حين نفتح ملف الرواتب المجزية في العمل الخيري، يرتطم الحماس غالباً بحاجز نفسي و”ورع بارد” يدعي أن المال يفسد النية، وأن العمل للآخرة يجب أن يكون بالمجان. ولكن، وقبل أن تطلق سهام اعتراضك، توقف قليلاً أمام “دستورنا المالي الأكبر”؛ القرآن الكريم. ففي آية مصارف الزكاة الثمانية، لم يترك الله عز وجل مساحة للاجتهاد البشري في إهمال الكادر البشري؛ بل أفرد سهماً كاملاً ومستقلاً لـ “العاملين عليها“، واضعاً إياهم في الترتيب الثالث مباشرة بعد الفقراء والمساكين.

هذا السهم الذي يمثل شرعاً 12.5% من وعاء الزكاة، لم يُخصص للمدير وحده، بل هو ميزانية “منظومة إدارية كاملة” أراد لها الإسلام أن تكون صلبة ومحترفة. وهو ما يؤكد أهمية رواتب العاملين في العمل الخيري كجزء أصيل من النظام الشرعي. لقد أدرك الوحي أن حماية أموال الأمة وإدارة “أدوات الإغناء” لا يمكن أن تُترك للهواية أو للعمل في أوقات الفراغ؛ بل تحتاج إلى جهاز متفرغ، مكفيّ مادياً، ومؤمن وظيفياً. إن “الاحتساب” هو عمل قلبي جليل يتعلق بالنية، ولا يتعارض أبداً مع تقاضي أجر دنيوي عادل يضمن كرامة الموظف ونزاهته.

العدالة الشرعية والمؤسسية تقتضي تطبيق معيار “أجرة المثل” على كافة الوظائف داخل الجمعية. وهو ما يعزز من عدالة رواتب العاملين في العمل الخيري؛ المحاسب الذي يدقق في صكوك الوقف المعقدة، والتقني الذي يحمي منصة الزكاة الرقمية، والموظف الميداني الذي يرافق الفقير؛ كلهم يجب أن يتقاضوا ما يوازيهم في القطاع الخاص والبنكي. إن بخس هؤلاء حقوقهم بحجة “العمل الخيري” هو مخالفة صريحة لميزان العدل، وهو ما يفتح الباب لضعف الأداء أو حتى لتعريض الأمانة للخطر.

إن بناء “منظومة رواتب عالية ومتكاملة” هو صمام الأمان الفعلي للأمانة؛ فمن غير المنطقي، بل ومن غير الأخلاقي، أن نطلب من موظف في رتبة تنفيذية يدير كشوفات وصرفيات بملايين الأوقاف والزكوات أن يعيش هو وعائلته تحت ضغط الاحتياج المادي. الموظف المكتفي مادياً في كل المستويات هو الأقدر على التركيز ذهنياً لممارسة “التحرير المالي” للفقراء — وهو المفهوم الذي طرحناه في “هندسة التمكين” لنقل المستفيد من “آخذ للزكاة” إلى “دافع لها”.

الاحترافية اليوم هي قمة “الإحسان” المأمور به، وهي لا تتحقق إلا عبر نظام عادل من رواتب العاملين في العمل الخيري؛ فمن يستأجر الكادر “الأرخص” أو “الأضعف” بحجة الزهد، فقد خان الأمانة وضيع المقصد الشرعي من “الإغناء”. نحن بحاجة لموظف في كل قسم لا تشغله لقمة عيشه عن ابتكار أدوات “الوقف الرقمي” أو إدارة نظام “BOT الوقفي”؛ وهو نظام هندسي عبقري (Build-Operate-Transfer) يسمح للجمعية بإعمار أراضيها الوقفية عبر مطورين من القطاع الخاص، لتعود ملكية المنشأة (مستشفى أو مجمع) للوقف بالكامل بعد سنوات من التشغيل، دون أن تتكلف الجمعية ريالاً واحداً من التبرعات.

هذا الفكر الاستراتيجي الذي يوفر الملايين للأمة لا يولد إلا في عقول مستقرة، تتقاضى رواتب عادلة، وتعمل في منظومة تُقدر “الاحترافية” كواجب شرعي. إن الراتب العالي في هذا السياق ليس “تكلفة” تقتطع من نصيب الفقير، بل هو “وقود” للمحرك الذي سيضاعف نصيب هذا الفقير مئات المرات عبر الإدارة الذكية والاستثمار التنموي.