ذكر الإمام ابن القيم الجوزية في كتابه “مدارِج السالكين” أثرا إلهيا بليغا، تتجلى فيه معاني الحلم والستر، ورد فيه:«إِنِّي وَالْجِنَّ وَالْإِنْسَ فِي نَبَأٍ عَظِيمٍ، أَخْلُقُ وَيُعْبَدُ غَيْرِي، وَأَرْزُقُ وَيُشْكَرُ سِوَايَ، خَيْرِي إِلَى الْعِبَادِ نَازِلٌ، وَشَرُّهُمْ إِلَيَّ صَاعِدٌ، أَتَحَبَّبُ إِلَيْهِمْ بِالنِّعَمِ وَأَنَا الْغَنِيُّ عَنْهُمْ، وَيَتَبَغَّضُونَ إِلَيَّ بِالْمَعَاصِي وَهُمْ أَفْقَرُ شَيْءٍ إِلَيَّ» (1).

من يقرأ هذا الأثر سيكتشف على الفور حالنا مع رب صبور كريم، وغفور رؤوف.. إنه سبحانه يتحمل الإساءة الصاعدة إليه الواحدة تلو الأخرى من عباده، المسلمين وغير المسلمين، ولكن مع ذلك لا يؤاخذنا على تلك الإساءات المتنوعة وهو الغني عنا والقادر على أن يفعل ما يشاء بنا.

لو نتفكر قليلاً في بعض نعم الله علينا -وليست كلها بالطبع، التي لن نحصيها أبداً- وقارناها بالمعاصي والسيئات والذنوب التي نقترفها ليلاً ونهاراً، سراً وجهراً، لوجدنا الفرق هائلاً.. ومع كل هذا لا يؤاخذنا سبحانه بما نفعله في حقه من تقصير وتقاعس وتكاسل، ويظل سبحانه يصبر ويصبر وربما يموت الإنسان ولم تنزل بحقه عقوبة إلهية على التقصير أو الظلم.نحن والبشر.. شتان ما بين المعاملتين!

لكن العكس حاصل بيننا بني البشر؛ انظر وتأمل إلى أقرب الأمثلة إليك: لو كنت صاحب عيال وأساء أحدهم أو ارتكب خطيئة ما في حقك، فإنك ستقوم عاجلاً أو آجلاً بمعاقبته بحسب الخطأ أو الجرم والذنب الذي ارتكبه في حقك، وربما أحياناً وفي فورة غضب، تعاقبه بشكل فيه الكثير من القسوة، وكذلك ستفعل مع من يعملون تحت إمرتك إن كنت مديراً أو مسؤولاً.

تخيل أيها القارئ، ذنوبنا ومعاصينا وجرائرنا العديدة المتنوعة في حق الله، وتصور لو أن الله يأخذنا بكل ذنب.. ما كان شكل حالنا؟ بالتأكيد لا يسر، بل لم نكن لنعيش إلا أياماً معدودات..

رمضان.. فرصة الأنفاس الأخيرة

سبحانه الرحمن الرحيم، يحبنا أشد من حبنا لأبنائنا وأموالنا، ويصبر علينا ويعطينا الفرصة تلو الأخرى لنتوب ونعدل أوضاعنا وسلوكنا وأخلاقياتنا ونتقرب إليه بالطاعات وفعل الخيرات وترك المنكرات، ويرسل إلينا الإشارة تلو الأخرى لنتعظ ونتوب.. منا من يتنبه ويعود إلى رشده سريعاً، ومنا غير ذلك.

رمضان كما يعلم الجميع هو أفضل الأوقات للتفكر في مثل هذه الخواطر وتدبرها والعزم على دفع النفس إلى ما فيه صلاحها في الدنيا قبل الآخرة.. وما أقول هذا إلا من باب تذكير النفس قبل الغير، من باب الذكرى التي تنفع المؤمنين وفي شهر عظيم مثل رمضان.