لم تعد أسئلة الواقع المعاصر قابلة للإجابة من خلال تخصص واحد، في ظل تعقد الظواهر الاجتماعية والثقافية وتداخلها، بفعل المستجدات المعرفية المتسارعة. ومن هنا يغدو تكامل العلوم ضرورة لفهم أكثر اتساعا للواقع، وأقرب إلى الحقيقة.
من هذه الفكرة انطلقت ندوة “التكامل المعرفي” التي نظمتها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في قطر ممثلة في إدارة البحوث والدراسات الإسلامية، بالتنسيق مع مركز ابن خلدون للعلوم الاجتماعية والإنسانية بجامعة قطر، ضمن فعاليات الموسم الثقافي الثالث لسلسلة ندوات “التكامل المعرفي” والتي تقام هذا العام تحت شعار: “نحو وعي حضاري.. التكامل المعرفي أساس النهضة الإسلامية”.
وأقيمت الندوة الثلاثاء 8 سبتمبر 2026، بعد صلاة العشاء، في جامع الإمام محمد بن عبد الوهاب بالعاصمة القطرية الدوحة، بحضور سعادة السيد غانم بن شاهين بن غانم الغانم، وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، وعدد من مديري الإدارات، وبمشاركة نخبة من الأكاديميين والباحثين في الدراسات الإسلامية والتاريخ والفكر الحضاري وحملت الندوة عنوان “الوعي الحضاري في ضوء التكامل المعرفي: نحو قراءة جديدة للتاريخ والواقع”، وفتحت نقاشا حول إمكان إعادة قراءة التراث واستيعاب تحولات الواقع من خلال أدوات معرفية تتكامل بدل أن تعمل في نطاقات منفصلة.
وأوضح الشيخ الدكتور أحمد بن محمد بن غانم آل ثاني، مدير إدارة البحوث والدراسات الإسلامية، أن الندوة تأتي في إطار جهود الإدارة لتعزيز ثقافة التكامل المعرفي وإحياء الحوار العلمي بين التخصصات المختلفة، مبينا أن الجمع بين العلوم الشرعية والإنسانية والاجتماعية يمكن أن يسهم في بناء وعي حضاري متجدد، وإعادة قراءة التراث الإسلامي قراءة نقدية واعية، وتطوير أدوات أكثر فاعلية لتحليل الواقع واستيعاب تحولاته ومتغيراته.
وأضاف أن الندوة تسعى كذلك إلى الاستفادة من دروس التاريخ في استشراف المستقبل، وتقديم رؤى علمية تسهم في تعزيز التكامل المعرفي في فهم الظواهر الاجتماعية والثقافية التي تواجه الأمة، بما يدعم بناء الإنسان ويعزز قدرته على التعامل الواعي مع تحديات العصر.
هل تكفي التخصصات المنفردة لفهم الواقع؟
أكد الأستاذ الدكتور بدران بن لحسن، مدير مركز ابن خلدون للعلوم الاجتماعية والإنسانية بجامعة قطر، أن التحديات الفكرية والثقافية والاجتماعية والحضارية المعاصرة تتطلب رؤى علمية مركبة تتجاوز حدود التخصصات المنفردة.
وأشار إلى أن التكامل المعرفي يمثل قضية مركزية في برامج المركز وأنشطته العلمية، انطلاقا من الإيمان بأن هذه التحديات تستدعي التقريب بين التخصصات وربط البحث العلمي بأسئلة المجتمع وقضاياه. كما أوضح أن التعاون بين الوزارة والمركز يمثل نموذجا للشراكات العلمية الهادفة إلى إحياء هذا الأفق المعرفي وتجديد حضوره في الواقع المعاصر.
وأضاف الدكتور بدران لا تنحصر الغاية في إنتاج أفكار متجاورة، بل تتجاوز ذلك إلى تحويل مخرجات التكامل المعرفي إلى مبادرات وبرامج بحثية وتعليمية تدعم المنظور التكاملي في الجامعات والمؤسسات العلمية، وتربط البحث العلمي بأسئلة المجتمع وقضاياه. فالتكامل، في هذا التصور، لا يكتمل بمجرد الحوار بين التخصصات، وإنما حين تتحول نتائجه إلى مسارات عملية في البحث والتعليم.
من التراث إلى المستقبل
تناولت الندوة محورين رئيسيين؛ الأول بعنوان “الوعي الحضاري بين الأصالة والمعاصرة: تكامل العلوم كمدخل لإعادة قراءة التراث”، وركز على أهمية الجمع بين الوفاء للأصول والانفتاح الواعي على معطيات العصر، من خلال قراءة التراث قراءة نقدية تستحضر سياقاته التاريخية وآلياته المعرفية، وتفرق بين الثابت والمتغير في التجربة الحضارية الإسلامية.
