لا يصحّ نسبة الحكم بالتحليل أو التحريم إلى الله ورسوله ﷺ بالجزم فيما اجتهد فيه، فلا يقال: “هذا أحلّه الله” أو “حرّمه”، أو “أحلّه النبي ﷺ” أو “حرّمه”، أو “هذا حكم الله” أو “حكم رسوله ﷺ”([1])، فإنّ المجتهد قد يصيب وقد يخطئ، فكيف يقول: هذا حكم الله، أو هذا أحله الله أو حرمه الله، وهو مجتهد لا يدري أيصيب حكم الله أم لا يصيبه؟
ولكن يصح أن يقطع بالتحليل أو التحريم مع نسبة ذلك إلى الله أو إلى رسوله في المسائل التي ثبتت بأدلة صحيحة وصريحة، نحو قوله ﷺ:
“لا يحل دم امرئ مسلم” أو قوله: “لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه المسلم” أو قوله” لا يحل لمسلم أن يروع مسلما”.
ويلحق بهذا ما جاء بصيغة: حرام، أو اللعن، أو الكفر، أو عدم نظر الله إليه… كقوله ﷺ: “كل شراب أسكر فهو حرام”.
وقوله – في المتعة-: “… ألا إنها حرام من يومكم هذا إلى يوم القيامة“، وقوله: “لا ينظر الله إلى من جر ثوبه خيلاء”، وكقوله ﷺ: “لعن الله الواشمات والمستوشمات.. الحديث”، وقوله: “لعن الله من ذبح لغير الله.. الحديث..، ويدخل في هذا أيضا كل فعل وصف بالكفر أو الشرك([2])، كقوله ﷺ:
“من أتى كاهنا أو عرافا، فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد”. وقوله: “العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر”.
وغير ذلك من النصوص التي تدل بالجزم على تحريم الله ورسوله ﷺ، وفي كل هذا نقطع بأن الله حرمها.
أما في المسائل المبنية على أدلة غير صريحة في التحليل أو التحريم، فلا يقطع فيها بذلك، ويجوز أن يقال: هذا حلال وهذا حرام على جهة الاجتهاد، لكن لا يقال: أحله الله وحرمه الله بالجزم والقطع، فليس قولنا: “هذا حلال وهذا حرام” في موضع الاجتهاد كقولنا: “هذا أحله الله، وهذا حرمه الله”. فلا بد من التفريق بين الحكم الثابت بالنص القطعي، والحكم الاجتهادي الظني في نسبة التحليل والتحريم إلى الله ورسوله.
وهذا مذهب الأئمّة نبّهوا عليه وحذّروا منه، وفيما يلي أبرز أقوالهم:
- قال الإمام القاضي أبو يوسف: (ما أعظم قول الأوزاعي في قوله: هذا حلال من الله، أدركت مشايخنا من أهل العلم يكرهون في الفتيا أن يقولوا: “هذا حلال” و”هذا حرام” إلا ما كان في كتاب الله عز وجل بيِّنا بلا تفسير، حدّثنا ابن سائب عن الربيع بن خثيم- وكان من أفضل التابعين- أنه قال: إياكم أن يقول الرجل: إنّ الله أحل هذا أو رضيه، فيقول الله: لم أُحلَّ هذا ولم أرضه، ويقول: إن الله حرم هذا فيقول الله له: كذبت لم أحرّم هذا ولم أنْهَ عنه)([3]).
- وقال الشافعيّ: وحدّثنا بعض أصحابنا عن إبراهيم النخعي أنه حدث عن أصحابه أنهم كانوا إذا أفتوا بشيء أو نهوا عنه، قالوا : هذا مكروه وهذا لا بأس به، فأما أن يقولوا هذا حلال وهذا حرام فما أعظم هذا)([4]).
- وقال ابن تيمية: (إن السلف لم يطلقوا الحرام إلا على ما عُلم تحريمه قطعا)([5]).
- وقال ابن القيم: (لا يجوز أن يقول لما أدّاه إليه اجتهاده ولم يظفر فيه بنصّ عن الله ورسوله: إن الله حرّم كذا وأوجب كذا أو أباح كذا، وإن هذا هو حكم الله)([6]).
وأصل هذا حديث بريدة وفيه: قول النبي ﷺ:
“وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك؛ فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا”. [مسلم].
فينبغي لمن يتصدّى للإفادة من الحديث والعمل به أن يقف على الصيغ الدالّة على التحريم وهي كثيرة تطلب في كتب أصول الفقه، وينبغي بعد ذلك التمييز بين:
- الصيغ الصريحة في التحريم: كالتعبير بلفظ “لا يحل”، أو “حرام”، أو “اللعنة”، أو “ما رتّب عليه الوعيد” ونحو ذلك.
- غير الصريحة: مما ليس فيها عبارة صريحة في التحريم، وإنّما هو فهم يؤتاه المجتهد باجتهاده.
وحينئذ لا يصحّ القطع بأنّ هذا مما حرّمه الله ورسوله أو مما أحلّه الله ورسوله، لأنّ المسائل المبنية على الاجتهاد ظنّـيّة، فلو ذهب من يجيز بيع العربون- مثلا- إلى القول بأنّ الرسول ﷺ أحلّه، ويذهب من يحرّمه إلى القول بأنّ الرسول ﷺ حرّمه، لنسبنا إلى النبي ﷺ التحليل والتحريم معا، وهو عين التناقض والاضطراب، ويكون أحد المجتهدين قد ادعى على رسول الله صلى الله عليه ما لم يقله.
لذا تعيـّن عدم القطع في موارد الاجتهاد، ولا يقال: “أحله النبيّ ﷺ، أو حرّمه” إلا ما كان فيه نص بيـّن، لكن ما كان صريحا فلا مانع من القطع به إذا صحّ الحديث بلا خلاف، كقوله ﷺ: “لا يحلّ لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام”. [متفق عليه]، وقوله ﷺ: “فإن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم، بينكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا… الحديث” [متفق عليه].
تطبيق: قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى:
(سمعت شيخ الإسلام يقول: حضرت مجلسًا فيه القضاة وغيرهم، فجَرَتْ حكومة حكم فيها أحدهم بقول زفر. فقلت له: ما هذه الحكومة؟ فقال: هذا حكم الله. فقلت له: صار قول زفر، هو حكم الله الذي حكم به وألزم به الأمة، قل: هذا حكم زفر، ولا تقل هذا حكم الله. أو نحو هذا من الكلام)([7]).
