تفسير سورة الفاتحة

نفسير سورة الفاتحة

هذا تفسير الفاتحة مستل من كتابنا حسن التحرير أفردناه بالنشر لعظم  الحاجة إليه لكل مسلم ومصل  نسأل الله تعالى أن ينفع به والحمد لله رب العالمين.

أسماؤها  :   يقال لها الفاتحة أي فاتحة الكتاب خطاً وبها تفتتح القراءة في الصلوات ، و يقال لها أيضاً أم الكتاب عند الجمهور ، وقد ثبت في الصحيح عند الترمذي وصححه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الحمد لله رب العالمين أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني والقرآن العظيم ويقال لها: ( الحمد ) ويقال لها : ( الصلاة ) لقوله عن ربه : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فإذا قال العبد الحمد لله رب العالمين قال الله : حمدني عبدي الحديث فسميت الفاتحة صلاة لأنها شرط فيها ويقال لها : (الرقية) لحديث أبي سعيد في الصحيح حين رقى بها الرجل السليم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما يدريك أنها رقية ؟

مكان نزولها  : وهي مكية قاله ابن عباس وقتادة وأبوالعالية ، وقيل مدنية قاله أبو هريرة ومجاهد وعطاء بن يسار والزهري ويقال نزلت مرتين : مرة بمكة ومرة بالمدينة ، والأول أشبه لقوله تعالى : ( ولقد آتيناك سبعاً من المثاني ) والله تعالى أعلم .

عدد آياتها :وهي سبع آيات بلا خلاف ، وإنما اختلفوا في البسملة هل هي آية مستقلة من أولها كما هو عند جمهور قراء الكوفة وقول جماعة من الصحابة والتابعين وخلق من الخلف ، أو بعض آية ، أو لا تعد من أولها بالكلية كما هو قول أهل المدينة من القراء الفقهاء على ثلاثة أقوال كما سيأتي تقريرها في موضعه إن شاء الله تعالى وبه الثقة

عدد كلماتها وحروفها  :قالوا وكلماتها خمس وعشرون كلمة وحروفها مائة وثلاثة عشر حرفاً . قال البخاري في أول كتاب التفسير : وسميت أم الكتاب لأنه يبدأ بكتابتها في المصاحف ويبدأ بقراءتها في الصلاة ، وقيل : إنما سميت بذلك لرجوع معاني القرآن كله إلى ما تضمنته . قال ابـن جريـر : والعرب تسمي كل جامع أمر أو مقدم لأمر إذا كانت له توابع تتبعه هو لها إمام جامع : أمّاً ، فتقول للجلدة التي تجمع الدماغ أم الرأس ، ويسمون لواء الجيش ورايتهم التي يجتمعون تحتها : أمّاً .

   قال وسميت مكة أم القرى لتقدمها أمام جميعها ، وجمعها ما سواها ، وقيل ، لأن الأرض دُحيت منها ، ويقال لها أيضاً : الفاتحة لأنها تفتتح بها القراءة وافتتحت الصحابة بها كتابة المصحف الإمام ، وصح تسميتها بالسبع المثاني قالوا لأنها تثنى في الصلاة فتقرأ في كل ركعة ، وإن كان للمثاني معنى آخر كما سيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى .

  ذكر ما ورد في فضل الفاتحة من الأحاديث

عن أبي سعيد بن المعلى رضي الله عنه قال : كنت أصلي فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم أجبه حتى صليت ، قال فأتيته فقال : ما منعك أنْ تأتيني ؟ قال قلت : يا رسول الله إني كنت أصلي قال : ألم يقل الله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا ..؟ استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحيكم ) ثم قال : لأعلمنَّك أعظمَ سورةٍ في القرآن قبل أن تخرج من المسجد قال : فأخذ بيدي فلما أراد أن يخرج من المسجد قلت : يا رسول الله إنك قلتَ لأعلمنك أعظم سورة في القرآن ، قال : نعم (الحمد لله رب العالمين ) هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته   رواه البخاري .

   وروى الإمام أحمد بسنده عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبيّ بن كعب ، وهو يصلي قال : يا أبيّ ، فالتفت ثم لم يجبه ، ثم قال : أبيّ ، فخفف أبي ثم انصرف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : السلام عليك أي رسول الله قال وعليك السلام ما منعك أي أبي إذ دعوتك أن تجيبني ؟ قال : أي رسول الله إني كنت في الصلاة قال : أولست تجد فيما أوحى الله تعالى إلي : ( استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم )  ؟ قال : بلى يا رسول الله لا أعود قال أتحب أن أعلمك سورة لم تنزل لا في التوراة ولا الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها؟ قلت نعم أي رسول الله ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إني لأرجو أن لا أخرج هذا الباب حتى تعلمها ، قال : فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي يحدثني وأنا أتبطأ مخافة أن يبلغ قبل أن يقضي الحديث ، فلما دنونا من الباب قلت : أي رسول الله ما السورة التي وعدتني ؟ قال : ما تقرأ في الصلاة ؟ قال فقرأت عليه أم القرآن قال : والذي نفسي بيده ما أنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها ، إنها السبع المثاني . رواه الترمذي والنسائي

واستدلوا بهذا الحديث وأمثاله على تفاضل بعض الأيات والسور على بعض ، كما هو المحكي عن كثير من العلماء ، منهم إسحاق بن راهويه وأبو بكر بن العربي وابن الحفار من المالكية .