أما المحور الثاني فجاء بعنوان “من التاريخ إلى الواقع: التكامل المعرفي كأداة لفهم التحديات واستشراف المستقبل”، وتناول أهمية الإفادة من دروس التاريخ في تحليل الواقع المعاصر، وتوظيف معارف التاريخ والاجتماع والثقافة والاقتصاد والتقنية ضمن إطار قيمي متكامل يساعد على فهم التحولات واستشراف مسارات المستقبل.
وترجم هذان المحوران الرؤية العامة للندوة إلى أوراق علمية تناولت نماذج من الفكر التكاملي في التجربة الإسلامية، وإمكان بناء صلات منهجية جديدة بين تخصصات تبدو، للوهلة الأولى، متباعدة.
المحور الأول: الوعي الحضاري بين الأصالة والمعاصرة
تناول الأستاذ الدكتور إبراهيم محمد زين، أستاذ الدراسات الإسلامية ومقارنة الأديان بجامعة حمد بن خليفة، المحور الأول من الندوة : “الوعي الحضاري بين الأصالة والمعاصرة: تكامل العلوم كمدخل لإعادة قراءة التراث”، من خلال التطرق إلى ثلاثة نماذج فكرية تمثلت في أبي الحسن العامري، وابن خلدون، وإسماعيل راجي الفاروقي.
وأوضح أن اختياره لهذه النماذج جاء لاجتماعها في محاولة تحقيق معنى الأصالة والمعاصرة، أو الأصالة والتجديد، في ضوء السياقات العلمية التي عاش فيها أصحابها، مشيرا إلى أن أبا الحسن العامري يمثل، في نظره، أحد أفضل النماذج لهذه الرؤية، ثم جاء ابن خلدون ليكملها، قبل أن يقدم الفاروقي أطروحة معاصرة في التكامل المعرفي تجمع بين الرؤيتين.
العامري: نحو تكامل بين العلوم الملية والحكمية
توقف الأستاذ الدكتور إبراهيم زين عند كتاب أبي الحسن العامري “الإعلام بمناقب الإسلام”، موضحا أن العامري لم يكتف فيه بعرض العلوم، وإنما قدم كذلك نظرية في المعرفة، أي في كيفية معرفة الإنسان، وربط هذه النظرية بتصنيف العلوم التي كانت موجودة في زمانه.
وقسم العامري هذه العلوم إلى دائرتين أساسيتين:
- العلوم الملية
- والعلوم الحكمية أو علوم الأوائل؛ وهي العلوم التي كانت معروفة لدى الأمم السابقة، وترجم قسم منها إلى اللغة العربية في العصرين الأموي والعباسي.
وقسم العلوم الملية إلى ثلاثة أنواع بحسب وسيلة تحصيلها؛ فأولها ما كانت وسيلة تحصيله الحس، ومثله بعلم الحديث، مؤكدا أن ذلك لا يعني غياب العقل، وإنما يعني أن وسيلة السماع هي الوسيلة الأولى في التحصيل. وثانيها ما كانت وسيلة تحصيله العقل، ومثله بأصول الدين والعقائد الإيمانية وعلم الكلام. وثالثها ما جمع بين العقل والحس، وهو علم الفقه.
ورأى العامري أن اللغة العربية هي الآلة التي تقوم عليها هذه العلوم الثلاثة، ولذلك فإن إتقانها يعد أساسا لإتقان هذه العلوم.
أما العلوم الحكمية، فقسمها أيضا إلى ثلاثة أنواع؛ ما كانت وسيلته الحس، وهي العلوم الفيزيائية التي عرفت لدى اليونان وغيرهم من الأمم السابقة، وما كانت آلته العقل، وهو ما عرف لديهم بما بعد الطبيعة أو الميتافيزيقا، وما جمع بين العقل والحس، وهي العلوم الهندسية، التي يمكن بواسطتها بناء الجسور والقلاع والمؤسسات.
وجعل المنطق الآلة التي تفهم بها هذه العلوم، مشيرا إلى أن المنطق في زمن العامري لم يكن قد خضع للنقد بعد، ولم يكن قد أدرج في داخل الحضارة العربية الإسلامية. ولفت إلى أن العامري توفي سنة 381هـ ، ثم جاء الغزالي فأدرج المنطق في العلوم الإسلامية، قبل أن يقوم ابن تيمية بنقد المنطق ونظريتي الحد والبرهان.
