منذ أن أذن المؤذن الأول في المدينة المنورة، لم يكن المسجد مجرد مكان تقام فيه الصلاة، بل كان فضاءً لصناعة الوعي وتشكيل هوية الأمة. كان المنبر صوت الحق، والدرس القرآني نور العقل، والمجلس فيه ملتقى المسلمين حيث تدار القضايا الكبرى للأمة. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: بعد مرور قرون من التحولات الفكرية والاجتماعية، هل مازال المسجد يحتفظ بدوره في صناعة الوعي، أم أصبح مجرد رمزً تعبدي محدود الأثر؟
المسجد في التاريخ: منارة شاملة
حين نتأمل في سيرة النبي ﷺ نجد أن المسجد النبوي لم يكن مجرد محراب للصلاة فحسب، بل كان:
- مدرسة علمية يتعلم فيها الصحابة القرآن والفقه والسيرة.
- مركزً إداريًا تتخذ فيه القرارات السياسية والاجتماعية.
- ميدانًا للحوار يستقبل الوفود ويجمع المختلفين على كلمة سواء.
- حاضنة مجتمعية للفقراء والمساكين عبر ” أهل الصفة” وللشباب الباحثين عن رسالة.
واستمر هذا الدور في عصور النهضة الإسلامية، فالمسجد ظل مصنع العلماء، ومنطلق الحركات الإصلاحية، وحاصنة للهوية الجماعية التي شكلت وعي الأمة ومكانتها الحضارية.
تحديات الحاضر: أين يقف المسجد اليوم؟
لم يعد المسجد في كثير من المجتمعات المعاصرة يحتل مكانته المحورية السابقة. فالتحولات السريعة أفرزت تحديات كبرى:
- تراجع حضور الشباب: يجد الكثير من الشباب ضالتهم في فضاءات التواصل الاجتماعي أو المراكز الترفيهية أكثر من المساجد، في ظل غياب برامج جاذبة تخاطب عقولهم وتلبي احتياجاتهم.
- ضعف الخطاب الديني: اقتصار بعض الخطب على التذكير الوعظي دون ربطه بقضايا العصر، أدى إلى فجوة بين المنبر وواقع الناس.
- غياب الدور المجتمعي المتكامل: في الماضي كان المسجد يؤدي أدوارًا تعليمية وثقافية وخدمية، بينما تقلصت أدواره اليوم في كثير من البلاد إلى العبادة فقط.
- تأثير الإعلام والرقمنة: أصبح الوعي يصنع عبر الشاشات والمنصات أكثر مما يصنع عبر المنابر، وهو ما يستدعي إعادة التفكير في علاقة المسجد بالجمهور.
فرص التجديد واستعادة الدور
ورغم هذه التحديات، فإن المسجد لا يزال يمتلك طاقات هائلة ليعود إلى مكانته الطبيعية كمصنع للوعي. وهذا يتطلب:
- تطوير الخطاب الديني: بحيث يتناول قضايا الشباب، الأسرة، الاقتصاد، القيم، والوعي الحضاري، بلغة قريبة من الناس، بعيدة عن الجمود والتكرار.
- إعادة المسجد إلى وظيفيته المجتمعية: يمكن أن يصبح المسجد مركزًا للتعليم غير الرسمي، ومكانا لتقديم استشارات أسرية، ومساحة للأنشطة الشبابية والثقافية.
- إشراك الجيل الجديد: عبر مبادرات تطوعية داخل المساجد، ومساحات حوارية يقودها الشباب أنفسهم، بما يشعرهم أن المسجد بيتهم الأول.
- توظيف الإعلام الرقمي: لنشر رسائل المسجد عبر قنوات تواصلية حديثة تصل إلى فئات واسعة، وتجعل من المسجد منبراً عالميًا مفتوحًا.
- إعداد الأئمة والدعاة: ليكونوا قادة فكر ورأي، يمتلكون أدوات فهم العصر والتواصل مع المجتمع بلغته وتحدياته.
المسجد بين الرمز والوظيفة
من الخطأ أن نختزل المسجد في كونه رمزً معماريًا أو مكانًا للعبادة فحسب. فالمسجد هو روح الأمة وذاكرتها، وهو الرابط الذي يجمع القلوب على قيم مشتركة. وحين يتراجع دوره في صناعة الوعي، تملأ الفراغ مؤسسات أخرى قد لا تمتلك ذات المرجعية القيمية أو البوصلة الأخلاقية. إن صناعة الوعي ليست مسألة خطبة عابرة أو درس عابر، بل هي مشروع حضاري متكامل، يحتاج إلى تضافر جهود العلماء، والدعاة والمفكرين، والمؤسسات المجتمعية، حتى يعود المسجد مركز إشعاع كما كان في صدر الإسلام.
خاتمة
المسجد باقٍ ما بقيت الأمة، لكن دوره يحتاج إلى إعادة تفعيل وتجديد. فهو قادر على أن يكون قلب المجتمع النابض، ومنبرا للتربية والإصلاح، ومصنعاً للوعي الحضاري الذي يحمي الإنسان من التيه. ويبقى السؤال معلقاً: من ينهض بهذه المهمة ويعيد للمسجد رسالته التاريخية؟
إن الإجابة ليست مسؤولية الإمام وحده، ولا وزارة الأوقاف فقط، بل هي مسؤولية جماعية، تبدأ من إدراكنا أن المسجد هو بيت الأمة، فإذا غاب صوته ضعفت هويتها، وإذا عاد بوعيه عادة المجتمع كله إلى رشده.