وروى البخاري في فضائل القرآن بسنده عن أبي سعيد الخدري قال : كنا في مسيرِ لنا ، فنزلنا فجاءت جارية فقالت : إن سيد الحي سليم وإن نفرنا غيب فهل منكم راق ؟ فقام معها رجل ماكنا نأبنه برقيه فرقاه فبرأ ، فأمر له بثلاثين شاة وسقانا لبناً . فلما رجع قلنا له : أكنت تحسن رقية أو كنت ترقي ؟ فقال : لا ما رقيت إلا بأم الكتاب قلنا : لا تحدثوا شيئاً حتى نأتي ونسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما قدمنا المدينة ذكرناه للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : وما كان يدريه أنها رقية ، اقسموا واضربوا لي بسهم . وفي بعض روايات مسلم لهذا الحديث أن أبا سعيد الخدري هو الذي رقى ذلك السليم يعني اللديغ يسمونه بذلك تفاؤلاً .

حديث آخر : روى مسلم في صحيحه والنسائي في سننه من حديث ابن عباس قال : بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم  وعنده جبرائيل ، إذ سمع نقيضاً فوقه فرفع جبريل بصره إلى السماء فقال : هذا باب قد فتح من السماء ما فتح قط ، قال : فنزل منه ملك فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أَبشر بنورين قد أوتيتهما لم يُؤتهما نبيٌ قبلك ، فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة لم تقرأ حرفاً منهما إلا أوتيته . وهذا لفظ النسائي

   حديث آخر : روى مسلم بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : مَنْ صَلَّى صلاة لم يقرأ فيها أم القرآن فهي خِداجٌ ثلاثاً غير تمام فقيل لأبي هريرة إنا نكون خلف الإمام ، فقال : إقرأ بها في نفسك فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم  يقول : قال الله عزوجل : قَسَمتُ الصلاةَ بيني وبين عبدي نصفين ولعبد ما سأل فإذا قال : ( الحمد لله رب العالمين ) قال حَمَدني عبدي ، وإذا قال : ( الرحمن الرحيم ) قال الله أثنى علي عبدي ، فإذا قال ( مالك يوم الدين ) قال الله : مجدني عبدي ، وقال مرة : فوَّض إلي عبدي ، فإذا قال : ( إياك نعبد وإياك نستعين ) قال : هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل ، فإذا قال : ( إهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ) قال الله : هذا لعبدي ولعبدي ما سأل .

الكلام على ما يتعلق بهذا الحديث مما يختص بالفاتحة من وجوه

أحدها : أنه قد أطلق فيه لفظ الصلاة ، والمراد القراءة كقوله تعالى : ( ولا تَجهر بصلاتك ولاتُخافت به وابتغ بين ذلك سبيلا ) أي بقراءتك كما جاء مصرحاً به في الصحيح عن ابن عباس ، وهكذا قال في هذا الحديث : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فنصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل ثم بين تفضيل هذه القسمة في قراءة الفاتحة فدل على عظمة القراءة في الصلاة ، وأنها من أكبر أركانها إذْ أُطلقت العبادة وأريد بها جزءٌ واحد منها ، وهو القراءة كما أطلق لفظ القراءة والمراد به الصلاة في قوله : ( وقرآن الفجر ، إن قرآن الفجر كان مشهوداً ) والمراد صلاة الفجر كما جاء مصرحاً به في الصحيحين :  أنه يشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار فدل هذا كله أنه لا بد من القراءة في الصلاة وهو اتفاق من العلماء .

ثم إن مذهب الشافعي وجماعة من أهل العلم أنه تجب قراءتها في كل ركعة . وقال آخرون : إنما تجب قراءتها في معظم الركعات . وقال الحسن وأكثر البصريين: إنما تجب قراءتها في ركعة واحدة من الصلوات أخذاً بمطلق الحديث : لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي : لا تتعين قراءتها بل لو قرأ بغيرها أجزأه لقوله تعالى : ( فاقرءوا ماتيسر من القرآن ) والله أعلم (1) .

والوجه الثالث : هل تجب قراءة الفاتحة على الماموم ؟ فيه أقوال للعلماء:  أحدها : أنه تجب عليه قراءتها كما تجب على إمامه لعموم الأحاديث المتقدمة  والثاني : لا تجب على المأموم قراءة بالكلية لا الفاتحة ولا غيرها ولا في صلاة الجهرية ولا في صلاة السرية ، لما رواه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم  أنه قال : من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة ولكن في إسناده ضعف ، والقول الثالث : أنه تجب القراءة على المأموم في السرية لما تقدم ، ولا تجب ذلك في الجهرية لما ثبت في صحيح مسلم عن أبي موسى الأشعري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا ، وإذا قرأ فأنصتوا ،، وذكر بقية الحديث ، فدل هذان الحديثان على صحة هذا القول وهو قول قديم للشافعي رحمه الله : والله أعلم ، ورواية عن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى – والغرض من ذكر هذه المسائل ههنا بيان اختصاص سورة الفاتحة بأحكام لا تتعلق بغيرها من السور .

تفسير الاستعاذة وأحكامها

قال الله تعالى : ( خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين * وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم ) وقال تعالى : ( ادفع بالتي هي أحسن السيئة نحن أعلم بما يصفون * وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون ) وقال تعالى : ( ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوةٌ كأنه وليٌ حميم * وما يُلقَّاها إلا الذين صبروا وما يٌلقاها إلا ذو حظٍ عظيم * وإما يَنزغَنَّك من الشيطان نزغٌ فاستعذْ بالله إنه هو السميع العليم ) .

