أعتقد أن الفيلسوف الألماني “هيغل” كان أكثر إدراكاً من ماركس حين جعل من الديالكتيك “منهجاً” لفهم آلية التحولات التاريخية، بخاصة أن ماركس اعتقل المنهج في سجن مادي من ناحية، وتوهم -من ناحية أخرى- بأن الشيوعية هي نهاية المطاف، وستغلق الباب خلفها، بينما أبقى هيغل الباب مشرعاً أمام سلاسل متلاحقة من “المُرَكَبات” المتوالدة من رحم بعضها البعض.
ولو نظرنا في عدد الدول التي حكمتها أحزاب شيوعية عام 1990-1991، سنجد أنها 24 دولة، لكن عددها هبط الآن إلى 5 دول، ولو نظرنا إلى عدد الدول التي ما زال القطاع العام هو المساهم الأول في إجمالي الناتج المحلي، فإننا سنجد البيانات التالية:
- دولتان يتراوح نصيب القطاع العام بين 70-80%.
- 3 دول يتجاوز نصيب القطاع العام 50% بقليل.
- 188 دولة يساهم القطاع الخاص بنصيب أعلى من القطاع العام ومن ضمنها الصين (نسبته 60%) وروسيا (51.5% طبقاً لتقديرات معهد الدراسات الاقتصادية التطبيقية IEPI).)
- إن نصيب القطاع الخاص في بريطانيا التي توهم ماركس بأنها ستكون مركز انطلاق الثورات الاجتماعية ما زال وبفارق كبير هو المسيطر (حوالي 90%).
ولو حسبنا المناصرة الميدانية -بين التحالفات الدولية- في حالات التنازع أو الصراع الدولي سنجد “حالياً” أن القوى الرأسمالية أكثر تكراراً لنجدة حلفائها من عدد ومستوى نجدة القوى ذات النزوع الاشتراكي أو اليساري للحلفاء، كما توارت في أدبيات دول اليسار وبقدر لا يستهان به مفاهيم التحرر الوطني أو النظرة الإنسانية التي سادت لفترة، ويكفي التدقيق في الموقف الفيتنامي من إسرائيل حالياً ومقارنتها بأدبيات هوشي منه، أو أدبيات ماوتسي تونغ ومقارنتها بأدبيات دينغ هيساو بنغ أو شي جين بينغ الحالية… إلخ.
إن الترابط الذي تنسجه العولمة (الترابط التكنولوجي والاقتصادي والمالي والثقافي والبيئي والاجتماعي والسياسي..) يُجبر الآيديولوجيات على تكييف مرتكزاتها بما يتناسب مع هذا الترابط، ومن هنا تتوالد “المركبات” الهيغلية ولكن بقدر من المرونة في فهم بنية هذه المركبات.
ولو ذهبنا في اتجاه الثنائية الدينية / العلمانية، سنجد أن حركة التجارة الدولية “بين” الكتل الدينية (مسلم / مسيحي، أو مسلم كونفوشي أو هندوسي أو بروتستنتي مع بوذي.. إلخ) هي أعلى وبقدر كبير من معدل التبادل التجاري “داخل” الكتل الدينية وبفارق كبير، وإذا ذهبنا لمؤشر الحروب الدينية، سنجد أن نسبتها من إجمالي حروب العالم خلال القرن الماضي وإلى عام 2020 تتذبذب مع ميل عام للتراجع، ولعل دراسة الباحثة الروسية T Vasneva وموضوعها: “Unrest of the World of Soviet Islam” تقدم تفسيراً لذلك بخاصة من جانب تصارع الظاهرة الدينية مع الارتباط القومي الذي تشرحه نظرية التجزؤ الهرمي (Pyramidal Segmentary) التي أسهب في شرحها T V Sathyamurthy وشرح فيها النزوع إلى الولاءات الأدنى.