وشدد العامري، بحسب عرض زين، على أن العلوم الملية الثلاثة تتكامل فيما بينها، فلا يجوز لمن له حظ من علم الحديث أن يهون من شأن العلوم الأخرى أو يحتقرها، ولا لمن له حظ من الفقه أن يحقر العلوم الأخرى أو ينتقص من منزلتها، لأن هذه العلوم تتكامل لتشكل في مجموعها العلوم الملية المهمة لكل مسلم.
وربط العامري، في نظريته في المعرفة، بين العلوم الملية واليقين؛ إذ رأى أن اليقين لا يمكن أن يحصل للإنسان إلا بوحي من الله عز وجل، ولذلك تقوم العلوم الملية على اليقين، بينما لا تقوم العلوم الحكمية على اليقين بالمعنى نفسه.
كما قال إن الإيمان موقعه القوى العاقلة في الإنسان، والكفر موقعه القوى المتخيلة، وقرر أن “كل نبي حكيم ولا ينعكس”.
وأوضح الدكتور زين أن هذه الرؤية تمثل مدرسة أبي الحسن العامري، وهي تختلف تماما عن مدرسة ابن سينا والفارابي التي انتقدها الإمام الغزالي، وترتبط بمدرسة الكندي والبلخي والعامري في موقفها المعرفي من التراث.
وتظهر الأصالة في هذا التصور، بحسب زين، في جعل العلوم الملية يقينية ومفتاحا للمعارف الإنسانية الأخرى؛ فما وقع في تلك المعارف مخالفا لهذه العلوم الدينية يطرح لأنه لم يبن على اليقين الذي قامت عليه العلوم الملية. ومن ثم تحتل الأصالة موقعا متقدما في نقد العلوم والمعارف التي انتقلت إلى الحضارة الإسلامية من الحضارات الأخرى.
ابن خلدون: العقل السديد جسرا بين العلوم
انتقل بعد ذلك الاستاذ الدكتور إبراهيم زين إلى ابن خلدون، الذي رأى أنه أكمل الرؤية التي بدأها العامري في النظر إلى العلوم وتصنيفها، من خلال العلم الجديد الذي اكتشفه في مقدمته، وهو علم العمران.
وأشار إلى أن تصنيف ابن خلدون جاء مقاربا لتصنيف العامري في البدء بالعلوم الملية، لكنه لم يجعلها في درجة واحدة، بل رتبها بحسب قربها من القرآن الكريم والسنة النبوية.
فوضع علوم القرآن في المقدمة، تليها علوم التفسير والقراءات وسائر العلوم المرتبطة بكتاب الله، ثم السنة والعلوم التي صنعتها الحضارة الإسلامية وابتكرها علماؤها، ثم علم الفقه، فعلم أصول الفقه، فالجدل، ثم علم الكلام.
وأوضح زين أن ابن خلدون كان مالكيا أشعريا، وأن الجزء الذي عقده لعلم الكلام جاء في إطار أشعري مالكي، بينما لم يلتزم الإطار نفسه حين تناول علم الفقه.
ثم جاء التصوف، الذي أشار ابن خلدون إلى بعده عن المصدر، ثم علم تعبير الرؤيا، الذي انقطع تدريسه في المؤسسات العلمية، مع بقاء اعتباره علما مهما.
وبعد ذلك انتقل ابن خلدون إلى العلوم الحكمية، فبدأ بالعلوم النافعة التي لا يحيط بها جدل، مثل الفيزياء والطب والأرثماطيقا، ثم تناول علم الفلاحة، مشيرا إلى ما دخله من وثنيات وشركيات بعد أن ترجم إلى العربية، وإلى ما أدخله مبتكروه فيه من عناصر منحرفة.
وبعد فراغه من التصنيف، طرح ابن خلدون فكرة وجود وحدة بين العلوم الملية والعلوم الحكمية، وهذه الوحدة هي العقل البشري السديد.
فالعقل السديد هو الذي يكون حاكما على صحة العلوم وبطلانها، على أن تكون مرجعيته مؤيدة بالوحي. ولذلك يحق لهذا العقل أن يعيد فهم العلوم ودراستها وتمحيصها، وأن يستمر في ذلك، فلا يركن الناس إلى التقليد، وإنما يستخدمون عقولهم لطرح ما لا يلائم العقل.
لكن زين شدد على أن هذا العقل ليس عقلا منفلتا، وإنما هو عقل مسدد بنور الوحي، وأن تفعيله يمتد كذلك إلى العلوم الحكمية التي ترجمت ودخلت في دائرة التداول المعرفي الإسلامي.
