تعريف الأمة الإسلامية (أمة الدعوة وأمة الإجابة)
الأمة أمتان: أمة دعوة وأمة إجابة، فأمة الدعوة هي كل من بُعث فيهم رسول الله ﷺ أو بلغته دعوته عليه الصلاة والسلام سواء في حياته أو بعد وفاته إلى قيام الساعة، وتشمل كل مكلف مخاطب بالشرع، إنسيّاً كان أو جنّياً، أسودهم وأحمرهم، عربيهم وعجميهم، مؤمنهم وكافرهم، بما فيهم أهل الكتاب، قال تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً} [الأعراف: 158].
ومنه قول النبي ﷺ: “والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي، ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار” [1]. وقوله تعالى: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ… يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ} [الأحقاف: 29-31]، وغير ذلك من الآيات والأحاديث صريحة الدلالة منطوقاً ومفهوماً على أن رسالته عليه الصلاة والسلام عالمية شاملة للثقلين الجن والإنس.
وأما أمة الإجابة، وهم الذين اتبعوه عليه الصلاة والسلام ورضوا به نبياً ورسولاً، سواء من أسلم وآمن به في حياته ﷺ أو بعده، والأصل إذا أطلقت كلمة الأمة أنه يراد بها أمة الإجابة، وهي التي اختصها الله بميزات جعلتها مميزة عن الأمم السابقة كاختصاصها بقلة العمل وكثرة الأجر، وببعض الشعائر مثل: صلاة الجمعة، وصلاة العشاء، والتأمين خلف الإمام، واستقبال الكعبة في الصلاة، وأن صفوفها في الصلاة كصفوف الملائكة، وغير ذلك من الخصائص المسطورة في النصوص الدينية حتى في التوراة والإنجيل.
خصائص النبي ﷺ
أفرد بعض العلماء مؤلفات خاصة بالخصائص النبوية أوصلها بعضهم إلى ما فوق مائة خصلة، إلا أن في كثير منها نظراً بيّناً، إما من حيث ثبوت الرواية أو من جهة ادعاء الخصوصية أو المبالغة فيها، ومن أشهر الكتب المؤلفة في هذا الباب:
- نهاية السُّول في خصائص الرسول ﷺ، لابن دحية الكلبي (ت: 633).
- بداية السُّول في تفضيل الرسول، للعز بن عبد السلام (ت: 660).
- غاية السول في خصائص الرسول ﷺ، لعمر بن علي بن الملقن (ت: 804).
- الخصائص الكبرى، لجلال الدين السيوطي (ت: 911).
- مرشد المحتار إلى خصائص المختار، لمحمد بن علي بن طولون (ت: 953).
- اللفظ المكرّم بخصائص النبي ﷺ، لمحمد بن محمد بن عبد الله الخيضري.
- خصائص المصطفى بين الغلو والجفاء، لصادق بن محمد بن إبراهيم.
وخصائص النبي ﷺ قد تكون ما اختص به عن بقية البشر أو كانت خالصة له دون سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهي في المجمل لا تخلو من قسمين:
القسم الأول: خصائص تشريعية، وهي التي تختص بالأحكام الدينية التشريعية كعالمية الرسالة، ورفع الأغلال، وإحلال الغنائم وغيرها.
القسم الثاني: خصائص تفضيلية، وهي الفضائل التي خصت به عليه الصلاة والسلام دون غيره من الناس، منها ما تعد من خصائص دنيوية، كاختصاصه عليه الصلاة والسلام بجوامع الكلم، وبرؤية من وراء ظهره، وكونه خاتم النبيين، وأنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ومنها خصائص أخروية، ككونه أول من تنشقّ عنه الأرض يوم القيامة، واختصاصه عليه الصلاة والسلام بشفاعته لعمه أبي طالب، وأنه صاحب لواء الحمد يحمله، وتشريفه بالمقام المحمود، وأنه لا يُقضى بين الناس إلا بشفاعته عليه الصلاة والسلام وغيرها من مظاهر التكريم الأخروية له عليه الصلاة والسلام.
علاقة خصائص النبي ﷺ بأمته: كل ما ثبت في حق النبي عليه الصلاة والسلام من التفضيل والتشريف فإنه يعد شرفاً وتكريماً للأمة الإسلامية لشرف الانتساب لهذا النبي المفضل ﷺ، وأهم المغزى في ذلك أنه يزيد في محبته وطاعته وتمسكه بسنته، والاقتداء بهديه وسمته عليه الصلاة والسلام في العبادة والأخلاق والمعاملات وفي جميع الأحوال والشؤون.
سمات الأمة الإسلامية
للأمة الإسلامية أوصاف عديدة متنوعة تدل على فضلها ومكانتها العالية بين الأمم، وتأتي هذه الخصائص والأوصاف على ضربين:
الضرب الأول: سمات الأمة الدنيوية
هناك صفات تشريفية وفضائل عظيمة كرم الله تعالى بها الأمة وتميزت بها بين الأجيال الماضية في هذا الكوكب، ومن أوضحها ما يلي:
1. الوسطية والعدل
الوسطية والاعتدال صفة ملازمة لدين الإسلام من كل جوانب الحياة، وجميع أحكامه ومبادئه وفروعه مهما تنوعت وتشعبت يدور في فلك الاعتدال، دين رعى التوازن والتنظيم بين متطلبات الروح والجسد، وبين حقوق الفرد والأسرة والمجتمع دون إفراط ولا تفريط.
