في كتابه مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي يذكر مالك بن نبي رحمه الله فكرة مهمة تتعلق بما أسماه “التوازن” بين العناصر البنيويّة للحضارة؛ عالم الأشياء وعالم الأشخاص وعالم الأفكار، ويرى وجوب أن يكون “هناك توازنًا لا بُدَّ منه بين [..] العناصر الثلاثة، يسكب مزيجها في قوالب الإنجاز الحضاري، فإذا ما استبدَّ واحد من هذه العناصر وطغى على حساب العنصرين الآخرين فثمة أزمة حقيقيَّة في مسيرة الحضارة تلقي بها خارج التاريخ فريسة طغيان الشيء أو طغيان الشخص”1
ولعل هذا من عوائق نهضتنا الحضارية اليوم، فطغيان جانب على أحد الجانبين الآخرين المكوّنين للفعل الحضاري يقود إلى فقدان التوازن الذي يهدّد مسيرة بناء النهضة الحضارية، أو بعثها من جديد؛ خاصّة طغيان عالم الأشياء، أي عالم المقتنيات المادية، والإغراق في اختزال الوجود في المادة، والغرام بالتكالب عليها، وجعلها مقياسًا للتحضّر والتقدّم والنجاح، والإسراف في تقدير الأمور مادّيًّا دون بقيّة جوانبها.
التشيّؤُ.. الداء إذ يطغى على البشريّة!
يذكرنا مالك بن نبي أنّ طغيان عالم الأشياء أو ما بات يعرَف بالتشيؤ أو الإغراق في المادية، يصيب البلدان المتخلّفة كما يصيب البلدان المتقدمة؛ ففي البلد المتقدم، تتسبّب وفرة الأشياء في سيطرة الشيء على التفكير والروح والمشاعر والأذواق والتطلّعات والمعايير والمقاييس، فيصير كل شيء يقاس بكمّيَّتِه، حيث إنّ “الشيء يسيطر بسبب وفرته ويُنْتِج نوعًا من الإشباع.
إنه يفرض شعورًا لا يُحتمَل من الشؤم البادي من رتابة ما يرى حوله، فيولِّد ميلًا نحو الهروب إلى الأمام الذي يدفع الإنسان المتحضّر دائمًا إلى تغيير إطار الحياة والموضة2“. أما في البلد المتخلف فإن الوضع يكون مختلفًا، إذ إننا ههنا أمام الندرة لا الوفرة، ولهذا فإنه “في بلد متخلّف يفرض الشيء طغيانه بسبب ندرته، فتنشأ فيه عقد الكبت والميل نحو التكديس الذي يصبح في الإطار الاقتصادي إسرافًا محضًا”.3 فيؤول بنا الحال ههنا إلى المعاناة من السعي لتكديس المنتجات المادية والأشياء، كما ذكرنا ذلك في مقال سابق.
وهذا خلل كبير يصيب المجتمع، ويُفقِده التوازن، سواء أكان في مرحلة الحضارة ومشرفًا على الخروج إلى مرحلة ما بعد الحضارة، كما هو حال المجتمعات الغربية التي فقدت فيها حافزها الروحي، خاصة في مرحلة ما بعد الحداثة حيث فُقِدَ المعنى، وتشيّأَ الإنسان، وفقد إنسانيّته، بعد أن سعى مشروع الحداثة لمركزته وجعله محور الوجود.
والأمر نفسه يقال عن المجتمعات المتخلّفة أو المجتمعات التي تسعى لدخول مسار الحضارة وتحقيق نهضة حضاريّة لنفسها، كحال مجتمعات المسلمين اليوم، حيث تتجلى فيها ظاهرة طغيان عالم الأشياء والتشيُّؤ والهوس المادّيّ، من خلال تكديس المنتجات الماديّة، وتمحور كثير من الجهود والتوجّهات حول المادّة، والوقوع في اختزال الجهود في جانبها المادّي، بينما تعاني باقي الجوانب غير المادّيّة خللًا كبيرًا وعوزًا بالغًا.
التعلّق بالأشياء، المعيار والنتائج!
