ترى العين البشرية الأجسام بسبب انعكاس الضوء عليها أو صدوره منها، بدليل أنها لا ترى في الظلام الدامس؛ وبناء على ذلك، فإن أي جسم لا يعكس الضوء ولا يصدره، يعجز البصر البشري عن إدراكه. ومن هنا، يتعذر علينا رؤية الملائكة والجن، مثلما يعجز مجرد البصر عن رؤية الميكروبات الدقيقة أو الأجرام السماوية السحيقة.

لكن ما يدعو للتأمل والتدبر، هو قوله تعالى وهو يصف حال الإنسان الغافل عند دنو أجله ولحظات موته: {لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد} [ق: الآية 22]؛ وهو ما يفيد بأن الإنسان يمتلك حينها بصرا حديدا، أي: بالغ الحدة والقوة. والمراد بالبصر في الآية الكريمة هو بصر العين الذاتية؛ أي أن بصر عينك -أيها الإنسان- حال وفاتك ويوم رحيلك يكون حادا، قويا، ونافذا، يرى ما كان محجوبا عنك في الدنيا!

وفي هذا السياق، يذهب بعض المفسرين إلى أن حدة الإبصار هذه تقع عيانا حال وفاة الإنسان؛ كما جاء في كتاب “تأويلات أهل السنة” للإمام الماتريدي في تفسير {فكشفــنا عـنك غطاءك} أي: كشفنا عنك الشبه التي تمنع وقوع العلم به والتجلي له، {فبصـرك اليوم حديد} أي: ثاقبا نيرا يبصر الحق.

بيد أن ثمة تأويلات أخرى تفيد بأن نطاق رؤية العين البشرية يتسع بشكل هائل وقت الاحتضار، فيخرج عن الحدود المألوفة التي كانت تقيده في الدنيا، ويشهد على ذلك الحديث النبوي الصحيح: “إن الروح إذا قبض تبعه البصر” [رواه مسلم]؛ وهي إشارة نبوية إلى أن العين تظل مفتوحة وشاخصة حال الاحتضار وترتفع إلى الأعلى، كما لو أنها تتبع أمرا مهيبا، أو تترصد شيئا عظيما يحدث أمامها، مما يتركها في حالة من الذهول الشديد، ويجعل الدماغ تحت تأثير صدمة خاطفة لثوان معدودة!

إن حبس البصر في هذا النطاق المحدود والمسموح به في الدنيا هو نعمة عظيمة من الله؛ فبها نعيش حياتنا بشكل طبيعي، مستشعرين في الوقت ذاته معية الملائكة، ووجود الجن والشياطين، وغيرها من مخلوقات الله المتنوعة والخافية عن الأعين، مما يزيدنا يقينا وإيمانا بالغيب. حتى إذا ما دنت لحظة كشف الغطاء، وانتقل البصر المحبوس إلى عالم “اللامسموح”، يفيض قلب المؤمن بالغيب، والموقن به يقينا لا يزعزعه أدنى ريب، بالراحة والطمأنينة وهو يرى ملائكة الرحمة تحفه، وربما يتجلى له من ملكوت الله أمور أخرى لا ندركها، فتكون سببا في رسم ملامح البشر والسعادة على محياه، لتخرج روحه هادئة مطمئنة.

وفي المقابل، فإن غير المؤمن، أو من عاش مشككا في عالم الغيب أثناء حياته الدنيا، يرى في عالم “اللامسموح” بعد كشف الحجـاب كل ما كان يكفر به أو يرتاب فيه، فترتسم على وجهه ملامح الحزن والخوف والوجوم. فهل تكون رؤية تلك المخلوقات بعد رفع الحجـاب عنها تفسيرا لتلك الصدمة التي تجعل نشاط الدماغ عند الإنسان يزداد لثوان قليلة، قد تصل إلى دقائق معدودة أحيانا، كما لاحظها الأطباء حديثا؟

لا شيء يؤكد ذلك يقينا حتى الآن.. ولكن، لم لا؟