يُعد شهر الله المحرم بداية العام الهجري، وما إن يهلّ علينا هذا الشهر المبارك إلا ونتذكر يوم عاشوراء وفضائله العظيمة. وقد جلت لنا السنة النبوية المطهرة فضل هذا اليوم ومكانته عند الله تعالى. في هذا المقال، سنلقي الضوء على أهم فضائل يوم عاشوراء، والوقائع التاريخية المرتبطة به، وكيف يمثل هذا اليوم فرصة ذهبية لكل مسلم لتكفير الذنوب والتقرب إلى الله.
ما هي فضائل يوم عاشوراء؟
تتعدد الفضائل والبركات التي اختص الله بها يوم العاشر من محرم، ومن أبرز هذه الفضائل ما ورد في الأثر والسنة النبوية بالتسلسل الآتي:
1- يوم تاب الله فيه على آدم عليه السلام
فعن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال: هو اليوم الذي تيب فيه على آدم ([1]).
2- يوم هبوط آدم عليه السلام إلى الأرض
قال قتادة: “كنا نتحدث اليوم الذي تيب فيه على آدم يوم عاشوراء، وهبط فيه آدم إلى الأرض يوم عاشوراء” ([2]).
3- يوم نزول نوح من السفينة
قال قتادة: “ركب نوح في السفينة في رجب يوم عشر بقين، ونزل من السفينة يوم عاشوراء” ([3]).
4- يوم التوبة وتفريج الكربات
فعن الأسود بن يزيد قال: سألت عبيد بن عمير عن صوم عاشوراء، فقال: “إن المحرم شهر الله عز وجل، وإن فيه يوم عاشوراء أذنب فيه قوم ذنباً عظيماً فتابوا فيه، فكان يسمى يوم التوبة، قال: فلا يمرن عليك إلا صمته” ([4]).
وعن وهب: إن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه السلام: “أن مر قومك يتوبوا إلي في أول عشر المحرم فإذا كان يوم العاشر فليخرجوا إلي حتى أغفر لهم” ([5]).
5- يوم من أيام الله تعالى
فعن عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ أن أهل الجاهلية كانوا يصومون يوم عاشوراء، وأن رسول الله (ﷺ) صامه والمسلمون قبل أن يفترض رمضان، فلما افترض رمضان قال رسول الله (ﷺ):
«إِنَّ عَاشُورَاءَ يَوْمٌ مِنْ أَيَّامِ اللَّهِ، فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ، وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ»
وكان عبد الله (رضي الله عنه) لا يصومه إلا أن يوافق صيامه ([6]).
أحداث تاريخية عظيمة في يوم عاشوراء
6- يوم نجاة بني موسى عليه السلام وقومه وغرق فرعون
فعن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أن رسول الله (ﷺ) قدم المدينة فوجد اليهود صياماً يوم عاشوراء فقال لهم رسول الله (ﷺ): «مَا هَذَا الْيَوْمُ الَّذِى تَصُومُونَهُ ؟». فقالوا: “هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه وغرّق فرعون وقومه فصامه موسى شكراً فنحن نصومه. فقال رسول الله (ﷺ):
«فَنَحْنُ أَحَقُّ وَأَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ». فصامه رسول الله (ﷺ) وأمر بصيامه ([7]).
وعن علي (رضي الله عنه) قال: سأله رجل فقال: أي شهر تأمرني أن أصوم بعد شهر رمضان؟ قال له: ما سمعت أحداً يسأل عن هذا إلا رجلاً سمعته يسأل رسول الله (ﷺ)، وأنا قاعد عنده، فقال: يا رسول الله أي شهر تأمرني أن أصوم بعد شهر رمضان؟ قال:
“إِنْ كُنْتَ صَائِمًا بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ فَصُمْ الْمُحَرَّمَ فَإِنَّهُ شَهْرُ اللَّهِ فِيهِ يَوْمٌ تَابَ فِيهِ عَلَى قَوْمٍ، وَيَتُوبُ فِيهِ عَلَى قَوْمٍ آخَرِينَ” ([8]).
- معلومة تاريخية متممة: ومن القوم الذين تاب الله عليهم قوم يونس عليه السلام، وهو اليوم الذي ولد فيه إبراهيم وعيسى عليهما السلام.