ومن هنا، فإن العلوم التي تخالف أصل التوحيد ينبغي أن تطرح جملة وتفصيلا. وفي هذا السياق، أشار إلى العلوم الإلهية عند اليونان التي دخلت دائرة التداول الإسلامي عبر الترجمة، وإلى الفصل الذي سماه ابن خلدون “فساد الفلسفة وبطلان منتحلها”، معتبرا أن المقصود بالفلسفة هنا العلوم الإلهية اليونانية التي تتضمن، بحسب هذا التصور، مخالفة واضحة للتوحيد الذي هو أصل الأصول عند المسلمين.
وبذلك يتضح، في تصنيف ابن خلدون، ما هو أصيل وما هو دخيل، وما المعيار الذي يميز بينهما.
الفاروقي: من أزمة الازدواجية إلى مشروع التكامل المعرفي
عرج الأستاذ الدكتور إبراهيم زين بعد ذلك إلى إسماعيل راجي الفاروقي، الذي حضر مؤتمر مكة عام 1977م، والذي جاء في سياق النظر في مشكلة التعليم والازدواجية التي رآها عدد من علماء المسلمين مشكلة حقيقية، وكانت هذه الازدواجية سببا في سقوط الدولة العثمانية؛ فالسقوط العسكري لم يكن، في هذا التصور، سوى مظهر من مظاهر السقوط، بينما تمثل السقوط الحقيقي في دخول علوم الأوائل إلى الدولة العثمانية من دون وضع أسس ومحاذير لتكاملها مع العلوم القائمة في الحضارة الإسلامية.
وأشار إلى أن العلماء الغربيين الذين جاءوا من فرنسا وألمانيا لتعليم الهندسة والطب كانوا، بحسب عرضه، ينقلون كذلك الإلحاد، ويربطون بينه وبين العلم الذي أنشئ في بلادهم، كما أن الجامعات التي أنشئت كانت تقوم على رؤية لا يتحقق فيها تكامل العلوم على أساس معيار الوحي الإسلامي.
ومن هنا، انعقد مؤتمر مكة عام 1977، وخرج بجملة من التوصيات نشرت بعد ذلك. غير أن الفاروقي ومجموعته رأوا ضرورة العمل على مشروع علمي متكامل يبين كيفية تحقيق التكامل المعرفي.
ويقوم أساس هذا التكامل، كما عرضه زين، على وحدة الخالق عز وجل، ووحدة الحقيقة والحق، ووحدة الجنس البشري، بوصفها عناصر توحد البشر، مع طرح السؤال المتعلق بكيفية تفعيل هذه المقومات التوحيدية في بناء نسق تعليمي وعلمي متكامل.
تفعيل التكامل في المؤسسات العلمية
أشار زين إلى أن المعهد العالمي للفكر الإسلامي اشتغل على هذه القضية، وساهم في إعادة إنشاء الجامعة الإسلامية العالمية في ماليزيا، التي عمل فيها نحو 23 عاما.
وفي السنوات الأخيرة، لاحظ، بحسب ما عرضه، توسعا كبيرا في مسألة التكامل المعرفي عقب مجموعة من ورش العمل التي عقدها الدكتور أبو بكر ومجموعة المعهد، ومن بينها ورشة عقدت في الجزائر لتعليم الباحثين كيفية إنجاز التكامل العلمي في أبحاثهم.
كما أشار إلى ورش أخرى عقدها الدكتور أبو بكر والدكتور فتحي الملكاوي في الجزائر والمغرب والأردن وماليزيا وبلدان أخرى، ولاحظ أنها أسهمت في لفت انتباه الباحثين إلى أهمية هذا المجال، وإلى ضرورة تفعيله في المؤسسات العلمية.
المحور الثاني أصول الفقه وأصول التاريخ
في المحور الثاني، قدم الدكتور عبدالله عصام العبيد، الأستاذ المساعد في قسم التاريخ والآثار بجامعة الكويت، ورقة بعنوان “أصول الفقه وأصول التاريخ: هوامش الالتقاء لتجديد التساؤلات” وانطلق من الرغبة في تجديد النظر في العلاقة بين المعارف والعلوم، وعلاقة الإنسان بهذه المعارف والعلوم، وعلاقة الإنسان والمعارف والعلوم بالعالم الذي نعيش فيه ونتفاعل معه، وركز على إمكان التجسير أو التكامل العلمي على المستويات النظرية والمفاهيمية والمنهجية بين أصول الفقه وأصول التاريخ.
