ما كان الله سبحانه ليصف كتابه مَرَّةً بعد أخرى بأنه نزل: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ لو أن القضية قضيةُ أصواتٍ وتمييزِ ألسنةٍ فحسب؛ فالناس يدركون اختلاف اللغات كما يدركون اختلاف الوجوه والألوان. ولكن هذا الوصف القرآني يقرر حقيقةً أعمق من ذلك؛ وهي أن فهم الوحي لا ينفصل عن فهم اللسان الذي نزل به.
ومن هنا لم ينظر علماء العربية الأوائل إلى النحو على أنه صناعةٌ مدرسية أو ترفٌ ذهني، بل عدُّوه علماً يحرس الدلالة، ويقيم المعنى على وجهه الصحيح؛ فالإعراب في جوهره ليس حركاتٍ تُلقَّن، وإنما هو العلم الذي تتمايز به وجوه الكلام، وتنكشف به دقائق المعاني. ولذلك ارتبط تاريخ العربية منذ وقتٍ مبكر بخدمة القرآن الكريم: تفسيراً، وقراءةً، وضبطاً، واستنباطاً؛ وفي هذا الميدان أفنى الدكتور عبد اللطيف الخطيب عمره، وأنفق جهده وفكره.
فقد عاش الرجل ــ الذي ودّع دنيانا في الكويت يوم التروية من حج هذا العام 1447 هـ ــ للعربية بوصفها لسان الوحي وذاكرة الأمة العلمية. جمع في تكوينه بين الرسوخ التراثي والدراسة الأكاديمية الحديثة؛ فتلقى العلم في بيئة شامية عُرفت بالاشتغال بالعربية وعلوم الإسلام، ثم واصل دراسته العليا في جامعة عين شمس، قبل أن ينال الدكتوراه من كلية دار العلوم بجامعة القاهرة، فاجتمع له من ذلك صلةٌ عميقة بالتراث، ومنهجيةٌ دقيقة في البحث والتحقيق.
غير أن قيمة الخطيب لم تكن في غزارة تحصيله وحده، بل في طبيعة المشروع الذي نذر نفسه له؛ فقد أدرك ــ من خلال تدريسه الطويل واحتكاكه المباشر بالطلاب والباحثين ــ مقدار العناء الذي يلقاه دارس الإعراب القرآني؛ إذ تتفرق المسألة الواحدة في بطون المطولات، وتتداخل الأقوال النحوية بالتفريعات الجدلية، فضلاً عن أن كثيراً من المصنفات القديمة كُتبت لعصرٍ كانت العربية فيه سليقةً جارية على الألسنة، لا علماً يتعثر الناس في أبوابه كما يتعثرون اليوم.
ومن هنا اتجه جهده الأكبر إلى بناء عملٍ يجمع هذا الشتات، ويقرب هذا العلم، دون أن يفقده دقته أو أصالته؛ فكانت موسوعة «التفصيل في إعراب آيات التنزيل»، التي شاركه في إنجازها العالمان سعد عبد العزيز مصلوح ورجب حسن العلوش، أضخمَ مشروعٍ موسوعيٍّ معاصرٍ في إعراب القرآن الكريم.
ولم تكن قيمة هذا السِّفر في ضخامته وحدها، بل في منهجه أيضاً؛ إذ استوعب آيات القرآن كلمةً كلمة، وجمع مادته من أمهات كتب النحو والتفسير وإعراب القرآن، ثم أعاد ترتيبها في بناءٍ واضحٍ متدرج، يبدأ بالأقوال الأرجح، ويعزو الآراء إلى أصحابها، ويربط التخريج النحوي بالسياق والمعنى.
وقد استطاع المؤلفون أن يحققوا معادلةً قلَّما تجتمع: سعة الاستيعاب مع وضوح العبارة؛ فالكتاب لا يُرهق قارئه باستطرادٍ يُضعف الفكرة، ولا يختزل المسائل اختزالاً مخلاً، بل يقدم خلاصةً محررة تعين الباحث على فهم وجوه الإعراب ومآخذ الأقوال، من غير عناء التتبع بين المصادر المتفرقة.
وقد بدا أثر هذا التكامل جليّاً في سعة المادة، وإحكام المنهج، ودقة الصنعة، حتى كأن عقولهم التقت لإيقاد سراج واحد، يمدُّه كلُّ واحدٍ منهم بخلاصة فكره ليزداد نورُه جلاءً وضياءً. وحلَّت في هذا العمل بركةُ الأخوة العلمية الصادقة، والشراكة القائمة على الصدق والإخلاص؛ وقد جاء في الحديث الشريف: «وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمِ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ»، وإننا لنرجو أن يمتد أثر هذا الفضل ليشمل هذا السِّفر ومؤلفيه؛ فهو اليوم دروسٌ قرآنية ممتدة، يتدارسها أجيال الباحثين في شتى بقاع الأرض.
رحم الله الدكتور عبد اللطيف الخطيب رحمةً واسعة، وجزاه عن القرآن وأهله خير الجزاء؛ فقد مضى الرجل إلى ربٍّ كريم، وبقي من بعده عملٌ يشهد أن خدمة العربية هي حراسةُ المعنى، وصيانةُ الفهم، وحفظُ البيان الذي نزل به كتاب الله.
