نال القرآن الكريم المرتبة الأولى في العناية داخل المكتبة الإسلاميّة، وقلّ أن تجد عالما مسلما استحق الإمامة العلميّة ليس له حظّ من الإسهام في خدمة الذّكر الحكيم، حيث طرّق العلماء حقولا متعدّدة في هذه الخدمة الجليلة مثل التّفسير بمختلف أنواعه التّحليليّ، والموضوعيّ، والفقهيّ، والعقديّ، واللّغويّ والبيانيّ، والغريب، والإعراب، والإعجاز، وأسباب النّزول، وعلوم القرآن، ومنها علم تناسب السور والآيات، وهو الأقلّ في استقلالية الحضور، وإن تناوله بعض المفسّرين في مدوّناتهم التّفسيرية، إما أصالة أو تبعا، وهو ما استدركه بعض المعاصرين في التّفسير الموضوعي، وخاصة داخل السور الكريمة.
فمن المؤلفات المستقلة ما دبّجه البقاعي في كتابه الجليل “نظم الدرر في تناسب الآيات والسور”، ومن المؤلفين بالتبع والتدبّر الإمام ابن تيمية الذي كتب مقدّمة أصيلة في أصول التفسير، وتناثرت آراؤه التّفسيرية في مختلف رسائله إمّا قصدا، أو تعريجا، أو استدلالا، وترك بعض الأثرة في تناسب السور حفظها لنا بعضها تلميذه ابن عبد الهادي في كتابه “اختيارات شيخ الإسلام”، وبعضها الآخر متناثر في مجمل رسائله.
وهو ما نحاوله استجلاب درره واقتناص فوائده ونكته في هذا المقال الموجز، ومن تلك اللمحات ما قاله:
أولاً: تناسب السور الطوال (البقرة، آل عمران، النساء، المائدة)
أ- سورة البقرة:
قال ابن تيمية: “فواتح السور تناسب خواتمها، وذلك تناسبٌ مظنونٌ، كما أنَّ “البقرة” أُفتتحت بذكر الكتاب وأنَّه هدى للمتّقين، وذكر في ذلك الإيمان بما أنزل إلينا وما أنزل على من قبلنا، ووُسِّطت بمثل ذلك، وخُتمت بمثل ذلك، في قوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ [البقرة: 285]. وكان في “البقرة” مخاطبةً: لجميع الخلق حتَّى يدخل فيه من لم يؤمن بالرسل عمومًا؛ ولمن أقرَّ بهم خصوصًا؛ وللمؤمنين بالجميع خصوص الخصوص؛ ففيها خطاب الأصناف الثلاثة.
ب- آل عمران:
قال ابن تيمية: وأمَّا “آل عمران” فالغالب عليها مخاطبة من أقرَّ بالرسل من أهل الكتاب، ومخاطبة المؤمنين، فافتتحها سبحانه بذكر وحدانيَّته ردًّا على المشركين من النّصارى وغيرهم، وذكر تنزيل الكتاب، وذكر ضلال من اتَّبع المتشابه، ووسَّطها بمثل ذلك، وختمها بقوله: ﴿لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: 199].
ج- النساء:
قال ابن تيمية: “وسورة النّساء الغالب عليها مخاطبة النّاس في الصّلات التي بينهم بالنّسب والعقد، وأحكام ذلك، فافتتحها الله سبحانه بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ لعموم أحكامها، وقال: ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: 1] فذكر اشتراك جميع النّاس في الأصل، وأمرهم بتقوى الله الذي يتعاقدون ويتعاهدون به، فإنَّ كلَّ واحدٍ من المتعاقدين يطلب من الآخر ما قصده بالعقد، وهو بالله يعقده، إذ قد جعلوا الله عليهم كفيلًا؛ وبصلة الأرحام التي خلقها هو سبحانه”.