   فهذه ثلاث آيات ليس لهن رابعة في معناها ، وهو أن الله تعالى يأمر بمصانعة العدو الإنسي والإحسان إليه ليرده عنه طبعه الطيب الأصل إلى المودة والمصافاة ، ويأمر بالاستعاذة به من العدو الشيطان لا محالة إذْ لا يقبل مصانعةً ولا إحسانا ولا يبتغي غير هلاك ابن آدم لشدة العداوة بينه وبين ابن آدم من قبل كما قال تعالى :(يا بني آدم لا يَفتننَّكم الشيطانُ كما أَخرجَ أبويكم من الجنة ) وقال تعالى : ( إن الشيطانَ لكم عدوٌ فاتخذوه عدواً إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السَّعير ) وقال : ( أفتتخذونه وذريته أولياءَ من دوني وهم لكم عدوٌ بئسَ للظالمين بدلا ) وقد أقسم للوالد آدم عليه السلام أنه له لمن الناصحين وكذب فكيف معاملتـه لنا وقد قـال : ( فبعزتك لُأغوينهم أجمعين * إلا عبادك منهم المخلصين ) وقال تعالى : ( فإذا قرأتَ القرآنَ فاستعذْ الله من الشيطان الرجيم * إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون * إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون) .

قالت طائفة من القراء وغيرهم : يتعوَّذ بعد القراءة واعتمدوا على ظاهر سياق الآية ولدفع الإعجاب بعد فراغ العبادة ، وممن ذهب إلى ذلك حمزة ، وحكى القرطبي عن أبي بكر بن العربي عن المجموعة عن مالك رحمه الله : أن القارئ يتعوذ بعد الفاتحة ، واستغربه ابن العربي . وحكى قولاً ثالثاً وهو الاستعاذة أولاً وآخراً جمعاً بين الدليلين ، نقله الرازي      

و المشهور الذي عليه الجمهور أن الاستعاذة إنما تكون قبل التلاوة لدفع الوسْواس عنها ومعنى الآية عندهم ( فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ) أي إذا أردت القراءة كقوله تعالى ( إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم ) الآية : أي إذا أردتم القيام ، والدليل على ذلك الأحاديث عن رسول الله بذلك : روى الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري قال : كان رسـول اللـه إذا قام من الليل فاستفتح صلاته وكبر قال : سبحانك اللهم وبحمدك ، تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك ويقول لا إله إلا الله ثلاثاً – ثم يقول – أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه وقد رواه أهل السنن الأربعة وقال الترمذي : هو أشهر شيء في هذا الباب ، وقد فَسَّر الهمزة بالموتة وهي الخنق ، والنفخ بالكبر والنفث بالشعر كما رواه أبو داود وابن ماجه عن نافع بن جبير بن المطعم عن أبيه قـال : رأيت رسول اللـه صلى الله عليه وسلم حين دخل في الصلاة قال : اللـه أكبر كبيراً ثلاثاً، الحمد لله كثيراً ثلاثاً ، سبحان الله بكرة وأصيلا ثلاثاً ، اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه قال : همزه الموتة ونفخه الكبر ونفثه الشعر .

وروى البخاري بسنده عن عدي بن ثابت قال : قال سليمان بن صرد رضي الله عنه : استبَّ رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم ونحن عنده جلوس فأحدهما يسب صاحبه مغضباً قد احمر وجهه فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه مايجد لو قال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم فقالوا للرجل ألا تسمع ما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إني لست بمجنون رواه مسلم .

  وقد جاء في الاستعاذة أحاديث كثيرة يطول ذكرها ههنا وموطنها كتاب الأذكار وفضائل الأعمال والله أعلم .

مسألة :  وجمهور العلماء على أن الاستعاذة مستحبة ، وليست بمتحتمة يأثم تاركها  ، وحكى الرازي عن عطاء بن أبي رباح وجوبها في الصلاة وخارجها كلما أرادة القراءة واحتج الرازي لعطاء بظاهر الآية      ( فاستعذ ) وهو أمر ظاهر الوجوب ، وبمواظبة النبي صلى الله عليه وسلم عليها ، ولأنها تدرأ شر الشيطان ، وما لا يتم الوجب إلا به فهو واجب ولأن الاستعاذة أحوط وهو أحد مسالك الوجوب .

مسألة : وقال الشافعي في الإملاء ويجهر بالتعوذ وإنْ أسرَّ فلا يضر وقال في الأم بالتخيير لأنه أسر ابن عمر وجهر أبو هريرة (2) ، واختلف قول الشافعي فيما عدا الركعة الأولى هل يستحب التعوذ فيها على قولين ورجح عدم الاستحباب ، والله أعلم .

مسألة  :  ثم الاستعاذة في الصلاة إنما هي للتلاوة ومن لطائف الاستعاذة : أنها طهارة للفم مما كان يتعاطاه من اللغو والرفث وتطييب له وهو لتلاوة كلام الله ، وهي استعانة بالله واعتراف له بالقدرة وللعبد بالضعف والعجز عن مقاومة هذا العدو المبين الباطني الذي لا يقدر على منعه ودفعه إلا الله الذي خلقه ، ولا يقبل مصانعة ولايُدارى بالإحسان ، بخلاف العدو من نوع الإنسان كما دلت على ذلك آيات من القرآن في ثلاث من المثاني وقال تعالى : ( إنَّ عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا ) وقد نزلت الملائكة لمقاتلة العـدو البشري فمن قتلـه العدو الظاهـر البشـري كـان شهيداً ، ومن قتلـه العدو الباطني كـان مفتوناً أو موزوراً ، ولما كان الشيطان يرى الإنسان من حيث لايراه استعاذ منه بالذي يراه ولا يراه الشيطان .