وتكشف الدراسات الكمية أن نسبة المسيحيين في العالم ستتركز غالبيتها في العالم الثالث في المستقبل، وكذلك الحال مع البعثات التبشيرية وعدد الكرادلة في مختلف أنماط الكنائس (كاثوليكية أو معمدانية.. إلخ). ولو ربطنا المعطيات السابقة بتنامي التفسير العلماني للظواهر، وغياب الملحق الديني من أغلب سفارات العالم، وتنامي دور التكنوقراط في هيئات صنع القرار، أو أن عدد الدول التي تنص في دساتيرها على دين الدولة أو دين الحاكم تتراجع بشكل واضح، ولا يتجاوز عددها سبع وعشرين دولة وبعضها يشير إلى اعتبار الدين مصدراً للتشريع، وهناك 30 دولة تنص على “دين محدد للحاكم”، بينما لم تحدد 163 دولة ذلك.
ماذا يعني ذلك:
1- هناك تكييف لكل الآيديولوجيات، بل ظهرت دراسات عديدة تحمل تعبير (جديد – Neo)، وتُنشر الدراسات عن الماركسية الجديدة والرأسمالية الجديدة والعلمانية الجديدة أو ما يعبر عنها مثل الحداثة وما بعد الحداثة، إلى أن استقر في أدبيات العلاقات الدولية مصطلح “المابعدية” (Postism) والتي هي تعبير عن جدلية هيغلية واضحة.
2- عندما وضع عالم الاجتماع الأمريكي الشهير “دانيال بيل” كتابه الشهير: “The End of Ideology: on the Exhaustion of political Ideas in the Fifties – 1960″، أوضح أن الآيديولوجيات والعقائد المطلقة ستتناطح مع نقائضها وتضطر إلى إعادة النظر في الكثير من مسلماتها، لكن ذلك لا يعني عدم مساهمتها في البنية الجديدة، لكن تلك المساهمة ستكون ضمن قانون التناقض في بناء المركب الجديد.
لكن ما سبق يفرض سؤالاً هاماً وهو: هل نحن في الطريق إلى عالم واحد متجانس لا تنازع فيه؟ لا أعرف مفكراً واحداً من مفكري العولمة زعم ذلك، فحتى أولاد آدم “قتلوا بعضهم” وهم متجانسون بما يقارب المطلق، ولا يوجد في التاريخ نموذجاً لمجتمع واحد لم يعرف التنازع والصراع، فالأولويات في قانون التناقض ستبقى مصدراً للتصارع، لكن الوهم بإغلاق الباب بعد آيديولوجية معينة هو ما ترفضه العولمة.
فلو أخذنا المجتمع الأمريكي كنموذج يضم آلاف الهويات الفرعية العرقية والدينية واللغوية والألوان والمذاهب… إلخ، سنجد تواري مفهوم بوتقة الصهر “Melting Pot” من الأدبيات الاجتماعية الأمريكية لصالح مفهوم جديد شرع بتعميمه المؤرخ الأمريكي كارل ديغلر (Carl Degler) عام 1959 وهو مفهوم “طَبَق السَلطة” (Salad Bowl)، والذي يعني تعدد المكونات التي تحافظ على قدر من “ماهيتها” (أو هويتها) ولكنها تساهم مع غيرها في تشكيل “مذاق مشترك”.
وفي تقديري أن العولمة ستسير في هذا الاتجاه… فالمنظومة المعرفية للعالم تتلاقح فكراً وفناً وموسيقى وأدباً وعلوماً.. إلخ، وهنا يتكون “طبق السلطة” الذي يتذوقه الجميع بمقدار مشاركتهم في تكوينه، ومن لا يشارك في تكوين الطبق، ليس من حقه التذوق إلا من باب “التسول”.
إن النظرة المعيارية للعولمة أمر يختلف عن فهم منهجها، والخلط بينهما يدفع البعض لتغليب المنظور المعياري على ثقل رسوخ المنهج، دون أن يعني ذلك أننا ندعو لاستبعاد المنظور المعياري، ولكنها دعوة للتحرر من قيود الحتميات.. ربما.
