يقدم كتاب “توظيف الذكاء التوليدي في الاجتهاد والفتوى: الإمكانات والتحديات” للمؤلفة الدكتورة سمر حمودة السعفي دراسة أصولية ونوازلية معمقة لإحدى أبرز نوازل العصر الحاضر. ويتنزل هذا العمل العلمي الشامل ضمن التخصص الدقيق (أصول فقه – فقه نوازل) متناولا قضايا ومسائل في باب العبادات والمجال الشرعي؛ حيث جاء الكتاب في 200 صفحة مستندا إلى 116 مرجعا أصوليا وفقهيا وتقنيا، وقد صدرت طبعته الأولى عن دار المالكية للنشر والتوزيع ببيروت – لبنان لعام 2025م.
وينطلق الكتاب من تحليل دقيق لطبيعة الاجتهاد وشروطه ومقاصده، ليقارن بين القدرات البشرية والآلية في معالجة النوازل الفقهية، كاشفا حدود ما يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقدمه في هذا المجال. ويرصد المؤلف من خلال اختبارات تطبيقية شاملة لبرامج المحادثة الأكثر انتشارا حجم الأخطاء المنهجية والتحريفات النصية وإشكالات الهلوسة التي تعرض لمخرجات هذه التطبيقات. وفي المقابل، يبين مجالات الإفادة المشروعة من الوسائل الذكية وضوابط استخدامها في خدمة البحث الفقهي ومساعدة الفقيه في وظيفتي الاجتهاد والفتوى. وبجمعه بين التحليل الأصولي والدراسة التطبيقية ونقد التجارب المعاصرة، يقدم الكتاب إطارا علميا رصينا لترشيد توظيف الذكاء الاصطناعي في المجال الديني، بما يحفظ للمفتي مكانته، وللاجتهاد مقاصده، وللمتلقي حقه في الفتوى الموثوقة.
أهمية الموضوع ودواعي البحث فيه
مع ظهور الذكاء الاصطناعي، لا سيما الذكاء التوليدي، وتنامي تأثيره في مختلف المجالات، سواء أكانت فكرية تحتاج مهارات التحليل المنطقي والاستنتاج، أم مادية كمهارات الحركة ومختلف المهام القولية والفعلية، ظهر اهتمام الفقهاء بمسائل توظيف الذكاء الاصطناعي في خدمة العلوم الإسلامية والوظائف الشرعية.
ومن النوازل التي أورثها تفاعل الإنسان مع الآلة في المجال الشرعي وبدا الحذر فيها واضحا والاحتراز جليا، مسألة توظيف التطبيقات الذكية في الاجتهاد والفتوى. وقد أثارت اهتماما بالغا في الأوساط العلمية، خاصة مع ظهور الذكاء التوليدي وتوسع استعماله، وتوفر تطبيقات محادثة تعرف نفسها بأنها “مجتهد إسلامي يقدم فتاوى وأحكاما شرعية”. ولا تخفى خطورة وظيفتي الاجتهاد والإفتاء، إذ تؤطران علاقة المسلم بربه باعتبارهما كاشفتين عن خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين، وعن مقاصد ذلك الخطاب، ما يجعل النظر في ضوابط توظيف هذه التطبيقات في الكشف عن الحكم الشرعي مهما، مع وجوب بيان حدوده.
ويحاول هذا المصنف بيان هذه الضوابط والحدود والإجابة عن سؤال المشروعية والجدوى. ولحل هذه الإشكالية، اعتمدت المناهج التالية:
- المنهج التحليلي: وهو المنهج الأساس، إذ يسعف في بيان علاقة الذكاء الاصطناعي بإصدار الفتوى، ويحلل مدى قدرة وسائله (لا سيما برامج المحادثة ذات الانتشار الواسع) على تحقيق شروطها، نظريا من خلال رد النازلة إلى أصولها الشرعية، والخلوص إلى الضوابط التي تؤطرها، وإجرائيا من خلال تجربة طائفة من التطبيقات الذكية في الاجتهاد والإفتاء من خلال نماذج من فقه العبادات والأحوال الشخصية والمعاملات المالية المعاصرة.
