كنت قد أشرت في مقالات سابقة إلى بعض عوائق تحقيق مشروع النهضة الحضاريّة لأمّتنا، وضرورة الوعي بهذه العوائق، لنشخصها، ونقوم بمعالجتها، ونمهّد الأرضية لبناء مشروع النهضة الحضاريّة الذي بُذِلَتْ جهودٌ كبيرةٌ لتحقيقِه، ولكنّ النتائج لم تصل بعدُ إلى المُبتغى.
ولعلّ من العوائق التي تقف حجر عثرة أمام تحقيق النهضة، الفوضى الفكريَّة التي يعيشها العالم الإسلامي؛ سواء في البنية الفكرية، أو مصادر الأفكار، أو الكم الهائل من الأفكار المتداولة في عالمنا دون إخضاعها لرؤية ومنهج وتصفية، بحيث نقوم بنفي خَبَثِ الأفكار “الميتة” و”القاتلة”، ثم نثبت الأفكار التي لها كثافة الواقع وحقيقته ونطوّرها، لتدعم نهضتنا ونموذجنا الحضاري المرجعيّ والمستقبليّ الذي نسعى لتحقيقه في واقعنا اليوم.
بين اضطراب المفاهيم وخلل الرؤية
تطبع عالمنا الفكريّ الكثير من المظاهر السلبيّة، كالفوضى الفكريّة، والهشاشة المنهجيّة. ويمكن ملاحظة ذلك من خلال تأمّل الأفكار السائدة واتجاهاتها، حيث نرى ذلك التركيب النشاز الذي يملأ عالمنا الفكريّ من خليط متنافر من الأفكار؛ بعضها أصيل وآخر دخيل، بين ما يتّجه للمستقبل وآخر يتجه للماضي، فنخرج بانطباع أن ما نراه لم يُؤسَّس وفق تركيب مخطّط له يثري تجربتنا ويوجّهها بفعالية لبناء بنية فكريّة سليمة تحقق النهضة المنشودة. وهكذا فكأنّ الأفكار السائدة في العالم الإسلاميّ اليوم ما هي إلّا مزيج من الأفكار التي تعيق التطوّر والنموّ وتتمثّل الأفكار الميتة والقاتلة كما يقول مالك بن نبي[1]، وبالرغم من اختلاف مصدريهما إلا أنّ كلاهما يؤدّي إلى الهدم لا البناء.
لقد تنبّه ابن نبي لهذه المشكلة مبكّرًا في النصف الأول من القرن العشرين، وبالرغم من ذلك فإن الوضع ما يزال على حاله، ممّا جعل فوضى الأفكار وعدم تماسكها يسبب خللًا في الرؤية، واضطرابًا في المفاهيم، واختلالًا في المنهج، ممّا جعل جهودنا الفرديّة والجماعيّة في أغلبها تسهِم في تعميق التخلّف بدل الخروج منه، وصرنا مع ذلك نسلك للنهضة دروبًا لا مخطّط واضح لها[2].
وقد أثر إشعاع الحضارة الغربية وأفكارها ونموذجها المعرفيّ ومنتجاتها في مختلف المجالات في إحداث هذه الفوضى، إضافة إلى ذلك فللاطراد التاريخي الداخلي الذي حدث في مجتمعاتنا -بفعل غلبة التقليد- دورُه ونتائجه، مثل انعدام الاجتهاد والإبداع، وتراكم الانحرافات عن النموذج الأصليّ الذي قامت عليه حضارتنا الإسلاميّة، حتى وصلنا في عصورنا الحديثة إلى فوضويّة كبرى، وهشاشةٍ واضحة في بنائنا الفكري، وضياع النسق الأصيل واضح المعالم، فتعمّق الخلل في بنيتنا الفكرية، وفقدت قدرتها على التجديد والإبداع.
