يقع كتاب “جدل الدين والتنوير: مسارات العقلنة وآفاق الأنسنة”، الصادر عام 2025 عن مكتبة الإسكندرية، وهو من تأليف صلاح سالم، في أكثر من 550 صفحة.

الفكرة المركزية في الكتاب

تتمثل الفكرة المركزية في الكتاب في تأصيل تاريخي فكري لتطور “التنوير” الأوروبي، وتم تحديد التأصيل عبر بعدين هما: الأول تاريخي؛ حيث تم تتبع جدليات الانتقال من المجتمع الأسطوري إلى المجتمع الديني، بظلال أسطورية، ثم مرحلة دينية، بظلال علمية أولية، ثم مجتمع علمي أولي بظلال دينية، وصولًا إلى مجتمع تم تغييب البعد الديني فيه تدريجيًا، مع استمرار التنافس بين نموذجين في هذه المرحلة هما الليبرالية ذات النزعة الإنسانية والليبرالية ذات النزعة الإنسانية الراديكالية التي جعلت مكانة الدين في أضيق الحدود.

أما البعد الثاني في التأصيل فتركز على البعد الفكري والموقف من الدين ومكانة الله في الحياة والوجود، من خلال مقارنة -اعتبرها الكاتب مقارنة أفقية- بين النموذج الأنجلوسكسوني، الأمريكي الإنجليزي، والنموذج الفرنسي ثم النموذج الألماني، ويتمركز النموذج الأنجلوسكسوني الحسي على النزعة البراغماتية، الفكرة صحيحة بمقدار النفع المترتب عليها، والنموذج الألماني، المعرفة تتم بتكاتف العقل والحواس، ثم النموذج الفرنسي، الشك في وجود إرادات علوية واعتبار العلل الخفية -الله- بمثابة أوهام.

هذا التتبع التاريخي الفكري يكشف عن تنامي دور العقل والبعد التجريبي الحسي والنقدي في فهم الظواهر على حساب المنظور المثالي، لكن هذا التنامي حمل في طياته أوزارًا مثل تقديس الفردية المطلقة، التي أفرزت تشوهات كثيرة من الجانب الأخلاقي، والثقة المطلقة في السوق والتكنولوجيا، أفرزت تنامي الاحتكارات وجماعات المصالح، ثم كرس الرؤية الصراعية، مما عزز من الداروينية الاجتماعية وصراع الحضارات وكوارث الرأسمالية على البيئة، الكوارث الطبيعية والتلوث والأوبئة… إلخ. ويقترح الكاتب في نهاية الكتاب مبادئ لتخفيف غلواء التنوير من خلال تعميق الروح الجماعية وتهذيب الثقة في السوق والتكنولوجيا والتخلي عن فكرة صراع الحضارات… إلخ.

استند الكتاب في معظمه إلى أدبيات متداولة ومعروفة في أدبيات الفكر الأوروبي الفلسفي والفكري والعلمي التطبيقي، كالداروينية، وعليه فإن الكتاب له قيمة محددة، لا في أنه أتى بالجديد، بل في أنه نظم القديم، المدارس والأفكار، بكيفية جعلت التطور باتجاه التنوير أكثر وضوحًا من خلال توظيف الديالكتيك الهيجلي، الفكرة السائدة التي يتولد نقيضها ثم المركب الذي ينطوي على الجانبين مع ترجيح لكفة النقيض للفكرة في كل مرة. ولعل مخططه في هذه الدراسة ينطوي على نزوع نحو دعوة للمجتمع العربي للاستفادة من هذه الرواية الأوروبية.

مادة الكتاب

توزعت مادة الكتاب على بابين بستة فصول و14 مبحثًا، يضاف إليها تصدير ومقدمة وخاتمة؛ ففي التصدير دعوة للعقلنة، بخاصة أن الفلسفة ناقشت الدين بهدوء، مشيرًا في مقدمته إلى تكريس دور العقل في مناقشة الدين، ومنبهًا إلى تعثر المشروع العربي. ولترشيد النظرة العربية، يتتبع الكاتب النموذج التنويري الغربي ليضعف الاعتقاد بارتباط الإلحاد بالتنوير، ويشير في تتبعه لمناهج التنوير المثالية ثم التجريبية والتجريبية الحسية في كل من النموذج الأنجلوسكسوني والفرنسي والألماني.

ويناقش في تمهيد الباب الأول، الانتقال من الأسطورة إلى المعرفة العلمية، باحثًا في الفصل الأول، المثالية الذاتية والتنوير الروحي، في سيطرة النموذج الصوري المنطقي والمنهج الاستنباطي في دراسة الميتافيزيقيا، المبحث الأول، ثم الانتقال في المبحث الثاني لعرض الشك الديكارتي والديالكتيك الهيجلي؛ حيث يربط بين اللجوء إلى القوى الغيبية والعجز عن فهم الظواهر، وهو ما يستكمل به مقولات المبحث الأول.

أما الفصل الثاني، المثالية التجريبية والتنوير المعتدل، فتبرز فيه فكرة تحييد الإله وموقف المدرسة الإنجليزية منها، المبحث الأول، ليتناول البراغماتية الأمريكية التي ربطت بين فكرة الله وبين المنفعة المترتبة على ذلك، فربطت الدين بالمنفعة وليس بالدليل النظري على وجود الله.