فصل : والاستعاذة هي الالتجاء إلى الله تعالى ، والالتصاق بجنابه من شر ، كل ذي شر والعياذة تكون لدفع الشر ، واللياذ يكون لطلب جلب الخير كما قال المتنبي :

يــا مَـن أَلُـــوذُ بــه فيمـا أُؤملــه

وَمـن أعـوذُ بـه ممـن أحــاذره

لا يَجبر النـاس عظــماً أنـت كاسـره

ولا يَهيضـون عظماً أنـت جــابره

ومعنى أعوذ بالله من الشيطان الرجيم أي : أستجير بجناب الله من الشيطان الرجيم أن يضرني في ديني أو دنياي أو يصدني عن فعل ما أمرت به ، أو يحثني على فعل ما نهيت ، عنه فإن الشيطان لا يكفه عن الإنسان إلا الله .

والشيطان في لغة العرب مشتق من شطن إذا بَعُدَ ، فهو بعيد بطبعه عن طباع البشر ، وبعيد بفسقه عن كل خير ، وقيل : مشتق من شاط لأنه مخلوق من نار ومنهم من يقول كلاهما صحيح في المعنى ، ولكن الأول أصح وعليه يدل كلام العرب .

وقال سيبويه : العرب تقول تشيطن فلان إذا فعل فعل الشياطين ، ولو كان من شاط لقالوا تشيط فالشيطان مشتق من البعد على الصحيح ، ولهذا يسمون كل من تمرد من جني وإنسي وحيوان شيطاناً قال الله تعالى : ( وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً ) وفي صحيح مسلم عن أبي ذر أيضاً قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  : يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب الأسود فقلت يارسول الله ما بال الكلب الأسود من الأحمر والأصفر ؟ فقال : الكلب الأسود شيطان والرجيم فعيل بمعنى مفعـول أي أنـه مرجـوم مطـرود عن الخيـر كلـه كمـا قال تعـالى : ( ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوماً للشياطين ) وقال تعالى : ( إنّا زينَّا السماء بزينة الكواكب وحفظاً من كل شيطان مارد * لايسَّمَّعون إلى الملأ الأعلى ويُقذفون من كل جانب * دُحُوراً ولهم عذابٌ وَاصب * إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب ) وقال تعالى : ( ولقد جعلنا في السماء بروجاً وزيناها للناظرين * وحفظناها من كل شيطانٍ رجيم*  إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين ) إلى غير ذلك من الآيات .

الكلام على البسملة

( بسم الله الرحمن الرحيم ) : افتتح بها الصحابة كتاب الله واتفق العلماء على أنها بعض آية من سورة النمل ثم اختلفوا هل هي آية مستقلة في أول كل سورة أو من أول كل سورة (3) كُتبت في أولها ، أو أنها بعض آية من كل سورة ،  أو أنها كذلك في الفاتحة دون غيرها ، أو أنها إنما كتبت للفصل لا أنها آية ، على أقوال للعلماء سلفاً وخلفاً وذلك مبسوط في غير هذا الموضع ، وفي سنن أبي داود بإسناد صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يعرف فصل السورة حتى ينزل عليه ( بسـم اللـه الرحمن الرحيم ) وأخرجه الحاكم .

وممن حكى عنه أنها آية من كل سورة إلا براءة ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وأبو هريرة وعلي ومن التابعين عطاء وطاوس وسعيد ابن جبير ومكحول والزهري وبه يقول عبد الله بن المبارك والشافعي وأحمد بن حنبل في رواية عنه وإسحاق بن راهوية وأبو عبيد القاسم بن سلام رحمهم الله وقال مالك وأبو حنيفة وأصحابهما : ليست آية من الفاتحة ولا من غيرها من السور هذا ما يتعلق بكونها آية من الفاتحة أم لا .

فأما الجهر بها فمفرع على هذا ، فمن رأى أنها ليست من الفاتحة فلا يجهر بها وكذا من قال إنها آية من أولها ، وأما من قال بأنها من أوئل السور فاختلفوا فذهب الشافعي رحمه الله إلى أنه يُجهر بها مع الفاتحة والسورة ، والحجة في ذلك أنها بعض الفاتحة فيجهر بها كسائر أبعاضها ، وأيضاً فقد روى النسائي في سننه وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والحـاكم في مستدركـه عن أبي هريرة أنه صلى فجهر في قراءته بالبسملة وقال بعد أن فرغ: إني لأشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم  . وصححه الدار قطني والخطيب والبيهقي وغيرهم .

وفي صحيح البخاري عن أنس بن مالك أنه سئل عن قراءة النبي صلى الله عليه وسلم فقال كانت قراءته مدّاً ثم قرأ ببسم الله الرحمن الرحيم يمد بسم الله ويمد الرحمن ويمد الرحيم .

   والخلف وهو مذهب أبي حنيفة والثوري وأحمد بن حنبل واحتجوا بما في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين وبما في الصحيحين عن أنس بن مالك قال : صليت خلف رسول النبي صلى الله عليه وسلم  وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا يفتتحون بالحمد لله رب العالمين ولمسلم : ولا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في آخرها .

فهذه مآخذ الأئمة رحمهم الله في هذه المسألة وهي قريبة لأنهم أجمعوا على صحة من جهر بالبسملة ومن أسر ولله الحمد والمنة (4).

