إن بلوغ المجتمع فعاليّته القصوى في طريق تحقيق نهضته متوقّف – كما يقول مالك بن نبي- على “الحالة التي يحقّق فيها هذا المجتمع أفضل الظروف النفسيّة الزمنيّة لأداء نشاطه المشترك. وهذا يحدث بوجه عام عندما يكون المجتمع في حالة النشوء: كالمجتمع الإسلامي في العهد المدني، والمجتمع المسيحي في مغارات روما، إذ إنّه في هذه الحالة يحقق أرفع درجات الاندماج والانسجام، فيكون التوتّر الأخلاقيّ قد بلغ ذروة درجاته[1]”. ولذلك تمثّل تجربة الجيل الأول في أمّتنا تجربة القدوة، حيث تتحقّق فيها أعلى مستويات الانسجام الروحي والفكري والأخلاقي والاجتماعي، ممّا جعلها تجربة تحقّق الفعالية القصوى في كل ما قامت به من منجزات.
ولعل هذا يتمثّل في عقد المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وكذلك في قوله صلّى الله عليه وسلّم: (الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كالْبُنْيانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا) [متفق عليه]، وهذا “يعكس حالة المجتمع الإسلاميّ الأوّل، حين حقّق في المدينة نموذج المجتمع المنسجم في طبقة واحدة، فكان كلُّ فرد مرتبطًا ارتباطًا واقعيًّا بكل الآخرين من أعضاء المجتمع بوساطة علاقات شخصيّة” [2].
غياب الفاعليّة في المجتمع
يفقد المجتمع فعاليّته، ويدخل في طريق التخلّف والتفكّك والعطالة عن أي إنجازٍ تاريخيٍّ، حينما يصل إلى وضع يفقد فيه الانسجام بين أفراده، إلى جانب فقده بين منظومته الفكريّة والقِيَمِيَّة والروحيّة، “فيتفرّق أفراده ذرّات، ويصبح في نهاية تحلُّله عاجزًا تمامًا عن أداء نشاطه المشترك. [3]
وهذا مؤشر خطير على أنّ المجتمع يتعرّض للهلاك، بالرغم من أنّ هذا المجتمع قد يكون مُتخَمًا “بالأشخاص والأفكار والأشياء[4]”، ولكن بلا جدوى، لأن المجتمع بفقده الصلات الضرورية بين الأفكار والأشخاص والاشياء، يعجز عن القيام بالنشاط المشترك بين أفراده.
ولعل هذا ما يشير إليه حديث النبي ﷺ: (يوشِكُ الأُمَمُ أنْ تَداعى عليكم؛ كما تَداعى الأَكَلةُ إلى قَصْعتِها. فقال قائلٌ: ومِن قِلَّةٍ نحنُ يومئذٍ؟ قال: بل أنتم يومئذٍ كثيرٌ، ولكنَّكم غُثاءٌ كغُثاءِ السَّيْلِ، ولَينْزِعنَّ اللهُ من صدورِ عدُوِّكم المهابةَ منكم، وليَقذِفنَّ اللهُ في قلوبِكم الوَهَنَ. فقال قائلٌ: يا رسولَ اللهِ، وما الوَهَنُ؟ قال: حُبُّ الدُّنيا، وكراهيةُ الموت) [أخرجه أبو داود في السنن].
وهو حديث يعبّر عن حالة من الموت الوظيفي وحالة من التحلّل والتمزّق في المجتمع الإسلاميّ، حين “أصبح عاجزًا عن أي نشاط مشترك”. وهذا ما يسميه مالك بن نبي رحمه الله تحلّل شبكة العلاقات الاجتماعية، وهو واحد من العوائق الكبرى في طريق تحقيق نهضتنا الحضارية من جديد.
أثر تحلّل العلاقات الاجتماعية
ويظهر تحلّل شبكة العلاقات الاجتماعيّة في تمزّق البناء الاجتماعيّ للأمة، وسيادة النزعات القوميّة والعشائريّة والفئويّة، وسيادة النزعة الفرديّة في المجتمع، ممّا يؤدي إلى انعكاس بوصلة الانتماء، وقلب لمعيار القيم، وتعارضٍ لمصالح الأفراد والجماعات فيما بينها، فيحدث الاصطدام الداخليّ الذي يقضي على العمل المتكامل الجادّ بين أفراد المجتمع ومكوّناته المختلفة، فيتحوّل التنوّع الذي يقود إلى ثراء تجربة المجتمع، إلى تناقضات تسبّب التنازع والتمزّق، ويؤدّي ذلك كلّه إلى إهدار الكثير من الطاقات الاجتماعية وصرفها فيما لا جدوى منه.