وأوضح أن اختيار هذين العلمين يعود إلى ما بينهما من اشتراك في بنية علمية قائمة على التقعيد والتأسيس لمجالاتهما التداولية، وإلى قيامهما مقام علوم الآلة التي تخدم علوم الغاية المقصودة لذاتها، أي الفقه والتاريخ، فضلا عن كونهما أدوات دقيقة ذات بعد تصحيحي للمعرفة المصدرية في المجال التداولي لكل منهما.
وأشار الدكتور العبيد إلى كتاب الدكتور حسان شهيد “منهج النظر المعرفي”، الذي رأى أنه كان له سبق في تسليط الضوء على العلاقة بين التاريخ وأصول الفقه، من خلال ما فعله الشاطبي في “الموافقات” وابن خلدون في “المقدمة”، والتركيز على أثر هذا الاستقرار في التاريخ والحضارة الإسلامية، موضحا أن الكتاب صدر ضمن سلسلة “الأمة” التي نشرتها وطبعتها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في قطر.
وحدد العبيد أربعة محاور لمداخلته: الحاجة إلى التكامل المعرفي، وأقسام التكامل ذات الصلة بالبحث، وماهية هوامش الالتقاء، والتنبيهات المنهجية في السعي إلى التكامل بين أصول الفقه وأصول التاريخ.
وأوضح أن هذه المحاور تمثل مقدمات لفهم إمكان العلاقة التكاملية بين العلمين، وأن هناك محاور أخرى تفصيلية لن يتناولها في المداخلة، على أن ترد في الورقة البحثية التي ستنشر لاحقا.
كما أوضح أنه سيعني بأصول التاريخ ما يسمى الآن النظرية التاريخية، وهو مرادف إلى حد ما لما يعرف بفلسفة التاريخ، وأنه اختار هذا المصطلح العربي في مقابل أصول الفقه، في حين يترجم الباحثون الغربيون المعاصرون أصول الفقه إلى النظرية الفقهية أو النظرية القانونية.
التخصص العلمي وأزمة تفتت المعرفة
طرح ادكتور عبدالله العبيد سؤال الحاجة إلى التكامل في عصر التقانة والعولمة والمؤسسات البحثية الحديثة، وأجاب عنه بالإيجاب؛ فعلى الرغم من التقانة الفائقة والعولمة التي أزالت الحواجز الثقافية والحضارية، ما زالت العلوم تعاني التشتت والتشظي.
وأوضح أن القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين كانا عصر التخصص، بل الإغراق في التخصص العلمي، خصوصا في العلوم الإنسانية والاجتماعية والعلوم الطبيعية والتجريبية. وكانت الأبواب موصدة والحواجز مرتفعة بين التخصصات بحجة أن كل علم يحافظ على استقلاليته العلمية وهويته التي تميزه عن بقية العلوم.
وأدى هذا التخصص إلى تجزئة العلوم وفصلها بعضها عن بعض، وأوقعها في عزلة معرفية.
لكن عصر العولمة والتقانة، وما صاحبهما من تحديات وكوارث إنسانية، جلب تزعزع الثقة في العلوم الإنسانية والاجتماعية، بل وفي العلوم الطبيعية والتجريبية أيضا، ونقلها من حالة التخصص إلى حالة التفتت، وخلق فوضى علمية ومعرفية، إلى جانب العدمية والنسبية وسقوط السرديات الفكرية الكبرى.
وهذه العوامل، بحسب العبيد، حتمت على العلوم التقارب ومد الجسور فيما بينها، خصوصا مع التفطن إلى أن العالم بجميع أبعاده مركب ومعقد. وأشار إلى أن هذه الظاهرة رصدها عدد من المؤرخين وعلماء الاجتماع المعاصرين، مثل إيمانويل والرشتاين وإدغار موران، الذي رأى أن تفتيت المعارف يؤثر في فهم المعرفة وفهم ذواتنا والعالم الذي نعيش فيه، خاصة في عصر الوفرة المعلوماتية.
التكامل المعرفي واستعادة العلاقة بين الإنسان والدين
رأى الدكتور عبدالله العبيد أن التكامل المعرفي بين علوم مختلفة من حقول معرفية مختلفة من شأنه أن يخفف من غلواء المركزية الحضارية لحضارة ما على بقية الحضارات، وبخاصة المركزية الغربية، كما يمكن أن يخفف من سطوة علم على العلوم الأخرى، ويعزز الحوار والتعاون بين المختصين في علوم شتى.