وروى الإمام أحمد عن عاصم قال : سمعت أبا تميمة يحدث عن رديف النبي صلى الله عليه وسلم قال عثر بالنبي صلى الله عليه وسلم . فقلت : تَعس الشيطــان ، فقـال النبي صلى الله عليه وسلم  : لا تقل تعس الشيطان ، فإنك إذا قلـتَ تعـس الشيطـان تَعَاظـم وقـال : بقوتي صرعته ، وإذا قلت : باسم الله تَصَاغر حتى يصير مثل الذباب .

زيد وأبي سعيد مرفوعاً : لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه وهو حديث حسن ، ومن العلماء من أوجبها عند الذكر ههنا ، ومنهم من قال بوجوبها مطلقاً ، وكذا تستحب عند الذبيحة في مذهب الشافعي وجماعة ، وأوجبها آخرون عند الذكر ، ومطلقاً في قول بعضهم كما سيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله .

وهكذا تستحب عند الأكل لما في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال لربيبه عمر بن أبي سلمة : قل بسم الله وكل بيمينك وكل مما يليك ومن العلماء من أوجبها والحالة هذه ، وكذلك تستحب عند الجماع لما في الصحيحين عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال : لو أنَّ أحدَكم إذا أرادَ أن يَأتي أهله قال : بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فإنه إنْ يُقدَّر بينهما ولدٌ لم يَضره الشيطان أبداً .

فالمشروع ذكر اسم الله في الشروع في ذلك كله تبركاً وتيمناً واستعانة على الإتمام والتقبل والله أعلم .

( الله ) علم على الرب تبارك وتعالى يقال إنه الاسم الأعظم لأنه يوصف بجميع الصفات كما قال تعالى : ( هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم * هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون * هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السموات والأرض وهو العزيـز الحكيم ) فأجرى الأسماء الباقية كلها صفات له كما قال تعالى : ( ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها ) وقال تعالى : ( قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيَّاً ما تدعوا فله الأسماء الحسنى ) وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم   قال : إن لله تسعة وتسعين اسما ، مائة إلا واحداً من أحصاها دخل الجنة . وهو اسمٌ لم يسم به غيره تبارك وتعالى

( الرحمن الرحيم) اسمان مشتقان من الرحمة على وجه المبالغة ، ورحمن أشد مبالغة من رحيم ، قال أبو علي الفارسي : الرحمن اسم عام في جميع أنواع الرحمة يختص به الله تعالى والرحيم إنما هو من جهة المؤمنين قال الله تعالى : ( وكان بالمؤمنين رحيما ) وقال ابن عباس : هما اسمان رقيقان أحدهما أرق من الآخر أي أكثر رحمة .

وروى ابن جرير عن العزرمي يقول : الرحمن الرحيم قال : الرحمن لجميع الخلق ، الرحيم قال بالمؤمنين ، قالوا ولهذا قال ( ثم استوى على العرش الرحمن ) وقال : ( الرحمن على العرش استوى ) فذكر الاستواء باسمه الرحيم ، قالوا : فدل على أن الرحمن أشد مبالغة في الرحمة لعمومها في الدارين لجميع خلقه والرحيم خاصة بالمؤمنين .

واسمه تعالى الرحمن خاص به لم يسم به غيره كما قال تعالى : ( واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا اجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون ) ولما تجهرم مسيلمة الكذاب وتسمى برحمن اليمامة كساه الله جلباب الكذب وشهر به فلا يقال إلا مسيلمة الكذاب ، فصار يضرب به المثل في الكذب بين أهل المدر وأهل الوبر من أهل البادية والأعراب .

وقد زعم بعضهم أن ((الرحيم )) أشد مبالغة من الرحمن لأنه أكدّ به والمؤكد لا يكون إلا أقوى من المؤكد ، والجواب : أن هذا ليس من باب التأكيد وإنما هو من باب النعت ولا يلزم فيه ما ذكروه .

   رحيم ) كما وصف غيره بذلك من أسمائه كما قال تعالى : ( إنّا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعاً بصيراً ) والحاصل أن من أسمائه تعالى ما يسمى به غيره ومنها ما لا يسمى به غيره كاسم الله والرحمن والخالق والرزاق ونحو ذلك فلهذا بدأ باسم الله ووصفه بالرحمن لأنه أخص وأعرف من الرحيم ، لأن التسمية أولاً إنما تكون بأشرف الأسماء فلهذا ابتدأ بالأخص فالأخص .

 وروى ابن أبي حاتم عن الحسن قال : الرحمن اسم لا يستطيع الناس أن ينتحلوه ، تسمَّي به تبارك وتعالى .

الحَمدُ لله رَب العَالَمين

2- قال أبو جعفر بن جرير معنى ( الحمد  لله ) الشكر لله خالصاً دون سائر ما يعبد من دونه ، ودون كل ما برأ من خلقه بما أنعم على عباده من النعم التي لا يُحصيها العدد ولا يحيط بعددها غيره أحد ، في تصحيح الآلات لطاعته وتمكين جوارح أجسام المكلفين لأداء فرائضه مع ما بسط لهم في دنياهم من الرزق، وغَذَّاهم من نعيم العيش من غير استحقاق منهم ذلك عليه ، ومع نبههم عليه ودعاهم إليه من الأسباب المؤدية إلى دوام الخلود في دار المقام في النعيم المقيم ، فلربنا الحمد على ذلك كله أولاً و آخراً . وقال  :  (الحمد لله) ثناء أثنى به على نفسه وفي ضمنه أمر عباده أن يثنوا عليه فكأنه قال : قولوا الحمد لله .