تتجلّى في علاقتنا اليوم بعالم الأشياء، علامة فارقة، وهو معيارها الذي يحدّدها، وهنا يشير ابن نبي إلى المعيار الصبيانيّ في التعلّق بالأشياء؛ إذ لم يعد الإنسان يستمد مكانته الاجتماعية من كونه إنسانًا، ولا من زاده المعرفيّ، وإنّما من كمّية الأشياء التي يمتلكها ويتصرّف فيها.
ومن هنا تراجع كرامة الإنسان ومكانته، واختل ميزان التعامل مع الناس وتقدير مراتبهم، لا بحسب الإنسانية وفضائلها، بل بحسب المكانة المادية وسطوتها، وها نحن نرى الأمر قد سرى إلى جماهير الأمة؛ إذ لم تعد تؤمن بمشاريع فكريّة معيّنة، فأغلب ما يشدُّ انتباهها هو ذلك الزعيم، الشخصُ الكارزمي، والمتفرّد، والملهِم، إلى آخر تلك الأوصاف الأسطوريّة، التي يضفونها على شخصٍ يعتقدون أنه يمتلك جميع الحلول لمشكلاتهم الخاصة، وهنا يتحوّل شخص الزعيم إلى وثن يُعبَد إمّا خوفًا وإمّا انبهارًا وإمّا طَمَعًا أو انسياقًا مع الجموع، والأمثلة في العالم العربي أوضحُ من أن تُذكَر.
ينتُج عن التشيّؤ وطغيان الأشياء عوائق فكرية واجتماعية ونفسية وأخلاقية وسياسية، تدفع المجتمع للانزلاق في مزالق النزعة الشيئيّة، ويتجلّى هذا بدايةً بتعلّقه بالأشياء لا الأفكار، كأنه طفل لا يرى في العالم أفكارًا، وإنما أشياء صُنِعَت للّهو والتفاخر، فيفضّل كومة من الحلوى على كومة من الجواهر، كما أن الشيئية تجعل المجتمع مصابًا باستمراء السهولة والإسراف والتشبّث بهما، ويرى في شراء سيّارة أو حاسوب أو جهازٍ ما أهون عليه من الحصول على الأفكار التي تصنُعها، ومن ثمّ فلا غرابة أنه قد تراكَمَت عندنا الأشياءُ مقارنةً بأننا لم نستطع إنتاج أفكار فارقة أو تنمية الأفكار الموجودة في بيئتنا، مما يدل على أن الفكرة ليس لها فعاليتها الكافية في العالم الإسلامي، ولا تؤدي وظيفتها.
إننا نعيش فصامًا واضحًا في عالم غريب؛ إذ لنا منه أشياؤه، وليس لنا إسهام في أفكاره، فلم نفعل ما فعلته اليابان مثلًا باستفادتها من أفكار العالم المتحضّر، وإنما انشغلنا بأشياء الحضارة، وبقينا إلى اليوم بأغلبنا مجرد زبائن لدى العالم المتحضر، ولم ندرِ أننا في عالم، حينما يبيعنا أشياءه فإنه يفرض علينا معاييره في الوقت نفسه.
إلى جانب ذلك، فإننا نقلّد -أحيانًا- أفكارًا لفظت فيه أنفاسها في عالمها، وتجاوزها الزمن، ككثير من الأفكار التي تخلّى عنها الغرب، بينما مازال مثقّفونا مندهشين بها، يتباهون باقتنائها، كمَثَل الطفل يقتني لعبة عتيقة، وهي في حقيقتها ليست إلا نفاية عافتها أطفال أمة أخرى، وهكذا الحال عندنا، نقتني نفايات أيديولوجية تحمل سُمًّا يمزّق نسيجنا الحضاري.
ومكمن الخطورة الأكبر على الصعيد النفسي والأخلاقي أن تضخّم عالم الأشياء، يجعلها تحتل القمة في سُلّم القيم، فينقلب سُلّم القيم وتفقد الأمة روحها4، مما يفقدنا ذاتنا ووجهتنا.