ورأى كذلك أن الحاجة إلى التكامل المعرفي ترتبط بإعادة التفاعل بين الإنسان والدين في عصر أقصي فيه الدين والعلوم الدينية من تصنيف العلوم ومن الحياة البشرية.
وأشار إلى أن التاريخ شهد تفاعلا بين التاريخ والدين في مختلف الحضارات البشرية، وكذلك بين الدين والمعارف والعلوم الإنسانية الأخرى.
وذهب إلى أن الحقيقة الغائبة تتمثل في أن العلوم الإنسانية والاجتماعية المعاصرة التي نشأت في الغرب استمدت جزءا رئيسيا من شرعيتها العلمية ورسخت مكانتها المعرفية بفضل الدين نفسه، قبل أن يتنكر له بعض علمائها ويجعلوه فقط موضعا للدراسات الموضوعية أو التفكيكية التي أفرغته من الجانب المقدس وأصبغت عليه صفة الدراسات الثقافية أو الأنثروبولوجية.
وأشار، في هذا السياق، إلى كتاب صدر للفيلسوف كوامي أنتوني أبياه، بين فيه أن الدين كان له دور حاسم في نشأة العلوم الاجتماعية في الحضارة الغربية، وبالأخص علم الاجتماع، فلم يكن مجرد موضوع أو مصدر معلومات، وإنما كان إطارا تحليليا وفكريا ومفاهيميا في فهم المجتمع بالنسبة إلى علم الاجتماع.
رأى العبيد أن الحاجة الأولية إلى التكامل المعرفي تكمن أساسا في القدرة على توليد الأسئلة البحثية وتجديد النظر في العلم والمعلوم، معتبرا أن هذه النقطة تكاد تكون غائبة في بعض الكتابات التي اهتمت بالتكامل المعرفي.
فالعلم، بحسب طرحه، لا يقوم على المشكلات والحلول فقط، وإنما تبدأ المعرفة بأسئلة تثار عندما نواجه أمرا أو نلاحظ ظاهرة، أو نقرأ نصا ذا صلة باهتماماتنا أو بظروفنا التاريخية وتخصصنا العلمي.
والسؤال هو تصور قصدي أولي وفق الخريطة الإدراكية البشرية يضع موضوعا ما في إطار ذي معنى، بحيث يصبح تحت مجهر الملاحظة والتفكير المكثف حتى الوصول إلى إجابة أولية أو مناسبة.
كما يمكن النظر إلى السؤال بوصفه تعليقا للحكم وتوسيعا لمجال الإمكان، أي إمكان المعرفة، وهو إمكان يقتضي الاجتهاد في التفكير والبحث الدؤوب.
ومن هنا فإن الأسئلة هي منبع التجديد والاجتهاد، ويأتي التكامل المعرفي أحد طرق إثارة هذه الأسئلة وإنتاجها أو تسليط الضوء عليها.
واستحضر العبيد، في هذا السياق، تعليق برهان الأئمة البخاري الحنفي، في “شرح أدب القاضي” للخصاف، على كلمة عمر بن عبد العزيز في طلب العلم، ومفادها أن كل العلوم لا يؤتاها كل واحد، وإنما يؤتى كل أحد بعض العلوم، وأن الإنسان يضم ما عند غيره إلى ما عنده بالسؤال.
وأشار كذلك إلى أن البحث العلمي المعاصر أصبح، للأسف، مهووسا بالفرضيات البحثية التي ارتبطت بالعلوم الطبيعية والتجريبية والأبحاث الكمية، وهي شبيهة وذات صلة بالقضايا المنطقية.
التكامل المعرفي في 3 أقسام
أوضح الدكتور عبدالله العبيد أن التكامل، بما أنه نشاط وممارسة بشرية، فهو محكوم بالزمان والمكان ومن هذه الزاوية، أكد وقوع تكامل في الماضي وانقضى، وكان موجودا وسائدا في الحضارة الإسلامية بين مختلف المعارف والعلوم، سواء كانت شرعية أو غير شرعية. وهناك تكامل ما زال واقعا ومستمرا، وهو ظاهر في العلوم الشرعية بسبب اشتراكها في المسائل والمبادئ، وبسبب ترسخ المدارس العلمية الشرعية عبر التاريخ بفضل التلمذة والإسناد. كما أن هناك تكاملا قد يقع في المستقبل بين مختلف العلوم، وتمثل ورش العمل والمؤتمرات، ومنها تلك التي تقيمها إدارة البحوث والدراسات الإسلامية ومركز ابن خلدون، صورة لهذا الاحتمال.