وقال الجوهري : الحمد نقيض الذم ، تقول حمدت الرجل أحمده حمداً ومحمدة فهو حميد ومحمود والتحميد أبلغ من الحمد ، والحمد أعم من الشكر ، وقال في الشكر هو : الثناء على المحسن بما أولاه من المعروف يقال شكرته وشكرت له وباللام أفصح .

وأما المدح فهو أعم من الحمد لأنه يكون للحي وللميت وللجماد أيضاً كما يمدح الطعام والمكان ونحو ذلك ويكون قبل الإحسان وبعده ، وعلى الصفات المتعدية واللازمة أيضاً فهو أعم .

ما ورد في فضل ذكر الحمد

   روى الحافظ الترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  أفضل الذكر لا إله إلا الله ، وأفضل الدعاء الحمد لله وروى ابن ماجه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما أنعم الله على عبدٍ نعمةً فقال : الحمد لله إلا كان الذي أعطى أفضل مما أخذ .

   قال القرطبي وغيره : أي لكان إلهامه الحمد لله أكثر نعمة عليه من نعم الدنيا لأن ثواب الحمد لله لا يفنى ، ونعيم الدنيا لا يبقى ، قال الله تعالى : ( المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً وخير أملاً ) وحكى القرطبي عن طائفة أنهم قالوا : قول العبد الحمد لله رب العالمين أفضل من قول لا إله إلا الله ، لاشتمال الحمد لله رب العالمين على التوحيد مع الحمد ، وقال آخرون : لا إله إلا الله أفضل لأنها تفضيل بين الإيمان والكفر وعليها يُقاتَل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله وحده لا شريك له .

(  والرب ) هو المالك المتصرف ويطلق في اللغة على السيد ، وعلى المُتصرِّف للإصلاح ، وكل ذلك صحيح في حق الله ولا يُستعمل الرب لغير الله بل بالإضافة تقول : رب الدار ، ورب كذا ، وأما الرب فلا يقال إلا لله عزوجل ، وقد قيل : إنه الاسم الأعظم .

 و ( العالمين ) جمع عالم وهو كل موجود سوى الله عزوجل ، والعوالم أصناف المخلوقات في السموات وفي البر والبحر ، وكل قرن منها وجيل يسمى عالماً أيضاً .

وقال الزجاج العالم كل ما خلق الله في الدنيا والآخرة قال القرطبي : وهذا هو الصحيح إنه شامل لكل العالمين كقوله : ( قـال فرعون وما رب العالمين ؟ * قال رب السموات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين ) والعالم مشتق من العلامة (قلت) لأنه علم دال على وجود خالقه وصانعه ووحدانيته .

الرَّحْمَنِ الرَّحِيم

   3- تقدم الكلام عليه في البسملة بما أغنى عن الإعادة ، قال القرطبي : إنما وصف نفسه ( بالرحمن الرحيم )بعد قوله ( رب العالمين ) ليكون من باب قرن الترغيب بعد الترهيب كما قال تعالى : ( نَبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم * وأن عذابي هو العذاب الأليم ) وقوله تعالى  : ( إن ربك سريعُ العقاب وإنه لغفور رحيم ) قال : فالرب فيه ترهيب والرحمن الرحيم ترغيب ، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  ولو يَعلم المؤمنُ ما عند الله من العقوبة ما طمع في جنتِه أَحدٌ ، ولو يَعلم الكافر ما عند الله من الرَّحمة ما قَنَط من رحمته أحد .

مَلِكِ يومِ الدين

4- قرأ بعض القراء ( مَلِك يوم الدين ) وقرأ آخرون ( مالك ) وكلاهما صحيح متواتر في السبع ، ومالك مأخوذ من الملك كما قال تعالى : ( إنا نحن نرث الأرض ومَنْ عليها وإلينا يرجعون ) وقال ( قلْ أعوذُ برب الناس ملك الناس ) ومَلك مأخوذ من المُلك كما قال تعالى : ( لمن المُلك اليـومَ للـه الواحـد القهار ) وقال ( قولُه الحقُ وله الُملك ) وقال ( المُلْكُ يومئذٍ الحقُ للرحمن وكان يوماً على الكافرين عسيراً) وتخصيص المُلك بيوم الدين لا ينفيه عما عَدَاه ، لأنه قد تقدم الإخبار بأنه رب العالمين وذلك عامّ في الدنيا والآخرة ، وإنما أضيف إلى يوم الدين لأنه لا يَدعي أحدٌ هنالك شيئاً ولا يتكلم أحد إلا بإذنه كما قال تعالى : ( يوم يقوم الروح والملائكة صفاً لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صواباً ) وقال تعالى : ( وخشعت الأصواتُ للرحمن فلا تسمعْ إلا همساً ) وقال تعالى : ( يوم يأت لا تكلم نفسٌ إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد ) .

(الدين ) الجزاء والحساب كما قال تعالى : ( يومئذ يوفيهم اللهُ دينهم الحق ) وقال ( أئِنا لمدينون ) أي مجزيون محاسبون .

   وقال عمر رضي الله عنه : حاسبوا أنفسَكم قبل أنْ تُحاسبوا ، وزِنوا أنفسكم قبل أن توزنوا ، وتأهبوا للعرض الأكبر على من لا تخفى عليه أعمالكم ( يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية ) .