ومثلاً في العقيدة: كان التوسط والاتزان في السير بين الغلو والتقصير في حق الأنبياء والرسل أمراً جلياً، بين غلوّ النصارى في تعظيم المسيح عليه السلام حتى رفعوه فوق منزلته، وآمنوا ببعض الأنبياء وكذبوا غيرهم، وبين تفريط اليهود الذين قصروا في حق أنبيائهم وعصوهم وقتلوا منهم، وآمنوا ببعضهم وكفروا بآخرين، وتوسط المسلمون في عقيدتهم فلم يفرّقوا بين الرسل في الإيمان بهم، بل صدقوهم جميعاً، وعظموهم وعرفوا حقوقهم ومنزلتهم اللائقة بهم دون الغلو فيهم.
وقد حذر ﷺ في غير مرة من مسلك القوم فقال: “إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين” [2]، سواء الغلو من حيث التفريط أو في الإفراط.
وقال أيضاً عليه الصلاة والسلام: “لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا عبد الله، ورسوله” [3]. أي أن العبد لا يعبد خلافاً للنصارى، والرسول لا يهان خلافاً لليهود، لأن منصب الرسالة هي أعلى المنزلة ينالها ويصل إليها البشر تكليفاً وتكريماً من الله تعالى.
منهج الاعتدال في العبادة
ومثال منهج الاعتدال في العبادة ما وقع عند بعض الأمم من الانحراف والضلال في العبادة، كالرهبانية عند النصارى، حيث بالغوا في ترك متع الحياة المباحة والغلو في العبادة، ولما جاء الإسلام أتى بمنهج متوازن بين متطلبات الروح وبين شؤون الحياة كما وضح رسول الأمة ﷺ ذلك لثلاثة من أصحابه الذين عزموا على نهج الغلو في العبادة؛ حيث اختار أحدهم صوم الدهر، والتزم الثاني قيام الليل دائماً، ورغب الثالث عن الزواج، وبين لهم عليه الصلاة والسلام وسطية الإسلام قائلاً: “أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني” [4].
وسنة الإسلام هي الأرشد في العبادة، والأرفق للروح، والأنسب لفطرة الإنسان.
ودخل النبي عليه الصلاة والسلام ذات يوم في المسجد، فإذا حبل ممدود بين ساريتين، فقال: ما هذا الحبل؟ قالوا: هذا حبل لزينب، فإذا فترت تعلقت، فقال النبي: لا، حلوه، ليصل أحدكم نشاطه، فإذا فتر، فليقعد [5]، وفيه الأمر بالحفاظ على سنة التوازن بين مطالب الجسد ومطالب الروح.
وهكذا سلك الإسلام حد الاعتدال بين جانبي الإفراط والتفريط في المعاملات، كما ترى تقرير نموذج ذلك في آية الانفاق: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا} (الإسراء: 29)، وقوله: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [الفرقان: 67]. وقد امتن الله تعالى بهذه الخصلة – الوسطية – على الأمة وقال سبحانه: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} أمة وسطاً في عقيدتها وسلوكها وعبادتها.
2. الخيرية والتكليف
أعلن القرآن الكريم صراحة بأن أمة الإسلام هي خير الأمم، وقال سبحانه: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} الآية (آل عمران: 110). لكن قررت الآية في نفس الوقت أن الخيرية مشروطة بقيام الأمة بمهماتها ووظيفتها المتمثلة في الإيمان بالله تعالى – خلافاً لأهل الشرك الذين لا يؤمنون بالله الإيمان الحق – والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإصلاح المجتمع، خلافاً لأهل الكتاب الذين قصروا في هذه الوظيفة وحرفوا وبدلوا، وأما لما التزمت الأمة الإسلامية بهذا التكليف وقامت بهذه الوظيفة الشريفة استحقت وصف خير أمة.
3. الشريعة الإسلامية كلها يسر
الشريعة الإسلامية كما هو ثابت معلوم بالضرورة هي قائمة على الحنيفية السمحة البيضاء، التي تعني السهولة واليسر تتفق مع قدرة الناس واستطاعة المكلفين وليس فيها أغلال، وليس فيها حرج، {هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78]، وقوله: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ} [المائدة: 6]. وقد رُوي عن النبي ﷺ قوله: “بعثت بالحنيفية السمحة” [6]، أي السمحة في العمل وليس فيها آصار ولا التضييق، وتتجلى السماحة في مظاهر متعددة ومن ذلك:
- إباحة الغنائم؛ وهي ميزة لم تُعطَ للأمم السابقة.
- إباحة بعض الأطعمة مثل الحوت والجراد والكبد والطحال.
- مشروعية التيمم عند فقد الماء تخفيفاً ورحمة.