7- يوم تستر فيه الكعبة في الجاهلية
فعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: “كانوا يصومون عاشوراء قبل أن يفرض رمضان، وكان يوماً تستر فيه الكعبة، فلما فرض الله رمضان قال رسول الله (ﷺ): «مَنْ شَاءَ أَنْ يَصُومَهُ فَلْيَصُمْهُ، وَمَنْ شَاءَ أَنْ يَتْرُكَهُ فَلْيَتْرُكْهُ»” ([9]).
فأهل الجاهلية كانوا يعظمون الكعبة قديماً بالستور ويقومون بها. ويستفاد من الحديث: معرفة الوقت الذي كانت الكعبة تكسى فيه من كل سنة، وهو يوم عاشوراء.
قال أبو جعفر الباقر: “إن الأمر استمر على ذلك في زمانهم، وقد تغير ذلك بعد فصارت تكسى في يوم النحر، وصاروا يعمدون إليه في ذي القعدة فيعلقون كسوته إلى نحو نصفه، ثم صاروا يقطعونها فيصير البيت كهيئة المحرم، فإذا حل الناس يوم النحر كسوه الكسوة الجديدة” ([10]).
فضل صيام يوم عاشوراء والصدقة فيه
8- فضل صيام يومه على سائر الأيام
فعن عبيد الله بن أبي يزيد أنه سمع ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ، وسئل عن صيام يوم عاشوراء. فقال:
“مَا عَلِمْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَامَ يَوْمًا يَطْلُبُ فَضْلَهُ عَلَى الأَيَّامِ إِلاَّ هَذَا الْيَوْمَ وَلاَ شَهْرًا إِلاَّ هَذَا الشَّهْرَ (يعني رمضان)” ([11]).
وإنما جمع ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ بين عاشوراء ورمضان – وإن كان أحدهما واجباً والآخر مندوباً -؛ لاشتراكهما في حصول الثواب؛ لأن معنى “يتحرى” في رواية البخاري أي يقصد صومه لتحصيل ثوابه والرغبة فيه ([12]).
9- صيامه يكفر صغائر ذنوب السنة التي قبله
فعن أبي قتادة (رضي الله عنه) قال: رجل أتى النبي (ﷺ) فقال: كيف تصوم؟ فغضب رسول الله (ﷺ) فلما رأى عمر (رضي الله عنه) غضبه قال: رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً نعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله. فجعل عمر يكرر هذا الكلام حتى سكن غضبه، فقال عمر: يا رسول الله كيف بمن يصوم الدهر كله؟ قال: «لاَ صَامَ وَلاَ أَفْطَرَ – أَوْ قَالَ – لَمْ يَصُمْ وَلَمْ يُفْطِرْ». قال: كيف من يصوم يومين ويفطر يوماً؟ قال: «وَيُطِيقُ ذَلِكَ أَحَدٌ». قال كيف من يصوم يوماً ويفطر يوماً؟ قال: «ذَاكَ صَوْمُ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ». قال: كيف من يصوم يوماً ويفطر يومين؟ قال: «وَدِدْتُ أَنِّى طُوِّقْتُ ذَلِكَ». ثم قال رسول الله (ﷺ):
«ثَلاَثٌ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ فَهَذَا صِيَامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ، صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِى قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِى بَعْدَهُ، وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِى قَبْلَهُ» ([13]).
وظاهره أن صيام يوم عرفة أفضل من صيام يوم عاشوراء، وقد قيل في الحكمة في ذلك: إن يوم عاشوراء منسوب إلى موسى عليه السلام، ويوم عرفة منسوب إلى النبي (ﷺ) فلذلك كان أفضل ([14]).
10- الصدقة فيه تعدل صدقة سنة
فعن عبد الله بن عمرو بن العاص ـ رضي الله عنهما ـ قال:
“مَنْ صَامَ عَاشُورَاءَ فَكَأَنَّمَا صَامَ السَّنَةَ، وَمَنْ تَصَدَّقَ فِيهِ كَانَ كَصَدَقَةِ السَّنَةِ” ([15]).
خاتمة
في الختام، يتبين لنا أن يوم عاشوراء ليس مجرد يوم عابر في التاريخ الإسلامي، بل هو محطة سنوية إيمانية للتوبة، والاستغفار، والتقرب إلى الله بالصيام والصدقة. فاحرص أخي المسلم على اغتنام هذا اليوم المبارك واقتداءً بسنة النبي (ﷺ) لتحظى بمغفرة الذنوب والبركة في العام الجديد.