إيَّاكَ نعبُدُ وإيَّاك نَستَعين

5-  العبادة في اللغة من الذلة يقال : طريق مُعَبَّد . وعير معبد أي مذلل ، وفي الشرع : عبارة عما يجمع كمالَ المحبة والخضوع والخوف . وقدَّم المفعول وهو : إياك وكرر للاهتمام والحصر أي لا نعبد إلا إياك ولا نتوكل إلا عليك ، وهذا هو كمال الطاعة ، والدين كله يرجع إلى هذين المعنين ، وهذا كما قال بعض السلف : الفاتحة سر القرآن ، وسرها هذه الكلمة ( إياك نعبد وإياك نستعين ) فالأول تبرؤٌ من الشرك ، والثاني تبرؤ من الحول والقوة والتفويض إلى الله عز وجل ، وهذا المعنى في غير آية من القرآن كما قال تعالى : ( فاعبده وتوكَّل عليه وما ربُّك بغافل عما تعملون ) ، ( قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا ) ، ( ربُّ المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا ) .

وقد سَّمى الله رسوله صلى الله عليه وسلم بعبده في أشرف مقاماته فقال : ( الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب )  ،  ( وأنه لما قامَ عبدُ اللهِ يدْعوه ) ، ( سبحانَ الذي أسرى بعبده ليلاً ) فسماه عبداً عند إنزاله عليه ، وعند قيامه في الدعوة وإسرائه به ، وأرشده إلى القيام بالعبادة في أوقات يضيق صدره من تكذيب المخالفين حيث يقول : ( ولقد نعلمُ أنك يَضيق صدرك بما يقولون فسبح بحمدِ ربك وكن من الساجدين * واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ) .

اهْدِنا الصراط المُسْتقيم

لمَّا تقدَّم الثناء على المسؤول تبارك وتعالى ناسب أنْ يَعقب بالسؤال كما قال : فنصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل وهذا أكمل أحوال السائل أن يمدح مسؤوله ثم يسأل حاجته وحاجة إخوانه المؤمنين بقوله : ( اهدنا الصراط المستقيم ) لأنه أنجح للحاجة وأنجع للإجابة ، ولهذا أرشد الله إليه لأنه الأكمل .

والهداية ههنا : الإرشاد والتوفيق ، أي : ألهمنا أو وفقنا أو ارزقنا أو اعطنا .

وأما ( الصراط المستقيم ) فقال الإمام أبو جعفر بن جرير : أجمعت الأمة من أهل التأويل جميعاً على أن الصراط المستقيم هو الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه .

ثم اختلفت عبارات المفسرين من السلف والخلف في تفسير الصراط ، وإن كان يرجع حاصلها إلى شيء واحد وهو المتابعة لله وللرسول.

وروى الإمام أحمد عن النواس بن سمعان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال : ضرب الله مثلاً صراطاً مستقيماً وعلى جَنَبتي الصراط سُوران فيهما أبواب مفتحة وعلى الأبواب ستورٌ مُرْخاة وعلى باب الصراط داعٍ يقول : يا أيها الناس ادخلوا الصراط جميعاً ولا تعوجُّوا ، وداع يدعوا من فوق الصراط فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئاً من تلك الأبواب قال : ويحك لا تفتحه ، فإنك إن فتحته تلجه ، فالصراط : الإسلام ، والسوران : حدود الله ، والأبواب المفتحة : محارم الله ، وذلك الداعي على رأس الصراط : كتاب الله والداعي من فوق الصراط واعظُ الله في قلب كل مسلم رواه الترمذي وهو إسناد حسن صحيح والله أعلم .

وقال الإمام أبو جعفر بن جرير رحمه الله : والذي هو أولى بتأويل هذه الآية عندي أعني ـ ( اهدنا الصراط المستقيم ) ـ أن يكون معنياً به : وَفقنا للثبات على ما ارتضيته ووفقت له من أنعمتَ عليه من عبادك من قول وعمل ذلك هو الصراط المستقيم ، لأن مَْن وُفق لما وُفق له مَن أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين فقد وفق للإسلام وتصديق الرسل والتمسك بالكتاب والعمل بما أمره الله به والإنزجار عما زجره عنه واتباع منهاج النبي صلى الله عليه وسلم  ومنهاج الخلفاء الأربعة ، وكل عبد صالح وكل ذلك من الصراط المستقيم .

 فإن قيل : فكيف يسأل المؤمن الهداية في وقت من صلاة وغيرها وهو متصف بذلك ؟ فهل هذا من باب تحصيل الحاصل أم لا ؟

فالجواب : أن لا ، ولولا احتياجه ليلاً ونهاراً إلى سؤال الهداية لما أرشده الله تعالى إلى ذلك ، فإن العبد مفتقرٌ في كل ساعة وحالة إلى الله تعالى في تثبيته على الهداية ورسوخه فيها وتبصره وازدياده منها واستمراره عليها ، فإن العبد لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله ، فأرشده تعالى إلى أن يسأله في كل وقت أن يمده بالمعونة والثبات والتوفيق ، فالسعيد من وفقه الله تعالى لسؤاله فإنه قد تكفل بإجابة الداعي إذا دعاه ولا سيما المضطر المحتاج المفتقر إليه آناء الليل وأطراف النهار ، وقد قال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نَزَّل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل ) الآية : فقد أمر الذين آمنوا بالإيمان ، وليس ذلك من باب تحصيل الحاصل ، لأن المراد الثبات والاستمرار والمداومة على الأعمال المعينة على ذلك والله أعلم . وقال تعالى آمراً لعباده المؤمنين أن يقولوا : ( ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ) وقد كان الصديق رضي الله عنه يقرأ بهذه الآية في الركعة الثالثة من صلاة المغرب بعد الفاتحة سراً .

