تأتي كلمة “مضاربة” في اللغة من فعل ضارب وتعني الضرب في الأرض أو السفر للتجارة، أما من حيث الاصطلاح فالمضاربة في صيغتها المبسطة هي عقد بين طرفين يدفع بموجبه أحدهما مالا للطرف الآخر ليعمل فيه، على أن يكون الربح بينهما بحسب الاتفاق. ويسمى الطرف الأول برب المال والثاني بالمضارب.

وتعتبر هذه المعاملة من أقدم المعاملات، إذ كانت موجودة في الجاهلية؛ حيث تعامل الرسول بها مع أمنا خديجة بنت خويلد قبل البعثة، كما تعامل بها الصحابة بعد البعثة، فأقرهم الرسول على ذلك، وعليه فهي جائزة بالإجماع.

وتعتبر المضاربة المشتركة أو المتعددة هي الصيغة المطبقة في المصارف الإسلامية اليوم، فالمصرف يقوم باستقطاب الودائع الاستثمارية ويوقع عقد مضاربة مع أصحاب المشروعات الاستثمارية، وبالتالي فهو أي المصرف مضارب بالنسبة لأصحاب الودائع الاستثمارية ورب مال  بالنسبة لأصحاب المشروعات،  ومهما يكن فإن أطراف المضاربة تقتسم الأرباح بنسب شائعة حسب الاتفاق، أما الخسارة فيتحملها صاحب المال دون غيره، والمضارب يكفيه أنه خسر جهده في العمل.

ويعتبر عقد المضاربة من أهم صيغ التمويل في البنوك الإسلامية وأكثرها ارتباطا بالاقتصاد الحقيقي ومساهمة في التنمية الاقتصادية الشاملة، وقدرة على تلبية حاجات الناس، ويتجلى ذلك في أن هناك من يملك المال ولا يحسن تنميته وتقليبه، وهناك من يملك الجهد والطاقة والخبرة ولا يتوفر على رأس مال. فتوفير تمويل لإقامة المشاريع في مجال الزراعة والتجارة وغيرهما يؤدي إلى خلق فرص للعمل وتحقيق للتكامل بين عناصر الإنتاج والذي بدوره يعالج مشاكل الاقتصاد من ركود وسوء توزيع للثروة… وعلى الرغم من أهمية عقد المضاربة في معالجة الكثير من المشاكل الاقتصادية والاجتماعية، فلا يزال اعتماد المصارف الإسلامية عليه هامشيا نتيجة غياب الضمان وخوف أصحاب الأموال من المخاطر الأخلاقية؛ فالمصرف يسلم رأس المال إلى المضارب الذي يتولى بدوره الإدارة والعمل ولا يكون ضامنا للمال إلا في حالة التعدي أو التقصير لأن يده – كما يقول الفقهاء- يد أمانة وليست يد ضمان؛ فالمصارف الإسلامية تنطلق –كما هو معروف- من قاعدة: “الغنم بالغرم”، التي بمقتضاها يغنم صاحب الوديعة الاستثمارية إذا حصل ربح في المضاربة مقابل استعداده للغرم إذا حصلت خسارة، ويغنم المضارب إذا حصل ربح مقابل استعداده لضياع جهده ووقته إذا حصلت خسارة.

وتعتبرّ المخاطر بشكل عام لصيقة بالاستثمار؛ فلا يمكن تصور استثمار بلا مخاطر، والحل هو الإدارة الناجحة لهذه المخاطر للحد من تأثيراتها المحتملة بأقصى ما يمكن.

وصيغة المضاربة – كغيرها من الصيغ الإسلامية الأخرى- يمكن أن تتعرض للعديد من المخاطر التقليدية المعروفة سواء كانت مخاطر ائتمانية أو مخاطر السوق أو مخاطر تشغيلية أو غيرها، لكن المخاطر الأخلاقية التي هي موضوعنا تختص بالصيغ التي يشترك فيها صاحب المال مع المضارب في الربح ويتحمل الخسارة لوحده بينما يتحمل المضارب ضياع جهده.