د- المائدة:
قال ابن تيمية: “وأمَّا “سورة المائدة، فإنَّها سورة العقود، فإنَّ العهود والمواثيق التي يعقدها بنو آدم بينهم وبين ربِّهم، ويعقدها بعضهم لبعض -مثل: عقد الإيمان، وعقد الأيمان-، فأمر الله بالوفاء بالعهود، والوفاء بالعهود من صفات الصّادقين دون الكاذبين؛ وختم السورة بما يناسب ما تحتها، فقال: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [المائدة: 119]، فالموفون بالعقود صادقون، فنفعهم الصّدق بالوفاء يوم القيامة بما وعدهم من الكرامة..
وتكلم ابن تيمية عن الوفاء بالعهد الذي افتتحت به المائدة، فقال: “وهذه “سورة المائدة” للمؤمنين، أمرهم فيها بالوفاء بالعقود، وذكَّرهم فيها بنعمته، ….فذكر النعم يوجب الشكر، والوفاء بالعقود يحتاج إلى الصبر، فلابدَّ أن يكون صبَّارًا شكورًا، كما قال في أثناء السورة بعد آية الطهارة: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [المائدة: 7].
وتكلم عن ارتباط سورة المائدة بالمنهاج التشريعي، فقال: “لمَّا كان هذا فاتحة السورة كان من مضمونها الشريعة والمنهاج التي جعلها لأهل القرآن، فبيَّن لهم من تفصيل أمره ونهيه -الذي جعله الله لهم شرعةً ومنهاجًا- في هذه السورة ما وجب عليهم الوفاء به، لأجل إيمانهم الذي هو عقد يوجب عليهم: طاعة الله ورسوله واتباع كتابه، ولهذا روي عن النبي ﷺ: “إنَّ سورة المائدة آخر القرآن نزولًا فأحلُّوا حلالها وحرِّموا حرامها” لما أمرهم الله عز وجل أن يوفُّوا بالعهود المتناول لعقوده التي [وجبت عليهم] بالإيمان به = بيَّن ما أمر به، وبيَّن ما نهى عنه، وما حلَّله، وما حرَّمه، ليبيِّن أنَّ الوفاء بالعقود: باتباع هذا الأمر والنهي، والتحليل والتحريم، فقال: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ الآيات [المائدة: 1]، .. ونهاهم عن أن يحملهم بغض قوم يمنعونهم من الدين أن يعتدوا، وأمرهم كلَّهم [جميعًا] أن يتعاونوًا على البرِّ والتقوى، ولا يتعاونوا على الإثم والعدوان، ثمَّ فصَّل لهم ما حرِّم عليهم..”
ثانياً: الفارق بين السور المكية والمدنية (الأنعام والأعراف نموذجاً)
ذكر ابن تيمية الفارق بين الزهراوين وبين باقي السور الطوال وهي الأنعام والأعراف فقال: “أمَّا السور المكِّية -كالأنعام والأعراف وغيرهما- ففيها مخاطبة الناس، الذين يدخل فيهم: المكذِّب بالرسل، والمقرُّ بهم، ولهذا كانت السور المكِّية في تقرير أصول الدّين التي اتَّفق عليها المرسلون، بخلاف السور المدنيَّة، فإنَّ فيها مخاطبة أهل الكتاب -الذين آمنوا ببعض الكتب-، ومخاطبة المؤمنين- الذين آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله-، ما ليس في السور المكِّية، ولهذا كان الخطاب [بـ]: (يا أيها الذين آمنوا) مختصًا بالسور المدنيَّة، وأمَّا الخطاب بـ: (يا أيها الناس) فالغالب أنَّه من السور المكية، وربَّما كان في السور المدنيَّة، لأنَّ الخطاب العامّ يدخل فيه المؤمنون وغيرُهم، بخلاف الخاصّ، والأصول تعمُّ ما لا تعمُّ الفروع “.(اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية: رقم 96)
ثالثاً: التناسب في قصار السور وترتيب المصحف
إذا كان ابن تيمية ركّز فيما سبق على التّناسب الدّاخلي في السور الطوال، فإنّه عمد في السور القصار إلى ذكر التّناسب داخلها، وبينها، معتمدا ترتيب النّزول أحيانا، والتّرتيب المصحفي أحيانا أخرى، فالسور الآتية القصيرة من آخر المفصل فيها ترتيب وتناسب بديع عبّر عنه بقوله:
- سورة اقرأ (العلق): هي أول ما نزل من القرآن؛ ولهذا افتتحت بالأمر بالقراءة، وختمت بالأمر بالسجود ووسطّت بالصلاة التي أفضل أقوالها وأولها بعد التحريم هو القراءة، وأفضل أفعالها وآخرها قبل التحليل هو السجود؛ ولهذا لما أُمر بأن يقرأ أنزل عليه بعدها المدثر لأجل التبليغ فقيل له: ﴿قم فأنذر﴾ فبالأولى صار نبيا وبالثانية صار رسولا؛ ولهذا خوطب بالمتدّثر وهو المتدفئ من برد الرّعب والفزع الحاصل بعظمة ما دهمه،..فكأنه نُهي عن الاستدفاء، وأُمر بالقيام للإنذار.
