قُدّر لي أنني في الوقت الذي كنت أتأمل فيه قصة قارون كما وردت في القرآن الكريم كنت في ذات الوقت أطلع على كتاب “استهلاك الحياة” للفيلسوف وعالم الاجتماع الفذ زيجومنت باومان. فمن خلال التأمل في قصة قارون تأملا فلسفيا والاطلاع على أفكار باومان بشكل عام في سلسلة “السيولة” وجدت علاقة فلسفية واجتماعية عميقة بين القصة في السياق القرآني وأفكار باومان، وكأنما جاء مشروع باومان في تفاصيله مفسرا ما أجمله القرآن في قصة قارون خاصة في ما يتعلق بـ النزعة الاستهلاكية والمادية وتحول القيم في المجتمع الحديث. هذه العلاقة لا تقوم على التشابه السطحي فحسب ، بل على مستوى أعمق يتعلق بفهم الإنسان لذاته وموقعه في العالم.

قارون كرمز فلسفي للمادية

تُعدّ قصة قارون من القصص القرآنية الخالدة التي تتجاوز كونها حكاية تاريخية، لتتحول إلى نموذج رمزي عميق الصلة بطبيعة الإنسان حين ينغمس في المادية ويختزل وجوده في المال والسلطة ، فلم يكن قارون مجرد شخص ظهر في صفحة من صفحات التاريخ ثم ولت هذه الصفحة وطويت ،  بل هو نموذج يتكرر وسيظل يتكرر، أي أن قارون ليس شخصا فحسب بل هو فكرة ومرض اجتماعي متكرر في الزمان والمكان.

سيولة القيم واستعلاء المادة

الفكرة المركزية في مشروع باومان مفهومه عن “الحداثة السائلة”، حيث تصبح القيم والعلاقات الاجتماعية مائعة ، غير ثابتة، وليست ذات مرجعية عليا إنما المرجع هو المادة والمنتج وماذا يملك الإنسان من ماديات ،عندها يتحول الإنسان إلى كائن يسعى باستمرار إلى التملك والاستهلاك على حساب الاستقرار المعنوي.

غلاف كتاب "استهلاك الحياة" لزيجمونت باومان، يظهر صورة له وهو يدخن. الكتاب يتناول موضوعات الاستهلاك والعلاقات الاجتماعية في العالم المعاصر. التصميم بسيط مع خلفية زرقاء وعنوان بارز باللغة العربية.

في قصة قارون نجد أن قارون يمثل حالة مبكرة لهذه السيولة القيمية ، فلم يكن المال هناك وسيلة، بل هو المرجعية الوحيدة للمعنى حيث تفقد القيم الأخلاقية والمعنوية (كالعدل والتواضع والنظر الأخروي) ثباتها أمام اغراء الثروة.

بعبارة أخرى، قارون هو نموذج لإنسان فقد المرتكز الثابت للمعنى، وهو ما يحاول باومان أن يصفه ويعالجه في العصر الحديث.

المادة كهوية وغاية

يرى باومان أن الإنسان في المجتمع الاستهلاكي لم يعد يُعرّف بما ينتجه ويعمله ويقدمه للمجتمع ، بل بما يستهلكه ويملكه  والأمر ذاته كان في قارون عندما كان يعرف نفسه ويعليها متفاخرا بما يملكه ويستهلكه فكان رد العقلاء من قومه “إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ” ومحاولتهم ترسيخ مفهوم مهم جدا فيما يتعلق بالمادة أنها ليست السبيل الوحيد للسعادة والطمأنينة والاستقرار النفسي وأنها ليست غاية وقيمة في حد ذاتها إلا بما تساهم به في تيسير الوصول للغاية الحقيقية الكبرى ” وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ

“إنما أوتيته على علم عندي” – فردانية مطلقة

في هذا السياق القرآني معالجة لفكرة فلسفية مهمة: هل الثروة نتيجة استحقاق (merit) فقط؟ أم أنها مزيج من عوامل: الحظ، السياق الاجتماعي والتاريخي ، والتمكين الإلهي؟

القرآن ينقد رؤية قارون لأنها:

  • تنكر البعد الغيبي (العطاء الإلهي)
  • وتغفل العدالة الاجتماعية

فلسفيًا، هذا يشبه نقد الفلاسفة لفكرة “الفردانية المطلقة” التي تتجاهل دور المجتمع في نجاح الفرد لعل أبرز هؤلاء الفلاسفة جون رولز (John Rawls)الذي يرى أن حتى قدراتك نفسها ،ذكاءك، مهاراتك ، ليست من صنعك بالكامل.

كذلك بالنسبة لباومان ، فإنسان مجتمع السيولة ومجتمع الاستهلاك تسيطر عليه صفة “الفردانية” في مشاعره وعلاقاته وغاياته ، حيث يرى أن الفرد المعاصر يميل إلى تفسير نجاحه باعتباره نتاجًا خالصًا لقدراته الشخصية، متجاهلًا البنى الاجتماعية والظروف التاريخية والعلاقات الإنسانية التي ساهمت في تكوين هذا النجاح، وهكذا كان قارون كما وصفه القران فعندما نُصح بأن يشكر الله ويستخدم ثروته في الخير والعطاء، أجاب بقوله: “إنما أوتيته على علم عندي” ، وهو تصريح يكشف عن نزعة فردانية متطرفة تقطع الصلة بين الإنسان وبين أي مصدر متعالٍ للقيمة أو العطاء.

فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ – تسويق الذات وتسليع الإنسان

في كتابه “استهلاك الحياة” ، يبين باومان أن الإنسان في المجتمع الاستهلاكي لا يكتفي باستهلاك السلع، بل يتحول هو نفسه إلى سلعة تُقاس قيمتها بقدرتها على الامتلاك ، يقول باومان : ” لايمكن لأحد في مجتمع المستهلكين أن يصبح ذاتا دون أن يتحول أولا إلى سلعة”

كذلك يتحول الإنسان في مجتمع المستهلكين إلى آلة تسويقية ضخمه ولكن المُسَوّق له في المقام الأول هو “ذاته” ، إذ يركّز باومان على فكرة أن المجتمع الاستهلاكي يقوم على العرض (display) ، ففي المجتمع الاستهلاكي تستعلي المظاهر المادية فيسود الشكل على حساب الجوهر لذلك يكون سعي المرء في هذا المجتمع للمظاهر وإلى تمييز نفسه عن الآخرين وهذا ما فعله قارون عندما ” خرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ “

يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ 

أحد أهم أفكار باومان أن المجتمع الاستهلاكي، رغم وفرة السلع، ينتج قلقًا دائمًا لأن الرغبات لا تُشبع والمنتجات تتوالى سريعا فينشأ بالتالي في  أفراد المجتمع نهم شديد ورغبة جامحة جدا لامتلاك كل ما هو جديد وبالتالي نشوء خوف وقلق من فواتها وهذا ما يطلق عليه “عقدة القصور” فالاستهلاك لا يحقق السعادة، بل يعمّق الشعور بالنقص يعني هذا أن ينشأ في المجتمع تطلع وغبطة لكل من يملك هذه المنتجات المادية وأمنية عميقة أن يصبحوا مثلهم.

خطورة فعل قارون لا يكمن في غروره بما يملك فحسب ، بل أنه يتحول مثلا أعلى للعوام وصغار العقول ، هذه اللحظة التي تباهى بها قارون بممتلكاته ليست مجرد مشهد إعجاب، بل هي لحظة إنتاج ” الرغبة ” القائمة على المقارنة والاستهلاك.

أي أن قارون لم يكن غنيًا فقط، بل كان آلة دعائية منتِجًا للرغبات ومُشكِّلًا لخيال الجماعة حول النجاح وهو بالضبط ما يفعله الذين يُسمون في عصرنا بـ ” المشاهير”

رأس بشري مع سحاب ذهبي مفتوح يظهر داخله نقود ورقية، يرمز إلى فكرة الربح المالي والتفكير الإبداعي.

وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ – الوعي العاصم

هنا كالعادة يبرز دورالفكر والعلم والوعي العميق بمآلات الأمور وحقيقتها ” الذين اوتوا العلم” من الانجراف في التيار الشعبوي نحو تقديس المظهر والمادة والانبهار بها ورفع شأنها على حساب الجوهر الانساني

 ” فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ ” – السقوط الحتمي

خلاصة القول أن النموذج القاروني نموذج يعيد إنتاج نفسه في كل عصر . ففي عالم اليوم، حيث تُقاس القيمة بالثروة والإنتاج والاستهلاك، يظهر “قارون المعاصر” في صور متعددة:

  • في الشركات والمؤسسات التي تسعى لتكديس الأرباح المادية فقط على حساب القيم الإنسانية
  • في الأفراد الذين يختزلون نجاحهم في المال
  • في الطلاب الذين يعتبرون العلم مصدرا للوظيفة والمال فقط
  • في الأنظمة والقوانين التي تسهل النمو الاقتصادي للأثرياء دون اعتبار للرعاية الاجتماعية والأخلاق والقيم الروحية

وبذلك، فإن قصة قارون تُعدّ نصًا رمزيًا مبكرًا لما وصفه باومان في تحليله لأزمة المجتمعات الحداثية المعاصرة بـ”أزمة الحداثة السائلة” .

النموذج القاروني هو نموذج انتزاع الإنسان من جوهره الإنساني الأخلاقي الروحاني وصبغه بصبغة مادية بحتة ، فالمجتمع الاستهلاكي المعاصر يعيد إنتاج “القارونية” بأشكال جديدة: في عبادة الشهرة ، وتقديس الأثرياء، وربط قيمة الإنسان بما يملك من مال أو متابعين أو مظاهر نجاح شكلية . ولهذا فإن رسالة القرآن تتجاوز الحدث التاريخي إلى نقد دائم لمنظومة تجعل الثروة غاية بدل أن تكون وسيلة.

 سيتسبب هذا النموذج القاروني إذا انتشر واستفحل بدمار المجتمع و”خسف “علاقاته الاجتماعية وطمأنينته كما خُسف بقارون وبداره ، فالنظام القائم على المادية المحضة يحمل في داخله بذور انهياره ، إذ كانت نهاية قارون كما أخبرنا القرآن أن خُسف به وبداره الأرض. هذه النهاية ليست مجرد عقوبة، بل هو قانون تاريخي فلسفي:  حينما ينحرف الإنسان -وكذلك المجتمع- عن جوهره الإنساني والأخلاقي، يكون السقوط نتيجة حتمية.