ونظرا لكون الخسارة في المضاربة –كما أسلفنا- تقع على أصحاب الودائع الاستثمارية وليس على المصرف الإسلامي ولا على المضارب، فإن المصرف يجب أن يراعي في المضارب مجموعة من الشروط من أهمها الأمانة والصدق والوفاء، وإلا فإن ذلك قد يفتح الباب أمام التزوير والتلاعب بمال المضاربة ويعرضه للخطر؛ فقد يزود المضارب المصرف الإسلامي بمعلومات غير صحيحة فيما يتعلق بمركزه المالي أو خبرته وكفاءته في إدارة واستثمار الأموال، أو توفره على كادر بشري قادر على تحقيق أهداف المشروع، كما قد يقوم المضارب بالاحتيال والتزوير في الحسابات المالية الخاصة بالمشروع، وهذه المخاوف المتعلقة بأمانة المضارب هي التي تسمى بالمخاطر الأخلاقية.

إن من أهم الآثار المترتبة على المخاطر الأخلاقية توجس أصحاب الودائع الاستثمارية وخوفهم من خسارة أموالهم، الشيء الذي أدى إلى ابتعاد المصارف الإسلامية عن الصيغ الاستثمارية التي تعتمد على مبدأ المشاركة في الربح والخسارة، والتوجه نحو الأساليب التي يكون فيها الضمان مرتفعا والمخاطرة منخفضة، كالمرابحة للآمر بالشراء التي تتحول إلى دين ويكون فيها رأس المال مضمونا والعائد محددا سلفا، وذلك ما قلل من دور المصارف الإسلامية في عملية التنمية.

لقد طور بعض الباحثين وسائل كثيرة للحد من تأثير المخاطر الأخلاقية نذكر منها:

– جمع المصرف لما أمكن من المعلومات عن المضارب قبل توقيع عقد المضاربة، بل وإعداد المصارف الإسلامية لقاعدة بيانات عن المضاربين المحتملين وتضمينها لكل المعلومات بما فيها مركزهم المالي وخبراتهم وسمعتهم وغير ذلك…

– تطوع المضارب بضمان رأس مال المضاربة، دون تضمين ذلك في العقد أو اشتراطه.

– دراسة جدوى المشروعات: وهو ما يتطلب توفر المصرف على كادر بشري متخصص في دراسة الجدوى من حيث المعرفة النظرية والخبرة العملية أو اعتماده على مكاتب استشارية متخصصة.

– تقييد المصرف لتصرفات المضارب عند الضرورة، كأن يشترط عليه الاستثمار في نشاط معين أو في مكان معين… وكذا متابعة المصرف لكل مرحة من مراحل المشروع وتصحيح الاختلالات قبل فوات الأوان.

– التأمين التعاوني: على ألا يشارك المصرف في دفع رأس مال صندوق التأمين هذا، لأنه إن فعل ذلك يكون ضامنا أو مشاركا في الضمان من حيث أردنا أن نجنبه ذلك، وعليه فينبغي أن يتحمل المودعون أصحاب الأموال هذه الأقساط، تأمينا لرؤوس أموالهم، وإن اقتضى ذلك رفع نسبة حصصهم من الأرباح منذ بداية التعاقد، مراعاة لهذا الاعتبار.


المصادر:

 د محمد عبد المنعم أبو زيد، الضمان في الفقه الإسلامي وتطبيقاته في المصارف الإسلامية.

 د. علي بن أحمد السواس، مخاطر التمويل الإسلامي

 د. عادل الصغير، المضاربة المشتركة من أهم صيغ التمويل الإسلامي.

 أ. طارق بلحاج، مشكلة الخطر الأخلاقي في البنوك الإسلامية.

 د. حمزة عبد الكريم، المخاطر الأخلاقية في المضاربة التي تجريها المصارف الإسلامية، وكيفية معالجتها