أما المبحث الثالث فيتناول المنهج النقدي الذي سيطر على المدرسة الألمانية، والتي تؤكد على تشارك العقل والحواس في المعرفة. أما الفصل الثالث، التجريبية الحسية والتنوير الراديكالي، فشرح فيه النقد للدين من الجانب السياسي والمعرفي والوجودي للتدليل على أن الدين معاكس للتقدم، وتناول في المبحث الأول المدرسة الوضعية الإنجليزية التي تناولت الدين من ثلاثة جوانب هي الأحيائية والسحرية والطوطمية، وذهب في المبحث الثاني لما اعتبره تفكيكًا للإله من خلال المدرسة الفرنسية القائمة على الشك، لتنتهي عند رفض وجود الله، وشكل المبحث الثالث إطارًا لعرض المادية الألمانية، موت الإله، واستندت إلى تساؤل حول: هل المادة هي الواقع أم هي تصور مجرد عن الأشياء، وهو ما كرسه داروين.

وذهب الكاتب في الباب الثاني إلى ما أسماه “آفاق الأنسنة” ومفهوم الذات، وفيه حاول التأكيد على أن الإنسان ليس مجرد كائن بيولوجي، بل هو أوسع من المنظور السلوكي الحسي المادي. وليتم ذلك، كُرِّس الفصل الأول من هذا الباب لثنائية متداخلة ومنفصلة في ذات الوقت، وهي الدين، كاتصال وجداني بالمبدأ الإلهي، والتدين، ممارسة الجانب الديني وتداعيات هذه الممارسة.

وهنا ينتقل خطوة للأمام في توضيح التطور، الذي أشرنا له في البند الأول من التقييم، في مبحثه الأول لمناقشة الذات الإنسانية وعلاقتها بالله، وهنا تتباين هذه العلاقة من دين لآخر، ومن مذهب لآخر، بخاصة في المسيحية، لينتقل في المبحث الثاني لتتبع أثر الثورة المعرفية باتجاه كشف المجهول ودور الله في كل ذلك، وكل ذلك ليؤسس لمضمون الفصل الثاني من هذا الباب، وهو البحث في السعي لإنسانية لا تعاند المركزية الإلهية، ويتم ذلك من خلال دراسة هذا الجانب في المدارس الثلاث، المبحث الأول، ثم من خلال ترابط الوعي والحرية في المدارس الثلاث، المبحث الثاني.

أما الفصل الثالث فتركز على تأثير نظريات كوبرنيكوس وداروين وفرويد لإنجاز راديكالية إنسانية تصادر حضور الله، وهو ما انتهى إلى “قتل أو موت الله”، المبحث الأول، واعتبار التقدم حتمية تاريخية، المبحث الثاني، لينتهي بخاتمة تؤكد على طريقين هما التنوير الراديكالي بفلسفته المادية أو الاستفادة من النموذج الآسيوي في التطور.

منهجية الدراسة

قد تكون منهجية الباحث هي الأدق لموضوعها، فالبحث اعتمد خطوات ثلاثًا:

أ- التتبع التاريخي لفكرة محددة هي الموقف من الدين كفكرة وسلوك في إطار محدد هو التراث الأوروبي، من خلال منهج تحليلي يركز على الفكرة الفلسفية المركزية في كل مرحلة وعند كل مدرسة فلسفية.

ب- تحديد مدارس أوروبية ثلاث تتباين في مناهجها، وتطبيق كيفية تعامل كل منها مع الدين كفكرة وسلوك عبر التاريخ من خلال المنهج المقارن.

ت- رصد التزاحم بين الدين والعقل، بأبعاده المختلفة، في الفضاء الإنساني، مع رصد تنامي مساحة السيطرة لكل منهما، وبلوغ الاستنتاج باتساع مساحة العلم، في الخبرة التاريخية الأوروبية، على حساب مساحة الدين. لكن النتيجة التي خلص إليها حملت معها أوزارًا استوجبت منه الدعوة للاستفادة من منظور آخر غير أوروبي، وهو النموذج الآسيوي غير التوحيدي والمحاور للطبيعة.

ذلك يجعلني أقر دون تردد أن الباحث سلك منهجية موضوعية ومناسبة للغاية لموضوعها، رغم أن نتائجه ليست جديدة، لكن منهجيته جعلت النتائج أكثر وضوحًا ودلالة مستقبلية لما سيكون عليه مآل الظاهرة الدينية بكل ما سيترتب عليه من نتائج.

مراجع الدراسة وتوثيقها

تشير قائمة مراجع ومصادر الكتاب، حوالي 18 صفحة، إلى تنوع لغاتها، عربية وأجنبية، ومنها المترجم، كما أن أغلبها هو للفلاسفة أو المفكرين الذين تناولتهم الدراسة، رغم أني لاحظت إشكالية في موضوع المراجع؛ ففي نهاية كل مبحث كان الكاتب يحيل إلى المراجع التي استخدمها، وهي مزيج من المراجع باللغة العربية أو الفرنسية أو الإنجليزية.

لكنه يشير في كل مرة إلى أن الكتاب الأجنبي هو “نقل عن…”، أي إن الكاتب لم يطلع على الكتاب الأصلي أو المرجع، بل نقل المعلومة من مرجع إما مترجم أو من هامش في كتاب آخر باللغة العربية، أي أقرب إلى نموذج التوثيق بالعنعنة، للتوضيح انظر الصفحات من 451-455، أو من 419-423؛ فكافة المراجع المذكورة بالأجنبي هي من قبيل العنعنة، وهو ما يتكرر في بقية الفصول جميعها. وفي تقديري هذا غير جائز في البحث العلمي الأصيل، بخاصة أن الأمر في هذا الكتاب جرى اعتماده بشكل مفرط جدًا.

ولعل هذا يضعف مستوى ودلالة التوظيف الحقيقي للمرجع الأجنبي لأن الكاتب لم يطلع على المرجع بل “عنعنه”، وما يزيد المشكلة تعقيدًا أن الكاتب لم يشر إلى المراجع المعنعنة في ثبت المراجع في نهاية الدراسة.