فقدت الأمة الإسلامية والمجتمع العلمي قامة فكرية وعلمية قل نظيرها، حيث رحل عن عالمنا بالأمس 14 يونيو 2026 البروفيسور محمد عمر شابرا، تاركا خلفه فراغا كبيرا في الأوساط الأكاديمية والمالية الدولية، وإرثا معرفيا غزيرا أصل لأطروحة “التمويل الأخلاقي” في فضاء الاقتصاد المعاصر.

لم يكن الدكتور شابرا مجرد باحث يخط النظريات من داخل الصوامع الأكاديمية، بل كان ممارسا استراتيجيا رفيعا ومهندسا للسياسات النقدية، نجح في الموازنة بين عمق الفلسفة الإسلامية التشريعية ومقتضيات التحليل الاقتصادي الرياضي الحديث، مما جعله واحدا من أبرز الرواد الذين نقلوا الاقتصاد الإسلامي من حيز “التنظير الفقهي” إلى حيز “المؤسساتية الدولية”.

كان البروفيسور شابرا، الذي وافته المنية عن عمر يناهز 93 عاما، أحد أبرز رواد الاقتصاد الإسلامي المعاصر، وكرس حياته لإرساء أسس نظام اقتصادي عادل وشامل مستمد من المبادئ الإسلامية. لم تكن وفاته مجرد خسارة لعالم جليل، بل هي فقدان لمفكر استثنائي أثرت مؤلفاته وأفكاره في الأوساط الأكاديمية، ودوائر صنع السياسات، والمؤسسات المالية حول العالم.

لمن لا يعرف البروفيسور شابرا  نسلط الضوء في هذه المقالة المختصرة على جوانب من حياة وإنجازات هذه الشخصية الفذة، ونستعرض جزءا من مسيرته العلمية والعملية، وأبرز إسهاماته الفكرية التي شكلت ملامح الاقتصاد الإسلامي الحديث.

النشأة والمحطات العلمية: بناء عقلية الاقتصادي الموسوعي

ولد البروفيسور محمد عمر شابرا في الهند عام 1932، وتلقى تعليمه الجامعي الأولي في باكستان حيث نال درجتي البكالوريوس والماستير في الاقتصاد من جامعة كراتشي المرموقة. وانطلاقاً من نبوغه المبكر وطموحه في سبر أغوار الأنظمة النقدية، شد الرحال إلى الولايات المتحدة الأمريكية ليلتحق بجامعة مينيسوتا العريقة (University of Minnesota)، حيث نال منها درجة الدكتوراه في الاقتصاد عام 1961.

رجل مسن يرتدي بدلة داكنة وقميصًا أزرق، يجلس أمام مكتبة تحتوي على كتب ملونة. يتسم بتعابير وجه ودودة، مع نظارات وشعر رمادي.
البروفيسور محمد عمر شابرا

هذا التكوين الأكاديمي الغربي الصارم منحه القدرة الكاملة على تفكيك الاقتصاد الرأسمالي الكينزي والكلاسيكي، والوقوف على مواطن الخلل الهيكلي في النظريات النقدية الغربية، مما دفعه لاحقاً لتكريس أدواته المعرفية لتقديم البديل الإسلامي القائم على ثنائية “الكفاءة والأخلاق”.

المحطات المهنية: من صياغة السياسة النقدية السعودية إلى أروقة المعهد الإسلامي

تنقل البروفيسور شابرا خلال مسيرته الطويلة بين مناصب استشارية وأكاديمية بالغة الأهمية، صقلت خبرته الميدانية في إدارة الاقتصاد الكلي:

  • التدريس في الجامعات الأمريكية: بدأ مسيرته المهنية مدرساً ومساعداً بحثياً في جامعة مينيسوتا، ثم أستاذاً مشاركاً للاقتصاد في جامعة مذكراتشي بباكستان، ومستشاراً في معهد التنمية الاقتصادية بكراتشي.
  • البنك المركزي السعودي (SAMA): قضى شابرا قرابة 35 عاماً (منذ عام 1965) ككبير المستشارين الاقتصاديين في مؤسسة النقد العربي السعودي (البنك المركزي السعودي حالياً). وخلال هذه العقود الثلاثة الفاصلة من تاريخ الطفرة الاقتصادية وتأسيس النظام النقدي السعودي، ساهم بشكل جوهري في صياغة السياسات النقدية والمصرفية للمملكة، ومواجهة التحديات التضخمية، وتحديث المنظومة المالية الاستثمارية.
  • معهد البنك الإسلامي للتنمية (IsDBI): عقب محطته في البنك المركزي السعودي، انتقل للعمل ككبير المستشارين في المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب (IRTI) التابع لمجموعة البنك الإسلامي للتنمية في جدة. هناك، قاد حوارات السياسات الدولية، وأشرف على البرامج البحثية التي وضعت الأطر التشريعية والتنظيمية للبنوك الإسلامية الناشئة حول العالم.

الأطروحة الفكرية: الاقتصاد الإسلامي كأداة للمقاصد الإنسانية

تميز الفكر الاقتصادي عند شابرا بأنه لم ينظر للاقتصاد الإسلامي كأدوات مالية خالية من الروح (مثل المرابحة والمشاركة فحسب)، بل كفلسفة شاملة تهدف إلى تحقيق “الفلاح” والعدالة الاجتماعية. تتركز أفكاره في ثلاثة محاور رئيسية:

1. نقد الرأسمالية والاشتراكية

أوضح شابرا في أطروحاته أن الرأسمالية نجحت في تحفيز الكفاءة والإنتاج لكنها فشلت في التوزيع العادل للثروة وأسفرت عن أزمات ديون خانقة، في حين صهبت الاشتراكية الحريات الفردية وفشلت في الكفاءة.