- المنهج المقارن: وهو فرع عن الأول وخادم له، وقد أسعف في مقارنة أقوال المذاهب في حكم توظيف الذكاء الاصطناعي في الاجتهاد والإفتاء، وفي مقارنة ما خلصت إليه من نظر فقهي بعد بحث في كتب الفقه والأصول والنوازل والقضايا المعاصرة مع مخرجات برامج الذكاء الاصطناعي التي اختبرتها الدراسة.
- المنهجان الاستقرائي والوصفي: وبهما يعضد التحليل إذ يسعفان في تحقيق تصور موضوعي لواقع تطبيقات الفتوى القائمة على استعمال وسائل الذكاء الاصطناعي.
بالإضافة لتتبع أقوال المعاصرين في هذه القضية وأدلتهم، لتكون مستندا للتحليل وبناء الحكم في النازلة.
أوجه التميز والإضافة العلمية في الكتاب
تمثل أغلب البحوث التي تناولت اجتهاد الآلة مباحث نظرية، من ذلك بحث للدكتور أيمن الصالح تطرق لاختبار الذكاء التوليدي في الفتوى مقارنا بين منصتي Gemini و ChatGPT، وبحوث كل من الدكتور طه الزيدي ومراد بوضاية المقدمة لمؤتمر الدوحة العاشر للمال الإسلامي (2024) بخصوص ChatGPT، بالإضافة إلى إشارات مهمة في بحوث الدورة السادسة والعشرين لمجمع الفقه الإسلامي، وبعض بحوث المؤتمر الدولي الأول بكلية الشريعة آيت ملول بالمغرب، وبحث “الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته في العلوم الإسلامية” بجامعة الوادي بالجزائر، وبحث “الذكاء الاصطناعي وأثره في الفتوى” للدكتور عمر المحيميد.
أما هذا البحث، فبدأ بأصل المسألة، وهو تقييم مفهوم الاجتهاد من خلال اختبار هذه التقنيات، إلى الاختبار التفصيلي في منظورها لأصول الفقه الاجتهادية، ثم الأحكام في مختلف الأبواب الفقهية، والأمانة في النقول العلمية، ومدى دقتها أو تحيزها في كل ذلك. وتم ذلك من خلال التعرض لتطبيقات الذكاء التوليدي العامة، وتلك التي تعرف نفسها بأنها “مجتهد إسلامي” أو “مفتي”، مع تعرف مسالكها في التعامل مع الحكم الشرعي، ومدى وضوح مفهوم الإفتاء عندها، ومدى قدرتها على التفاعل مع القضايا التي تتميز بتعدد التكييفات، أو كثرة الأقوال.
تقسيم الكتاب
بناء على ما سبق، قسم الكتاب إلى ثلاثة فصول:
الفصل الأول: بين حقيقة الاجتهاد والفتوى وما ترجح من شروطهما، ولم يتوسع إلا بقدر ما يتعلق بمدى مطابقة تلك الشروط للمهارات التي يمتلكها الذكاء الاصطناعي.
الفصل الثاني: دراسة نظرية في حدود الإفادة من الوسائل الذكية في الاجتهاد والفتوى، سواء ما تعلق بالجمع والترتيب والتبليغ، أو ما تعلق بفعل الاجتهاد ذاته.
الفصل الثالث: فصل عملي اختبرت من خلاله تطبيقات المحادثة العامة (مثل: ChatGPT 4، DeepSeek، Gemini، Perplexity، Mistral.ai، Claude.ai وغيرها) مع مسائل مختارة تحتاج نظرا اجتهاديا أو إصدار فتوى؛ إذ صار العوام يلجؤون لها في مختلف أمورهم ويسألونها حتى في مسائل ديانتهم. وقد تنوعت الاختبارات بدءا من اختبار مدى تمثل تلك البرامج لوظيفة الإفتاء ومقومات الاجتهاد، مرورا بأسئلة تتعلق بأحكام العبادات والمعاملات والعادات.
