لقد أثبتت الدراسات الإنسانية أن السبق مدعاة إلى التراخي والتكاسل عن الابتكار والعمل، فالسابق حينما يقدم مصطلحًا علميّا، يتابعه اللاحقون على مصطلحه دون أن يكلفوا أنفسهم عناء اختيار مصطلح جديد، حتى لو كان المصطلح الأول ضعيفًا في بنيته، أو قاصرا في دلالته، وربما يبين اللاحقون هذا الضعف، وذلك القصور، لكنهم بالرغم من ذلك لا يحاولون إنشاء مصطلح جديد!

السبق حجاب

وليت الأمر يقف عند المصطلحات، بل يتجاوز ذلك إلى الأمثلة وبعض المضامين، فكتب مثل كتب الأصول على وفرتها وتعددها، ينقل بعضها عن بعض الأمثلة ذاتها التي وضعها الأوائل على المسائل  والفروع، لا يكادون يخرجون عنها، أو يضيفون إليها، رغم ما بين هذه المؤلفات من عقود وقرون!

تغسيل الميت عبر الزمان

فأين ذلك الكتاب الذي لم يدلل على فرض الكفاية بتكفين الميت وتغسيله ودفنه! وأين ذلك الكتاب الذي لم يذكر السفر علة لقصر الصلاة، وهو يتحدث عن القياس، والمضحك أنهم لا يقيسون على السفر شيئا يرخص لقصر الصلاة. وهم يذكرون هذا الاعتراض على مثال السفر، لكنهم لا يتحاشون ذكره. وليس وراء ذلك إلا أن السبق حاجب عن الإبداع.

تخصيص العموم

ومن الأمثلة الصارخة في ذلك تتابع العلماء  في نقلهم بعضهم عن بعض أن  ألفاظ العموم الواردة في القرآن والسنة، قد دخلها جميعًا التخصيص إلا نصًّا واحدًا، هو قوله تعالى : ” {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة: 29] فعلم الله يحيط بكل شيء دون تخصيص = استثناء.

فحتى قوله تعالى : {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الزُّمَر: 62] , قالوا : إنه قد دخله التخصيص بالضرورة؛ لأنه تعالى ليس خالقاً لنفسه، كما أن صفاته تعالى ليست مخلوقة.

هذا مذهب جمهور العلماء( المالكية والشافعية والحنابلة) أنهم يقولون : أكثر العمومات مخصوصة، وأنه ما من عموم محفوظ إلا كلمة أو كلمات. ورتبوا على ذلك أن دلالة العام دلالة ظنية؛ لأنه ما من عام إلا وهو مرشح للتخصيص.

الحنفية يخالفون

وخالفهم الحنفية في هذا، فذهبوا إلى أن دلالة العام قطعية، لكنهم لم يفندوا دعوى الجمهور أن أكثر العمومات مخصوصة، ولم يعترضوا على أنه ما من عام إلا وهو مرشح للتخصيص،  فقط، قالوا : لا يكفي ترشح العام للتخصيص، بل لا بد أن يظهر التخصيص بالفعل لكل دليل عام، ومن ثم فدلالة العام قطعية.

تألق ابن تيمية

لكن شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأنه لم تصبه لوثة التقليد الأعمى، ولا حجاب السبق، فنّد القاعدة من أصلها، وبين أنها كذب وخطأ.

فقال اين تيمية : “من الذي سلم أن أكثر العمومات مخصوصة؟ أم من الذي يقول:  ما من عموم إلا قد خص إلا قوله: {بكل شيء عليم} ؟ فإن هذا الكلام وإن كان قد يطلقه بعض السادات من المتفقهة، وقد يوجد في كلام بعض المتكلمين في أصول الفقه فإنه من أكذب الكلام وأفسده.

صدمة سورة الفاتحة

وإذا كان جمهور الأصوليين يصادرون على المطلوب، فيتناقلون دعوى وقوع تخصيص أكثر عمومات القرآن والسنة، هكذا دون دليل، بل ويجعلون ذلك دليلا في ذاته لا يحتاج إلى دليل، ويرتبون عليه ما يرتبون من آثار، فإن ابن تيمية صدمهم، وصدمنا معهم بنسف هذه القاعدة، والمبهر في الأمر أن ابن تيمية لم يستدل في تفنيده إلا بسورة الفاتحة ومطلع سورة البقرة فقط!

