كان أبو لهب، عم النبي الكريم ، يرى أنه الأحق بالنبوة التي نالها ابن أخيه، حسداً من عند نفسه، فقاده ذلك الحسد إلى عمى بصيرة حتى حاد عن الحق المبين، ودخل دائرة عتاة المجرمين، الذين رفعوا لواء العداوة للرسول الكريم من قريش، مثل أمية وعقبة بن أبي معيط والوليد بن المغيرة والنضر بن الحارث وغيرهم ممن تم دفنهم في قليب بدر [متفق عليه].

إنه الداء نفسه الذي أعاق أبا جهل بن هشام أن يتبع دين الإسلام، رغم أنه عرف الحق واعترف للناس بأنه دين حق، لكنه لم يؤمن لأن الحسد كان قد سيطر على قلبه، وزاده الكبرياء مع آخرين من صناديد قريش أن رفضوا دعوة النبي ، معتقدين بأن محمداً ليس بذاك الرجل العظيم في قومه حتى يتبعه أشراف قريش، خاصة بعد أن رأوا أن أكثر أتباعه من الفقراء والموالي والعبيد [1]. وهكذا عميت القلوب عند أبي جهل وأبي لهب وغيرهم.

إنّ الروح المتكبرة المتعالية، والعنيدة المتصلبة، كانت سبباً رئيسياً في هلاكهم، إضافة إلى غلبة الحسد على قلوبهم، بعد أن لاحت وظهرت لهم فرص الخروج من ظلمات الجاهلية إلى نور الإسلام على يد سيد المرسلين محمد . فكفروا بنعمة الإسلام وظهوره بينهم على يد أقرب وأصدق وأكثر الناس أمانة إليهم. رفضوا وترفعوا وتعالوا وتجبروا؛ فكيف يدخلون ويتبعون ديناً، سبقهم إليه أراذل القوم وضعفاؤهم وفقراؤهم وموالوهم وعبيدهم؟! [ صحيح البخاري].

ذكر القرآن ما نطقت به ألسنتهم في وصف الدعوة الجديدة بمكة، من أنّ هذا الأمر {لو كانَ خيراً ما سبقونا إليه} [ الأحقاف: الآية 11] يقصدون عماراً وبلالاً وصهيباً وسلمان الفارسي وابن مسعود، وغيرهم ممن آمن بالنبي الكريم من الفقراء والموالي والعبيد.

هي القصة ذاتها إذن تتكرر عبر السنين. قالها صناديد قوم نوح ثم من جاء بعدهم في عاد وثمود مروراً بقوم شعيب حتى قريش. جميعهم كرروا عبارة واحدة، ذات مضمون واحد، وإن اختلفت بعض كلماتها {قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون} [ الشعراء: الآية 111]!

إنها حكاية خطأ آخر من أخطاء حجج المشركين الباطلة، كما يقول ابن عاشور في تفسير التحرير والتنوير، وهو خطأ منشؤه الإعجاب بأنفسهم وغرورهم بدينهم، فاستدلوا على أن لا خير في الإسلام بأن الذين ابتدروا الأخذ به ضعفاء القوم، وهم يعدونهم منحطين عنهم، فهم الذين قالوا {أهؤلاء مَنَّ الله عليهم من بيننا } [ الأنعام: الآية 53] وهو نظير قول قوم نوح {وما نراك اتبعك إلا الذين هم أرَاذِلُنا بادي الرأي} [هود: الآية 27].

وصدق من قال: ملة الكفر واحدة في كل زمان وفي كل مكان.