كما قدم البحث مقترحا عمليا لتوظيف الوكلاء الأذكياء في مجال المعاملات المالية، عرض على مجموعة من الخبراء التقنيين والاقتصاديين لتقييم فائدته ومدى إمكانه.
نتائج المصنف وتوصياته
بعد دراسة موسعة تناولت أثر الذكاء الاصطناعي في مجالي الاجتهاد وصناعة الفتوى، تبين أن الذكاء الاصطناعي يمثل أداة مفيدة لتيسير الوصول إلى الفتاوى الشرعية، لا سيما في مجال المعاملات الذي يغلب عليه التعليل ويقل فيه الاعتماد على دلالات الألفاظ. غير أن هذه المنفعة تظل مشروطة بضوابط دقيقة تحفظ مقاصد هذه الوظائف الدينية.
أبرز النتائج
الفتوى وظيفة شرعية تكليفية، تجب على من تحققت فيه شروط الاجتهاد، ولا يجوز تفويضها للآلات التي لا تملك أهلية التكليف ولا أهلية الاجتهاد والإفتاء.
الاجتهاد نوعان: أحدهما يتعلق بتحقيق المناط العام، والآخر بتحقيق المناط الخاص (الذي يفترض إدراكا وشعورا ووعيا مقاصديا وفهما للبيئة وأحوال الناس)، وهو ما يفتقر إليه الذكاء الاصطناعي، لذا لا يصح تفويضه في الاجتهاد التنزيلي الخاص.
يجوز توظيف الذكاء الاصطناعي التوليدي والوكلاء الأذكياء في تعرف الأحكام العامة شرط المراجعة المستمرة، وأن يكون التوظيف من قبل مؤسسات إسلامية موثوقة.
لا يجوز استفتاء برامج المحادثة العامة (مثل: ChatGPT، Perplexity، Claude، Gemini، Mistral، DeepSeek) في الأحكام العامة أو الاجتهادية؛ لما اشتملت عليه من أخطاء فادحة، وخلل منهجي، وتحريف للمصادر، وغياب للوعي المقاصدي والمآلي. إضافة إلى إشكالات التنبؤ الإحصائي وصعوبة تفسير النتائج والهلوسة.
يجوز الإفادة من برامج المحادثة العامة (مع وجوب التحقق من المخرجات) في تيسير الوصول إلى فتاوى العلماء (ترتيبا وتبليغا وترجمة)، وفي تيسير تصوير الواقع للفقيه والباحث الشرعي والخبير المختص، شريطة وضوح السؤال وتجنب المصطلحات المعقدة والمشتركة.
التوصيات
أن تتولى المؤسسات الشرعية والعلمية في العالم الإسلامي تطوير تطبيقات ذكاء اصطناعي خاصة تبنى على أسس علمية ومنهجية بإشراف فقهاء ومختصين، وتستخدم في خدمة الفقه والاجتهاد، لا في إلغائه.
أن تستثمر هذه البرامج في نشر فتاوى العلماء وتيسير الوصول إليها، وتطوير التعليم الشرعي في الجامعات والمعاهد، دون التفريط في وظيفة الفقيه.
أن يوجه العوام إلى التثبت، وإلى الرجوع لأهل العلم، وألا تقدم لهم هذه الأدوات باعتبارها بديلا عن المفتي، بل وسيلة للبحث.
أن توضع ضوابط علمية وتشريعية لاستخدام الذكاء الاصطناعي في المجال الديني، تحفظ الدين من التحريف، والناس من الضلال، والبرامج من الانحراف المنهجي.