2. حتمية الكبح الأخلاقي (Moral Filter)

يرى شابرا أن الأسواق لا يمكن أن تنظم نفسها بالأسعار فقط؛ بل يجب إدخال “الفلتر الأخلاقي” المستمد من القيم الدينية لتوجيه الموارد نحو تلبية الحاجات الأساسية للمجتمع بدلاً من السلع الترفيهية والمضاربات الوهمية التي تفجر الأزمات الماليّة.

3. دور الدولة والنظام النقدي العادل

دعا في كتابه العمدة “نحو نظام نقدي عادل” إلى إصلاح جذري في النظام المصرفي القائم على الفائدة والائتمان غير المدعوم بأصول حقيقية، معتبراً أن التمويل القائم على تقاسم الربح والخسارة هو الصمام الوحيد لاستقرار الاقتصاد العالمي ومقاومة الأزمات الدورية.

الإنتاج المعرفي والمؤلفات الكبرى

  • أثرى البروفيسور شابرا المكتبة الاقتصادية العالمية بعشرات الكتب والبحوث التي تُرجمت إلى لغات عدة (كالفرنسية، والعربية، والإندونيسية، والتركية، والفارسية)، ومن أبرز مؤلفاته التي تُدرس في الجامعات:
  • نحو نظام نقدي عادل (Towards a Just Monetary System): صدر عام 1985، ويعد وثيقة تأسيسية لشرح السياسة النقدية والائتمانية في الإسلام وكيفية إدارة البنوك المركزية دون ربا.
  • الإسلام والتحدي الاقتصادي (Islam and the Economic Challenge): كتاب يناقش بدقة مواطن قصور النظم الاقتصادية المعاصرة وكيف يقدم الإسلام حلولاً لأزمات التضخم، والبطالة، وتوزيع الثروة.
  • مستقبل الاقتصاد الإسلامي (The Future of Economics: An Islamic Perspective): يستعرض فيه منهجية البحث العلمي للاقتصاد الإسلامي وتطوره الأكاديمي.
  • الحضارة الإسلامية: أسباب الانحطاط والحاجة إلى الإصلاح (Muslim Civilization: The Causes of Decline and the Need for Reform): محاولة رائدة وظف فيها نظريات ابن خلدون لتفسير التراجع التنموي في العالم الإسلامي وسبل النهوض عبر العولمة العادلة.
رجل مسن يرتدي ثوبًا عربيًا تقليديًا وغطاء رأس، مبتسم في صورة رسمية ذات خلفية زرقاء.
البروفيسور محمد عمر شابرا

التتويج والجوائز الدولية

تقديراً لإسهاماته الاستثنائية التي غيرت ملامح الفكر المالي المعاصر، نال البروفيسور محمد عمر شابرا أرفع تكريمين في العالم الإسلامي:

  1. جائزة البنك الإسلامي للتنمية في الاقتصاد الإسلامي (1989): نالها في نسختها الأولى كأول فائز بها، تقديراً لدوره التأسيسي والميداني في إرساء دعائم التمويل الإسلامي.
  2. جائزة الملك فيصل العالمية في الدراسات الإسلامية (1990): مُنحت له مناصفة، لتميز بحوثه في تقديم حلول اقتصادية إسلامية منسجمة مع واقع الاقتصاد الكلي الدولي وللعمق الأخلاقي في أطروحاته.

إرث وتخليد ونور لا ينطفئ

لا يكمن إرث محمد عمر شابرا في الكتب الصادرة فحسب، بل في الأجيال المتعاقبة من الأكاديميين وصناع القرار في المصارف المركزية والبنوك التمويلية الذين تتلمذوا على أدبياته. لقد كان صوتاً عقلانيا، متزنا، محترماً في المؤتمرات الدولية وصندوق النقد الدولي، ومدافعا فذا عن فكرة أن “الاقتصاد بدون أخلاق وعدالة هو مجرد آلة لإنتاج الأزمات”. برحيله، انطوت صفحة أحد الكبار، لكن نظام الاقتصاد الأخلاقي الذي بذل عمره لتشييده سيظل منارة مرشدة لمستقبل التنمية المستدامة والعادلة.

لقد كان البروفيسور محمد عمر شابرا عالما متميزا، ومفكرا مستنيرا، ورائدا حقيقيا في مجال الاقتصاد الإسلامي. لم يقتصر إرثه على مؤلفاته القيمة وجوائزه الرفيعة، بل امتد ليشمل أجيالا من العلماء والممارسين وصناع السياسات الذين استلهموا من أعماله. رؤيته لنظام اقتصادي عادل وقائم على الأخلاق ستظل توجّه رسالة المؤسسات المعنية بالنهوض بالاقتصاد والتمويل الإسلامي من أجل تحقيق التنمية المستدامة. وبرحيله، فقد العالم الإسلامي أحد أبرز عقوله الاقتصادية، لكن نوره الفكري سيظل ساطعا يهدي الأجيال القادمة نحو بناء مستقبل اقتصادي أكثر عدلاً وإنسانية.