لم تبدأ فتوحات العراق في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالقادسية، بل سبقتها معارك شديدة كان من أبرز رجالها: أبو عبيد بن مسعود الثقفي والمثنى بن حارثة الشيباني، وفي أخبارهما صفحات لا تقف قيمتها عند الانتصار والهزيمة؛ بل في الدروس التي تؤخذ منها في القيادة والحرب: كيف يمكن لقائد منتصر أن يخطئ فيتغير مسار المعركة؟ وكيف يحفظ القائد جيشه ساعة الهزيمة؟ وكيف تستعيد الجيوش ثقتها بعد الانكسار؟ بل كيف يعترف القائد المنتصر بخطئه ويحذر جنوده من تكراره؟

أبو عبيد القائد الذي لا ينبغي أن تختزله الجسر

حين تولى عمر الخلافة حث المسلمين على مواصلة القتال في العراق، وأمّر على الجيش أبا عبيد الثقفي، وقد عرفت ذاكرة كثيرين أبا عبيد من خلال معركة الجسر التي خسرها المسلمون واستشهد فيها أبو عبيد، مع أن أبا عبيد قد حقق قبلها انتصارات متتابعة على الفرس؛ ففي معركة (النمارق) هزم أبو عبيد جيشًا فارسيًا بقيادة جابان وأسره المسلمون، ثم تتبع المنهزمين فواجه الفرس في معركة (السَّقَّاطية) بقيادة نرسي فهزمهم وغنم عسكرهم، ولما أرسل الفرس الجالينوس بجيش آخر لقيه أبو عبيد ودارت بينهما معركة (بارُوسما) وهزمه أيضًا. وهذه الانتصارات المتلاحقة تبين أن أبا عبيد لم يكن قائد معركة الجسر فحسب، وإنما كان قائدًا هزم ثلاثة جيوش فارسية في مدة وجيزة كان اجتماعها سيشكل عبئًا كبيرًا على المسلمين؛ ولكن سلسلة الانتصارات هذه انتهت عند معركة الجسر، وفي ذلك أول دروس الحرب وهي: أن الانتصارات السابقة لا تمنح القائد حصانة من الخطأ اللاحق!

معركة الجسر حين لم تكف الشجاعة

بعد خسائر الفرس المتتالية جمعوا جيشًا كبيرًا بقيادة بهمن جاذويه ومعه الفيلة، التقى بجيش المسلمين وكان بينهما الفرات؛ فعرض الفرس على المسلمين أن يعبر أحد الجيشين إلى الآخر، وكان رأي المسلمين أن يُترك الفرس ليعبروا إلى المسلمين، لكن أبا عبيد اختار أن يعبر هو بجيشه، فأصبح المسلمون يقاتلون في موضع ضيق والنهر وراءهم، وكان هذا الخطأ أول أسباب الهزيمة فيما بعد. ثم مع اشتداد القتال نفرت خيل المسلمين من الفيلة؛ فترجل أبو عبيد وقاتل حتى تقدم إلى أحد الفيلة فقطع أحزمته؛ ولـما أراد ضرب الفيل في أشفاره اتقاه الفيل وطرحه أرضًا، ثم داسه برجله فاستشهد أبو عبيد، وتتابع بعده استشهاد عدد من القادة أيضًا.

ثم كان الخطأ الثاني في المعركة حين قطع عبد الله بن مرثد الثقفي الجسر خلف الجيش؛ ليمنع الناس من الفرار، فتحول النهر من حاجز خلف الجيش إلى مصيدة، وألقى بعض المسلمين بأنفسهم فيه؛ ذلك أن الشجاعة لا تصحح خطأ الموقع الخطأ، والبطولة الفردية لا تلغي أثر قرار جعل خط الرجعة وراء الجيش شديد الصعوبة، ثم إن منع المنهزم بالقوة من الانسحاب قد لا يعيد إليه الثبات؛ بل ربما يحول الهزيمة إلى كارثة!