وهكذا فقد تحوّل عالم الأفكار الخاص بنا إلى مجتمع نشاز من أفكار “ميتة” أصابها الوهن وفقدان المسوّغ وانعدام الترابط المنطقي والمنهجي، تجاورها أفكار قاتلة حملتها إلينا الثقافة الوافدة من خارج إطارنا الحضاري والديني، فزادت التشويش على ما تبقى من أفكار أصيلة، وعمّقت التبعية وجعلَت الفوضى الأصل في أفكارنا؛ سواء ما تعلّق منها بالمجال الروحي الذي هيمنت عليه غنوصيّات مرتبكة [3] أو روحانيات منكفئة، أو المجال السياسي الذي تسبّبت الأفكار السياسية الوافدة في اضطرابه وحصول التشوّش فيه، فدخلت عليه مصطلحات العلمانية والحداثة والعقلانية وغيرها من المصطلحات التي تحمل مضامين مرتبطة بسياق نشأتها في التاريخ الحضاري للغرب، فحملت مضامينها المتحيزة وجاءت إلينا مُسهِمةً في تفكيك المستقر من مفاهيمنا الأصيلة، فصار عالم أفكارنا في المجال السياسي -مثلًا- يقوم على التلفيق بين المصطلحات المستوردة بمضامينها المتحيزة، وبين المصطلحات الأصيلة التي فقدت فعاليتها عبر التاريخ بفعل عوامل تاريخية داخلية، فصرنا نعاني من فقدان التوازن الفكري الذي له آثاره على بقية البنى في مجتمعاتنا.
ثم ماذا؟
إننا نعاني اليوم من اختلال التوازن؛ لأن مجتمعاتنا المسلمة بقيت رهينة لفوضى الأفكار، ولم تخطّط لنهضتها تخطيطًا مدروسًا، ولم تأخذ في اعتبارها العوائق التي تُثقِل كاهلها وتمنع تحقيق نهضتها، فلم يضع المفكرون والمصلحون وروَّاد أمَّتنا “جهازًا للنقد والتحليل” يقوم بتصفية عالم أفكارنا من هذه الفوضى، فانعكس ذلك علينا بالسلبيّة، وعدم الفعالية، والاضطراب في الأداء، وهدر الإمكانات والوسائل. ولعلّ هذه النتائج طبيعيّة اتساقًا مع كون جهدنا لم يقم على منظومة فكرية متناسقة ومتماسكة، كما يقول الدكتور عمّار طالبي.
وهذا الاختلال وعدم التماسك في عالم أفكارنا؛ أي في بنية تفكيرنا، يُفقِد المنطق والتفكير المنطقي مكانته، ممّا يفقدنا القدرة على إدراك الكلي فَنَتُوهُ في الجزئيات، كما تُوقِعُنا هذه الفوضى الفكرية في الالتباس في شأن تراتبيّة القيم، وفي تحديد الأولويات، وفي الخلط بين الأسباب والنتاج، وفي الاكتفاء بأنصاف الفِكَر، وأنصاف المواقف وأنصاف الجهود، وغير ذلك مما لا يكتمل.
ولعل ذلك جعل مالك بن نبي يخصص كتابًا كاملًا للموضوع سمّاه (مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي)، يتناول مشكلة بنيتنا الفكرية ومنظومة الأفكار في العالم الإسلاميّ، وسعى في الكتاب إلى وضع قواعد لتصفية جهازنا المفاهيمي من الفوضى الناتجة عن “الأفكار الميتة” و”الأفكار القاتلة”، لتحقيق فعاليّة عالم الأفكار واستعادة دور الفكرة في عالمنا الإسلاميّ؛ بما تكون فيه الأفكار أصيلة منسجمة مع رؤيتنا الكونيّة التوحيديّة الإسلاميّة، وفعّالة بما لها من كثافةٍ في الواقع وقدرةٍ على تحقيق المُنجَزات التي تنقلنا إلى مستويات متقدِّمة في تحقيق النهضة الحضاريّة.