ومن حيث طبيعته الإجرائية، هناك تكامل إجرائي يتعلق بالخطوات العملية والتطبيقية المستخدمة في البحث العلمي، ولا ينفذ إلى صلب العلوم ولا يصبح جزءا لا يتجزأ منها، ومثاله المنهج المقارن المستخدم في علوم شتى في عصرنا.
وفي المقابل هناك تكامل جوهري يدخل في بنية العلوم ويساهم في تشكيلها، ومثاله ما ذكره الأصوليون، مثل الجويني في “البرهان”، من أن عماد أصول الفقه قائم على علم الفقه واللغة العربية وعلم الكلام.
كما تحدث عن تكامل جزئي معني ببعض أجزاء العلوم يحدث فيها تغييرا جزئيا، وفي المقابل هناك تكامل كلي يشمل الجهاز المعرفي كله، من الجانب النظري والمفاهيم والمنهج والمسائل وغيرها، بحيث ينتقل من التكامل إلى الاندماج المعرفي، وهو ما قد يولد حقلا معرفيا جديدا أو يؤدي إلى ذوبان أحد العلمين في الآخر.
ومن حيث المجال، قسم التكامل إلى ثلاثة أقسام: تكامل مجاور، وتكامل داخلي، وتكامل خارجي.
فالتكامل المجاور يعني أن تكون العلوم منتمية إلى مجال معرفي واحد، مثل التاريخ والاجتماع، اللذين ينتميان إلى العلوم الإنسانية والاجتماعية. وأوضح العبيد أنه لا يرى فصلا بين العلوم الإنسانية والاجتماعية، وأن تجاورها واشتراكها في دراسة عالم الإنسان أنشأ حقولا مشتركة أو متداخلة، مثل التاريخ الاجتماعي في علم التاريخ، وعلم الاجتماع التاريخي في علم الاجتماع.
وفي العلوم الشرعية، يظهر التجاور في اشتراكها في النظر في الدين الإسلامي.
أما التكامل الداخلي، فيعني أن نجد في العلم الواحد حقولا معرفية متعددة تنتمي إلى علم واحد يجمعها، مثل علوم اللغة العربية: النحو والصرف والبلاغة والعروض.
أما التكامل الخارجي، فهو التكامل بين علوم ليست متجاورة، وإنما متغايرة في موضوعاتها ومجالاتها، مثل التاريخ والطب.
هوامش الالتقاء بين أصول الفقه وأصول التاريخ
أوضح الدكتور عبدالله العبيد أن بيان أنواع وأقسام التكامل المعرفي يعين على تحديد هوامش الالتقاء بين أصول الفقه وأصول التاريخ.
وإذا وجد تشابه أو اشتراك، ولو كان جزئيا أو شكليا، فإن ذلك يعني إمكان التواصل، وبالتالي إمكان التكامل المعرفي بين العلمين.
وهذا الالتقاء هو التقاء على الهامش، أي عند أطراف العلوم؛ فالهوامش تتيح فرص الالتقاء والتفاعل، لتجاور الحدود المعرفية أو قربها من بعضها بعضا، من دون التعدي على الخصوصية العلمية لأحد العلمين، أو تغليب علم على آخر بحجة الدراسات البينية أو الأفضلية أو الأسبقية.
استشهد العبيد بما يذكره مؤلفا كتاب “الهامشية المبدعة” من أن مناطق الحدود بين ميدانين فرعيين تمثل أكبر إمكان للابتكار، وأن الحدود أقل كثافة، بما يترك مجالا أوسع لتطورها، فيما تتيح التركيبات الناجحة في مناطق التقاطع بين الميادين المعرفية للإبداع مجالا أكبر للانتشار، وأن أكبر تراكم للتقدم يقع في منطقة التقاطع بين الميادين المعرفية.
وأكد أن تعيين هوامش الالتقاء ليس غرضه إثبات أسبقية أصول الفقه على أصول التاريخ، أو العكس، وليس الهدف كذلك إثبات تأثر أحد العلمين بالآخر أو استمداده منه، وإنما إظهار وجود ممارسات واهتمامات علمية مشتركة بين مختلف العلوم.
وعرف الممارسة العلمية بأنها تفاعل بين العالم الذي يتموضع فيه العالم، والموضوع المدرك، والإجراءات البحثية المتبعة لفهم العلاقة بين العالم والموضوع والربط بينهما.