 المثنى: إنقاذ الجيش جزء من النصر

في لحظة الكارثة الكبيرة التي حلت بالمسلمين يوم الجسر؛ ظهر دور المثنى بن حارثة؛ إذ لم يجعل هدفه مواصلة المعركة التي أصبحت كلفتها فوق الاحتمال، وإنما كان هدفه إنقاذ ما بقي من الجيش؛ فأمر بعقد الجسر، ووقف هو ومن معه فحموا ظهور المسلمين حتى عبروا وقال لهم: “إنا دونكم فاعبروا على هينتكم ولا تدهشوا، فإنا لن نزايل حتى نراكم من ذلك الجانب، ولا تغرقوا أنفسكم”. وهذا الموقف من المثنى يشبه ما فعله خالد بن الوليد رضي الله عنه في مؤتة: إذا تعذر تحقيق هدف المعركة فيها، وأصبحت المحافظة على المسلمين ومنع إبادتهم نجاحًا كبيرًا في ذاته؛ ذلك أن القيادة ليست إصرارًا على القتال في كل الظروف، والانسحابَ المنظم ليس دائمًا هزيمة؛ بل قد يكون الانسحاب هو الطريق إلى معركة أخرى.

“أنا فئة كل مسلم”

وصلت أخبار معركة الجسر إلى عمر رضي الله عنه، وكان بعض المنهزمين قد بلغ المدينة واستحيا مما أصابه، وكان يمكن لعمر أن يزيد انهيار الجيش بالتوبيخ واللوم؛ ولكن عمر اختار طريقًا آخر، فقد ذكر ابن الأثير أن عمر قال: “اللهم إن كل مسلم في حل مني، أنا فئة كل مسلم، يرحم الله أبا عبيد! لو كان انحاز إلي لكنت له فئة”. وفي هذا الموقف من عمر فقه عظيم لإدارة الهزائم؛ فالجيش المهزوم يحتاج إلى مراجعة أخطائه نعم، ولكنه يحتاج أيضًا إلى قيادة تعيد إليه ثقته بنفسه؛ ولذا لم يتخلَّ عمر عن جيش العراق، وإنما أرسل إليه الأمداد حتى استعاد المسلمون قوتهم.

معركة البُويب: التعلم من الهزيمة

لم يطل الأمر على المسلمين حتى واجه المثنى بن حارثة جيشًا فارسيًا آخر عند البُويب، وكان بين الفريقين النهر مرة أخرى؛ ولكن درس الجسر كان حاضرًا في أذهان المثنى؛ فطلب من الفرس أن يعبروا هذه المرة إلى جهة المسلمين، ودارت بينهم معركة شديدة، انتهت بمقتل قائدهم مهران، وانتصار المسلمين. ثم إن المثنى في نشوة انتصاره سبق الفرس إلى الجسر، وضيّق عليهم طريق الانسحاب؛ ثم أدرك أنه أخطأ لأن الجيش الذي لا يجد طريقًا للنجاة قد يقاتل قتال المستميت، فقد نقل الطبري عنه قوله: “عجزت عجزة وقى الله شرها بمسابقتي إياهم إلى الجسر وقطعه… فلا تقتدوا بي أيها الناس فإنها كانت زلة”. فالمثنى الذي استفاد من خطأ الجسر وقع هو نفسه في خطأ مثله، ولكنه امتلك شجاعة الاعتراف به وتعليمه لجنوده.

الخاتمة

إن أخبار أبي عبيد والمثنى تعلمنا أن الحرب ليست شجاعة مجردة؛ بل شجاعة معها حسن تقدير للمكان والزمان، وحفظ لخطوط الانسحاب، وقدرة على تغيير الهدف حين تتغير ظروف الميدان، وتعلمنا أيضًا أن الهزيمة لا تنهي الجيش إذا ما حفظت القيادة ما بقي منه، وأعادت بناء معنوياته، واستخرجت من خسارته درسًا للمعركة التالية.