلمان رشدي فاعتمد على هذا الحديث المكذوب في تسمية روايته «آيات شيطانية!»([19]).

ثامنًا:ردُّ الحديث لعلة لا يعني الاستهانة بالسنة: وهذه نقطة مهمة، ولطالما اتُّهم الشيخ رحمه الله بسببها؛ لأن البعض يظن أن رد حديث لسبب علمي يعني رفض السنة كلها، ولا يدرك أن الرد يكون بسبب الخلاف حول صدق نسبة الحديث للنبي ، وليس بسبب رفض السنة ذاتها.

ولذا، يؤكد الشيخ أن الخبر المروي إذا استجمع “شروط الصحة المقررة بين العلماء، فلا معنى لرفضه. وإذا وقع خلاف محترم في توفر هذه الشروط، أصبح في الأمر سعة، وأمكن وجود وجهات نظر شتى؛ ولا علاقة للخلاف هنا بكفر ولا إيمان، ولا بطاعة أو عصيان”([20]).

والحديث إذا رواه الثقة وخالف الثقاة، فهو “وفق مصطلح أهل هذا الفن شاذ؛ ومن ثم رفض مالك النافلة قبل المغرب، ورفض تحية المسجد والإمام يخطب مع ورود أحاديث تجيز ذلك، بل تستحبه. إن موقف مالك من هذه المرويات كموقف عمر بن الخطاب من حديث فاطمة بنت قيس في سكنى ونفقة المطلقة ثلاثًا؛ فقد رد الحديث- على صحته- قائلاً: “لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لحديث امرأة لا ندرى حفظت أو نسيت”. إنه لا يرد السنة وحاشا له ذلك، إنه ينكر أن هذا الحديث سنة”([21]).

هكذا قدم الشيخ الغزالي قراءة تجديدية للسنة النبوية؛ تؤكد مكانتها وحجيتها، وترد عنها الأفهام المغلوطة والتجاوزات المرفوضة؛ سواء ممن لا يفهم السنة فهمًا صحيحًا، أو ممن يريدون هدمها كمقدمة لهدم القرآن الكريم ذاته.


([1]) “كيف نتعامل مع القرآن”، الغزالي، ص: 25.

([2]) المصدر نفسه، ص: 28.

([3]) “نظرات في القرآن”، الغزالي، ص: 142، باختصار.

([4]) المصدر نفسه، ص: 54.

([5]) المصدر نفسه، ص: 144.

([6]) المصدر نفسه، ص: 15.

([7]) المصدر نفسه، ص: 95.

([8]) المصدر نفسه، ص: 195.

([9]) “كيف نتعامل مع القرآن”، الغزالي، ص: 210، 211.

([10]) المصدر نفسه، ص: 100.

([11]) “السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث”، الغزالي، ص: 18.

([12]) المصدر نفسه، ص: 18.

([13]) “فقه السيرة”، الغزالي، ص: 46.

([14]) “السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث”، الغزالي، ص: 23.

([15]) “دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين”، الغزالي، ص: 22.

([16]) “السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث”، الغزالي، ص: 19.

([17]) المصدر نفسه، ص: 202.

([18]) المصدر نفسه، ص: 18، 19. بتصرف.

([19]) المصدر نفسه، ص: 19، 20. باختصار يسير.

([20]) المصدر نفسه، ص: 34.

([21]) “علل وأدوية”، الغزالي، ص: 74.