وأشار إلى أن المجال في هذه الكلمة لا يتسع للحديث التفصيلي عن هوامش الالتقاء بين العلمين على المستوى المنهجي والمفاهيمي والنظري، أو عن الدلالات المعرفية الكامنة وراء هذه الهوامش، أو عما يمكن أن يقدمه أصول الفقه لأصول التاريخ، وما يمكن أن يقدمه أصول التاريخ لأصول الفقه، موضحا أن هذه النقاط سترد مفصلة في الورقة البحثية التي ستنشر لاحقا.
تنبيهات منهجية
اختتم الدكتور عبدالله العبيد مداخلته بمجموعة من التنبيهات المنهجية المتعلقة بالسعي إلى التكامل بين أصول الفقه وأصول التاريخ.
- أولها خطر المفارقة التاريخية، أو ما يعرف في الدراسات التاريخية ب”الأناكرونزم”، ويعرف في الأدبيات العربية بالإسقاط، أو إسقاط المفاهيم التاريخية.وأوضح أن المفارقة التاريخية، على أهميتها، سلاح ذو حدين بالنسبة إلى من لم يستوعب مفهومها النظري أو لا يحسن استخدامه، أو لا يتفطن إلى وجوده الخفي في البحث العلمي والمعرفي، وهي من المفاهيم الرئيسية والخطيرة في أصول التاريخ، بل في جميع حقول التاريخ، وملازمة للعمل التاريخي مثل السرد التاريخي والتحقيب التاريخي. وتعني إسقاط مفاهيم أو صفات من فترة تاريخية أو ثقافية معينة على موضوع ينتمي إلى فترة تاريخية أو ثقافة مختلفة، إما بالتشبيه بينهما، أو بتأكيد اشتراكهما في هذه الصفات والمفاهيم، أو، في أخطر صورها، باعتقاد تطابق الموضوعين وجعلهما شيئا واحدا، بما يسقط الحواجز الزمنية والحضارية بينهما.
- والتنبيه الثاني هو ضرورة الانتباه إلى الثابت والمتغير في العلوم والمعلوم، حتى لا يكون هناك صدام أو تعارض مفتعل بين الثوابت أو اليقينيات بين العلوم.
- أما التنبيه الثالث فيتعلق بالدين والإنسان؛ فأصول الفقه يقدم منهجية لفهم النص الديني وإنزاله على الواقع والعالم الذي نعيش فيه، وهو يتعامل مع الوحي الإلهي والهدي النبوي. وهذا ما جعل بعض الأصوليين، مثل الشاطبي في “الموافقات”، يقررون أن أدلة أصول الفقه أو مبادئه قطعية.في المقابل، يتعامل أصول التاريخ، في الغالب، مع نصوص بشرية تاريخية أو مصادر بشرية تاريخية، بغية فهم التاريخ نفسه، أو التاريخ بوصفه معرفة أو علما أو حدثا.
- أما التنبيه الأخير، فهو اختلاف المنطلقات المعرفية؛ فأصول الفقه نشأ في الحضارة الإسلامية، ولأنه موجه إلى النص الديني استمد أصوله من الدين الإسلامي، بينما نشأ أصول التاريخ في العصر الحديث في الحضارة الغربية، واستمد مفاهيمه من التراث الفكري والإنساني والاجتماعي في الحضارة الغربية.
ويرى الدكتور العبيد أن هذه التنبيهات تجعلنا أكثر حذرا من الاندفاع نحو حلول تلفيقية بين العلوم الشرعية والعلوم الإنسانية والاجتماعية المعاصرة، وأن الحل قد يكون في توطين العلوم وتبيئتها على هوامش الالتقاء المعرفي بين العلوم، لأنها الأنسب للتكامل والتفاعل المعرفي، وأشار إلى أن خطوات التبيئة كثيرة، وأن عددا من الباحثين قدموا مقترحات جيدة وفعالة، مثل طه عبد الرحمن في كتابه “تجديد المنهج في تقويم التراث”، وساري حنفي في كتابه “علوم الشرع والعلوم الاجتماعية”، والدكتور نايف بن نهار في كتابه “التوطين والتفاعل في العلوم الاجتماعية”، وغيرهم.
خاتمة
تعكس الشراكة بين وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في قطر ومركز ابن خلدون للعلوم الاجتماعية والإنسانية بجامعة قطر، وإقامة مثل هذه الندوة، التطبيق العملي للتعاون العلمي الهادف إلى إحياء هذا الأفق المعرفي وتجديد حضوره في الواقع المعاصر، وفتح آفاق جديدة للحوار حول مفهوم التكامل المعرفي وشروطه ومجالاته، بما يسهم في التقريب بين التخصصات وربط البحث العلمي بقضايا المجتمع.