يقول ابن تيمية : أي عاقل يدعي هذا في جميع صيغ العموم في الكتاب والسنة وفي سائر كتب الله وكلام أنبيائه وسائر كلام الأمم عربهم وعجمهم.

وأنت إذا قرأت القرآن من أوله إلى آخره وجدت غالب عموماته محفوظة؛ لا مخصوصة. سواء عنيت عموم الجمع لأفراده أو عموم الكل لأجزائه أو عموم الكل لجزيئاته.

ويبدأ ابن تيمية بالآية الأولى من سورة الفاتحة بعد البسملة، فيقول :

قوله: {الحمد لله رب العالمين} فهل تجد أحدا من العالمين ليس الله ربه؟

و{مالك يوم الدين} فهل في يوم الدين شيء لا يملكه الله؟

و{غير المغضوب عليهم ولا الضالين} فهل في المغضوب عليهم والضالين أحد لا يجتنب حاله التي كان بها مغضوبا عليه أو ضالًّا؟

أي هل يدعو أحد ربه أن يجنبه صراط المغضوب عليهم والضالين إلا مغضوبا عليه معينا، أو ضالا معينا!

مطلع سورة البقرة

ثم يستدل ابن تيمية بمطلع سورة البقرة، فيقول : {هدى للمتقين} {الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون}. فهل في هؤلاء المتقين أحد لم يهتد بهذا الكتاب؟

{والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك} . هل فيما أنزل الله ما لم يؤمن به المؤمنون لا عموما ولا خصوصا؟

{أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون} هل خرج أحد من هؤلاء المتقين عن الهدى في الدنيا وعن الفلاح في الآخرة؟

المعوذتان

ثم يقول : وإن مشيت على آيات القرآن كما تلقن الصبيان وجدت الأمر كذلك؛ فإنه سبحانه قال: {قل أعوذ برب الناس} {ملك الناس} {إله الناس} فأي ناس ليس الله ربهم؟ أم ليس ملكهم؟ أم ليس إلههم؟ ثم قوله: {من شر الوسواس الخناس} فأي وسواس خناس لا يستعاذ بالله منه؟ .

وكذلك قوله: {برب الفلق} أي جزء من ” الفلق ” أم أي (فلق ليس الله ربه؟

{من شر ما خلق} أي شر من المخلوق لا يستعاذ منه؟

{ومن شر النفاثات} أي نفاثة في العقد لا يستعاذ منها؟

وكذلك قوله: {ومن شر حاسد} .

سورة الإخلاص وكلمة التوحيد

 ثم ” سورة الإخلاص ” فيها أربع عمومات: {لم يلد} فإنه يعم جميع أنواع الولادة.

وكذلك {ولم يولد} وكذلك {ولم يكن له كفوا أحد} فإنها تعم كل أحد وكل ما يدخل في مسمى الكفؤ فهل في شيء من هذا خصوص؟ .

ومن هذا الباب كلمة الإخلاص التي هي أشهر عند أهل الإسلام من كل كلام، وهي كلمة ” لا إله إلا الله ” فهل دخل هذا العمومَ خصوص قط؟

فالذي يقول بعد هذا: ما من عام إلا وقد خص إلا كذا وكذا إما في غاية الجهل وإما في غاية التقصير في العبارة.

الفاتحة وذاكرة العلماء

فهل غابت سورة الفاتحة عن ذاكرة العلماء؟ أو هل يقولون بتخصيص هذه الآيات؟ بالطبع، لا، ولكن سبق هذه القاعدة التي قعدها لهم السابقون، حجبت عنهم هذه الدلائل على بداهتها. مما أوقعهم في هذا المذهب، الذي قال الشاطبي عن تداعياته ولوازمه : ” ولقد أدى إشكال هذا الموضع إلى شناعة أخرى، وهي أن عمومات القرآن ليس فيها ما هو معتد به في حقيقته من العموم، وإن قيل بأنه حجة بعد التخصيص، وفيه ما يقتضي إبطال الكليات القرآنية، وإسقاط الاستدلال به جملة؛ إلا بجهة من التساهل وتحسين الظن، لا على تحقيق النظر والقطع بالحكم، وفي هذا إذا تؤمل توهين الأدلة الشرعية، وتضعيف الاستناد إليه.[1]

فهذه دعوة إلى مناقشة كل ما سوى نصوص الوحي، لا بد للباحث من مناقشتها، بدءًا من البحث عن صحة الصياغة إلى سلامة المضمون.

 

 

 


[1] – الموافقات (4/ 48)