إلى جانب ذلك تتعاظم الانشغالات الشخصيّة على حساب الانشغالات العامّة، ويغرق كل إنسان في مفرداته الخاصة وينسى أنه “اجتماعيٌّ بطبعه” من جهة، وأنه جزء من مجتمع تقع على عاتقه واجبات يتحتّم الوفاء بها نحوه من جهة أخرى. ولذلك؛ فإنه كلما زادت غلبة النزعة الذاتيّة على النزعة الاجتماعيّة زاد تحلّل شبكة العلاقات الاجتماعيّة ونقصت الفعاليّة الاجتماعيّة، وكلما نقص الدافع إلى العمل المشترك تقلّصت الفعاليّة الاجتماعية وزاد النزوع نحو الفردية أيّ الأنانيّة وحب الذات.
عوامل التفكّك الاجتماعي
إن ازدياد حضور الفردانية في مساحات أي مجتمع مؤشّرٌ على غياب الفعالية الاجتماعيّة، والعمل المشترك، وتحلّل شبكة العلاقات الاجتماعية، وقد غذى تفكّك هذه الشبكة وتحوّلها إلى “مرض اجتماعيّ” عاملان أساسيان؛ أولهما: تراكم فكر الانعزال عن المجتمع، والانشغال بالذات، من خلال انتشار تعاليم بعض التيّارات الفكريّة والاجتماعيّة والروحيّة التي أنتجها تطوّرنا التاريخيّ، وذلك كما لدى بعض اتجاهات التصوّف التي بالغت في ذمّ الدنيا، وَدَعَت إلى الانعزال عن الناس وتجنّب أذاهم، إلى جانب إسهام السلطة السياسيّة التي قلصت من حرّيّة الحركة الاجتماعيّة ومن تفاعل المجتمع مع قضاياه، وتفاعل مجتمعات المسلمين فيما بينهم، فبدل أن يكون هناك “التواد، والتراحم، والتعاطف، والتكافل”، طبِّقَت مقولة “عليك نفسك”، وانشغل بأمورك ودع الناس لرب الناسّ، واهتم بدائرتك الصغرى … إلخ.
أما العامل الثاني فهو النفايات الأيديولوجيّة التي تسرّبت إلينا من تجربة الفردانيّة الغربيّة المعزولة عن سياقها، فتحوّلت إلى “فكرة قاتلة” لكل تراحم وتعاطف وتوادٍّ وتكامل بين أفراد الأمة، ممّا غذّى النزعة الفرديّة، وأسهمت بالمبالغة في تجاهل الآخرين وعدم الاكتراث لأوضاعهم.
خلاصة القول
لعلّ جوهر المشكلة وسبب تفكّك شبكة العلاقات الاجتماعيّة الذي يتجلى في العلاقات بين الأفراد، يكمن “فيما يصيب الأنا عند الفرد من تضخّم ينتهي إلى تحلّل الجسد الاجتماعيّ لصالح الفردية”، فيختفي الشخص- بتعبير بن نبي- وهو الإنسان الذي يعي موقعه ودوره الاجتماعيّ، ويحل بدله الفرد، الذي ينشغل بالأنا الفرديّ وتتضخّم شخصيّته فوق حدود ما يجعلها فاعلة في المجتمع، على حساب “الجسد الاجتماعيّ”، وهنا يحذّرنا بن نبيّ من أنّه “حينما تصاب الذوات بالتضخّم”، يصبح “العمل الجماعي المشترك صعبًا أو مستحيلًا”، ممّا يدل على أنّ “العلاقات الاجتماعيّة تكون فاسدة”، وحينها لا يتجه الناس إلى إنجاز عمل مشترك وإيجاد الحلول، ولكن إلى إثبات ذواتهم في مقابل الآخرين.
وهذا يحتاج انتباه الخبراء لتوصيف كيفيّة بدايات مرض شبكة العلاقات الاجتماعيّة، كما يحتاج إلى تربية تستعيد للإنسان توازنه الاجتماعيّ.