فمعنى قوله تعالى : ( اهدنا الصراط المستقيم ) استمر بنا عليه ولا تعدل بنا إلى غيره.

 صِرَاطَ الذين أَنعمتَ عليهم غيرِ المغضوبِ عليهم ولا الضالين

وقد تقدم الحديث فيما إذا قال العبد ( اهدنا الصراط المستقيم ) إلى آخرها أن الله يقول هذا لعبدي ولعبدي ما سأل وقوله تعالى : ( صراط الذين أنعمت عليهم ) مفسر للصراط المستقيم والذين أنعم الله عليهم المذكورون في سورة النساء حيث قال تعال : ( ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً * ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليماً ). وروي عن ابن عباس قال : صراط الذين أنعمت عليهم بطاعتك وعبادتك من ملائكتك وأنبيائك والصديقين والشهداء والصالحين .

وقوله تعالى : ( غير المغضوب عليهم ولا الضالين ) أي اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم ممن تقدم وصفهم ونعتهم وهم أهل الهداية والاستقامة والطاعة لله ورسله وامتثال أوامره وترك نواهيه وزواجره ، غير صراط ( المغضوب عليهم ) وهم الذين فسدت إرادتهم فعلموا الحق وعدلوا عنه ولا صراط ( الضالين) وهم الذين فقدوا العلم فهم هائمون في الضلالة لا يهتدون إلى الحق . وأكد الكلام (بلا) ليدل على أن ثَمَّ مسلكين فاسدين وهما طريقة اليهود .

فطريقة أهل الإيمان مشتملة على العلم بالحق والعمل به ، واليهود فقدوا العمل ،  والنصارى فقدوا العلم ، ولهذا الغضب لليهود ، والضلال للنصارى ، لأن من عَلِم وترك استحق الغضب خلاف من لم يعلم ، والنصارى لما كانوا قاصدين شيئاً لكنهم لا يهتدون إلى طريقة لأنهم لم يأتوا الأمر من بابه ، وهو اتباع الحق ، ضلوا، وكل من اليهود والنصارى ضال مغضوب عليه ، لكن أخص أوصاف اليهود الغضب ، كما قال تعالى عنهم  ( من لعنه الله وغضب عليه ) وأخص أوصاف النصارى الضلال كما قال تعالى عنهم : ( قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيراً وضلوا عن سواء السبيل ) .

اشتملت هذه السورة الكريمة وهي سبع آيات على حمد الله وتمجيده والثناء عليه بذكر أسمائه الحسنى المستلزمة لصفاته العليا ، وعلى ذكر المعاد وهو يوم الدين ، وعلى إرشاده عبيده إلى سؤاله والتضرع إليه ، والتبرئ من حولهم وقوتهم إلى إخلاص العبادة له ، وتوحيده بالألوهية تبارك وتعالى وتنزيهه أن يكون له شريك أو نظير أو مماثل ، وإلى سؤالهم إياه الهداية إلى الصراط المستقيم وهو الدين القويم وتثبيتهم عليه حتى يقضي لهم بذلك إلى جواز الصراط الحسية يوم القيامة المفضي بهم إلى جنات النعيم في جوار النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ، واشتملت على الترغيب في الأعمال الصالحة ليكونوا مع أهلها يوم القيامة والتحذير من مسالك الباطل ، لئلا يحشروا مع سالكيها يوم القيامة وهم المغضوب عليهم والضالون.

يستحب لمن يقرأ الفاتحة أن يقول بعدها : آمين ، مثل يس ، ويقال:  أَمِين بالقصر أيضاً ومعناه اللهم استجب ، والدليل على استحباب التأمين ما رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي عن وائل بن حجر قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم  قرأ ( غير المغضوب عليهم ولا الضالين ) فقال : (آمين مد بها صوته ) ، ( ولأبي داود رفع بها صوته ) ، وقال الترمذي هذا حديث حسن .

وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال : إذا أمَّنَ الإمام فأمنوا فإنه مَن وَافَقَ تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدَّم من ذنبه .

 ولمسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال : إذا قال أحدِّكم في الصلاة آمين والملائكة في السماء آمين فوافقت إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه قيل بمعنى: من وافق تأمينه تأمين الملائكة في الزمان ، وقيل : في الإجابة ، وقيل : في صفة الإخلاص ، وفي صحيح مسلم : عن أبي موسى مرفوعاً إذا قال – يعني الإمام – ولا الضالين فقولوا آمين يُجبكم الله وقد روى الإمام أحمد في مسنده : عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  ذكرت عنده اليهود فقال إنهم لن يَحسدونا على شيءٍ كما يَحسدونا على الجُمعة التي هَدَانا الله لها وضلوا عنها ، وعلى القِبْلة التي هدانا الله لها وضَلُّوا عنها ، وعلى قولنا خلف الإمام : آمين .


الهوامش :
(1)  وهذا قول ضعيف ، لمخالفته  الأحاديث السابقة .
 (2) الصواب الإسرار بها لأن المنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم الإسرار بها بالبسملة كما في حديث أنس رضي الله عنه في الصحيحين .
 (3) وهو الصحيح إن شاء الله تعالى وعليه الأدلة
(4) وعدم الجهر بالبسملة هو الأقوى دليلاً وأصرح قيلاً ، كماترى ، ويجوز الجهر بها أحياناً للتعليم.

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين

أحدث المقالات