- إباحة المسح على الخفين أو الجبيرة.
- إباحة الفطر للمريض والمسافر والحامل والمرضع.
- العفو عن الخطأ والنسيان وما استُكره عليه.
- جعل الأصل في المعاملات الإباحة، والتحريم على الاستثناء.
- إباحة المحظورات للضرورة بقدرها.
والسماحة واليسر في جميع أبواب الدين مترسخ، وجميع الأحكام والتكاليف ملائمة ومتوافقة مع طبيعة البشر كله. {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286].
4. صلاحية دين الإسلام لكل زمان ومكان
التأكيد على أن الإسلام هو خاتم الرسالة السماوية يعني كماليته وشموليته والرعاية الربانية له بالبقاء، ويقتضي صلاحيته في كل زمان ومكان، وقدرته على مواجهة التحديات وعلى هداية الناس حتى قيام الساعة، ومن أهم سمات بقاء الإسلام وكماليته:
- كفالة الله لحفظ القرآن الكريم والسنة النبوية، إذ بقاء الدين مرتبط بحفظ هذين الوحيين، كي لا يحصل فيه التحريف أو التبديل.
- بقاء طائفة منصورة في الأمة على الحق ظاهرين إلى قيام الساعة لا يضرهم من خذلهم.
- الوعد بانتشار الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها.
- أن الله لا يهلكها بعذاب عام كالأمم السابقة، ولا يسلط عليها عدواً يستأصلها من خارجها.
- أن الأمة كالغيث لا يُدرى أولها خير أم آخرها، فكل أجيالها فيها الخير والبركة.
- كونها أمة معصومة لا تجتمع على ضلالة.
- تكريمها بنزول عيسى عليه السلام في آخر الزمان وصلاته خلف إمام من أئمتها.
وهذه هي بعض الأوصاف الشريفة الدالة على عالمية دين الإسلام ومرونته وفضائله ودوام بقاء الحق فيه إلى قبيل الساعة. والخلاصة أن خصائص أمة الإجابة الدنيوية تكمن في علم وعمل وعبادة وعدل ورحمة، وكلما حققت الأمة هذه الصفات في واقعها، ظهرت فيها خيريتها بشكل واضح، وارتفعت منزلتها ومجدها وسيادتها.
الضرب الثاني: خصائص الأمة الأخروية
جعل الله تعالى للأمة الإسلامية فضائل عظيمة وخصائص خاصة يوم القيامة تكريماً وتشريفاً لها كما خص بنبيها عليه الصلاة والسلام ببعض الخصائص، ومن مظاهرها:
1. علامة الغرة والتحجيل
وهي كرامة خاصة من الله تعالى لأتباع محمد ﷺ، وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: “إن أمتي يُدعون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء” [7].
2. الشهادة على الأمم
تشهد هذه الأمة على الأمم السابقة يوم القيامة كما جاء في الصحيح عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللَّه ﷺ: “يدعى نوح يوم القيامة، فيقول: لبيك وسعديك يا رب، فيقول: هل بلغت؟ فيقول: نعم، فيقال لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير، فيقول: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، فتشهدون أنه قد بلغ: {ويكون الرسول عليكم شهيدا} [البقرة: 143] فذلك قوله جل ذكره: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا} [البقرة: 143]” [8].
3. السبق إلى دخول الجنة
قال ﷺ: “نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، ونحن أول من يدخل الجنة” [9].
4. دخول سبعين ألفاً بغير حساب ولا عذاب
قد ثبت عن النبي الله ﷺ أنه قال: “يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفاً بغير حساب، هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون” [10]. وفي رواية “مع كل ألف سبعون ألفاً، وثلاث حثيات من حثيات ربي عز وجل” [11].
5. أول الأمم حساباً يوم القيامة
قال عليه الصلاة والسلام: “نحن الآخرون من أهل الدنيا والأولون يوم القيامة المقضى لهم قبل الخلائق” [12].
6. أول الأمم عبوراً على الصراط يوم القيامة
قال عليه الصلاة والسلام: “يضرب الصراط بين ظهراني جهنم، فأكون أنا وأمتي أول من يجيز، ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل، ودعوى الرسل يومئذ: اللهم سلم سلم” [13].
7. تعدد أنواع الشهادة
فبفضل الله على هذه الأمة لم يقتصر نيل أجر الشهادة على من قُتل في سبيل الله في المعركة فحسب، بل جعل ﷺ من مات بالطاعون، أو بداء البطن، أو الغرق ونحو ذلك في عداد الشهداء إكراماً لهم.
8. كثرة أهل الجنة منهم
ورد في صحيح مسلم أن رسول اللَّه ﷺ قال: “أما ترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ فكبَّر الصحابة، فقال النبي ﷺ: أما ترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟ قال: فكبرنا، ثم قال: إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة” [14].
تميز أمة محمد ﷺ بهذه الفضائل الجليلة دون غيرها من الأمم، جاء بمحض فضل الله تعالى ورحمته ثم بثمرة الإيمان الصادق والعمل الصالح لا بمجرد الانتساب دون تحقيق شرط القبول.