- المناسبات البينية: كما خوطب في (المزمل) وهو المتلفّف للنوم لما أمر بالقيام إلى الصلاة، فلما أمر في هذه السورة بالقراءة ذكر في التي تليها نزول القرآن ليلة القدر، وذكر فيها تنزّل الملائكة والروح، وفي (المعارج) عروج الملائكة والروح، وفي (النبأ) قيام الملائكة والروح. فذكر الصّعود والنّزول والقيام، ثم في التي تليها تلاوته على المنذرين حيث قال: ﴿يتلو صحفا مطهرة﴾ ﴿فيها كتب قيمة﴾. فهذه السور الثلاث منتظمة للقرآن أمرا به وذكرا لنزوله ولتلاوة الرّسول له على المنذرين.
- سورة (الزلزلة) و (العاديات) و (القارعة) و (التكاثر): متضمّنة لذكر اليوم الآخر وما فيه من الثواب والعقاب، وكل واحد من القرآن واليوم الآخر قيل هو النبأ العظيم.
- سورة (العصر) و (الهمزة) و (الفيل) و (لإيلاف) و (أرأيت) و (الكوثر) و (الكافرون) و (النصر) و (تبت): متضمنة لذكر الأعمال حسنها وسيئها، وإن كان لكل سورة خاصة.
- سورة الإخلاص والمعوذتان: ففي الإخلاص الثناء على الله، وفي المعوذتين دعاء العبد ربه ليعيذه والثناء مقرون بالدعاء كما قرن بينهما في أم القرآن المقسومة بين الرب والعبد: نصفها ثناء للرب ونصفها دعاء للعبد والمناسبة في ذلك ظاهرة؛ فإن أول الإيمان بالرسول الإيمان بما جاء به من الرسالة وهو القرآن، ثم الإيمان بمقصود ذلك وغايته وهو ما ينتهي الأمر إليه من النعيم والعذاب: وهو الجزاء ثم معرفة طريق المقصود وسببه وهو الأعمال: خيرها ليفعل وشرها ليترك.
- ختام المصحف: ختم المصحف بحقيقة الإيمان وهو ذكر الله ودعاؤه، كما بنيت عليه أم القرآن فإن حقيقة الإنسان المعنوية هو المنطق، والمنطق قسمان: خبر وإنشاء وأفضل الخبر وأنفعه وأوجبه ما كان خبرا عن الله كنصف الفاتحة وسورة الإخلاص، وأفضل الإنشاء الذي هو الطلب وأنفعه وأوجبه ما كان طلبا من الله كالنصف الثاني من الفاتحة والمعوذتين. (مجموع الفتاوى، 16/477).
خاتمة المقال
ويمكن القول بأنّ ابن تيمية يفتح بابا مهمّا لمن بعده في دراسة التّناسب بين السور القرآنية، وما لذلك من أثر في التّنزيل والتّقصيد، وهي لمحات عجيبة متناثرة ومتفرّقة في مختلف كتبه ورسائله، ويحسن أن يقوم لها بعض الناهدين لجمع دررها واكتناه فوائدها، فخدمة القرآن المجيد لا تنتهي، لأنّ عجائبه لا تنقضي، خاصة وأنّ علم المناسبات لمّا يستوى بعد على سوقه، مما يوجب تظافر الجميع في معركة الإعجاز القرآنيّ.
