لو رسمنا خريطة للعالم بناءً على الحدود السياسية، واللغات، والأديان، لبدت البشرية وكأنها جزر متناثرة في محيط من الاختلاف والتوتر. ولكن، لو رسمنا خريطة أخرى، خفية، بناءً على “أحلام اليقظة” التي حلمتها الشعوب عبر التاريخ، لحدثتنا هذه الخريطة عن شيء مذهل: عن لغة سرية واحدة يتكلمها العقل البشري، بصيغ ولهجات محلية مختلفة.

ما هي هذه اللغة؟ إنها “الأسطورة”. ليست الأسطورة تلك الحكايات البدائية التي اختلقها الإنسان الأول ليملأ بها فراغ جهله بالعلوم، بل هي – كما تكشف لنا الدراسات العميقة – “الحمض النووي” للوعي الإنساني، و”الهيكل الحامل” (Load-bearing structure) الذي قامت عليه حضاراتنا.

سؤال قديم في ثوب جديد

منذ فجر الوعي البشري، وُلدت الأسطورة. وُلدت في كهوف الإنسان الأول، في أغنياته التي رفعها نحو السماء تفسيراً لما يعجز عن تفسيره، وحماية مما يخشاه، واحتفاءً بما يأمله. وفي ما يشبه المعجزة الصامتة، ابتدع شعب في بلاد ما بين النهرين أسطورة الطوفان، بينما ابتدع شعب آخر في جزر المحيط الهادئ أسطورة مشابهة دون أن يسمع أحدهم بالآخر قط. فهل هذا مجرد توارد خواطر؟ أم أن ثمة بنية عميقة مشتركة في الوعي البشري تفرض نفسها بصرف النظر عن المسافة الجغرافية والحاجز اللغوي؟

هذا السؤال الجوهري هو ما يضعه الدكتور أيوب عيسى أبودية في قلب كتابه “الأساطير: تنوع أم تكامل؟”، الصادر عن دار ميسلون للثقافة والترجمة والنشر.

في كتابه المثير الأساطير: تنوع أم تكامل؟”، لا يقترب الدكتور أيوب أبودية من هذا الموروث الهائل بوصفه مؤرخا أو أديبا فحسب، بل يقترب منه بـ “عدسة مزدوجة” فريدة: عدسة المهندس المدني الذي يبحث عن “الأنماط البنيوية” والركائز الخفية التي تحمل سقف الوعي البشري، وعدسة الفيلسوف الذي يرفض السطحية ويسأل عن “الدلالة” والوجود.

كتاب الأساطير: تنوع أم تكامل؟” يأتي تتويجا لمسيرة فكرية طويلة لباحث يجمع في ملفه الأكاديمي ما قد يبدو نقيضاً: الهندسة المدنية والفلسفة، الأبنية الخضراء وتاريخ الأديان، الاستدامة البيئية ودراسة الأنثروبولوجيا. غير أن هذا الجمع الظاهر التناقض هو بالضبط ما يمنح كتابه طابعاً مختلفاً: نظرة مهندس اعتاد رؤية الأنماط البنيوية في كل شيء، مصحوبة بعقل فيلسوف يمتنع عن الاكتفاء بالوصف ويصر على البحث عن الدلالة.

عن المؤلف: مهندس يبني بالكلمات أيضاً

الدكتور أيوب أبودية مهندس مدني ودكتور في الفلسفة، رئيس جمعية حفظ الطاقة واستدامة البيئة في الأردن، ورئيس مكتب هندسي استشاري، وعضو لجنة الحوار الفلسفي العربي الآسيوي في اليونسكو، وعضو رابطة الكتاب الأردنيين والجمعية الفلسفية الأردنية، وصاحب براءة اختراع مشتركة في العزل الحراري.

وُلد عام 1955 في عمّان، وحصل على جائزة الدولة التشجيعية في العلوم الهندسية لعام 1992، والجائزة الذهبية البريطانية للبيئة المبنية عن الشرق الأوسط في 2010، ودرع البطل الأخضر من المؤسسة البريطانية الخضراء في العام نفسه.

مؤلفاته تعكس هذا الجمع النادر بين الهندسة والفلسفة والتاريخ الفكري. ففي الجانب العلمي، يضم رصيده: “رحلة في تاريخ العلم” (دار الفارابي، 2010)، و”العلم والفلسفة الأوروبية الحديثة” (دار الفارابي، 2009)، و”علم البيئة وفلسفتها” (دار ورد، 2008). وفي الجانب الفكري والإنساني: “فلسفة التكنولوجيا” الصادر عن “الآن ناشرون وموزعون”، و”موسوعة أعلام الفكر العربي الحديث والمعاصر” (2008)، و”الحجاب في التاريخ” (2012)، و”عمالقة الفكر الفلسفي” (دار الآن ناشرون وموزعون، 2024). وقد اتسمت مؤلفاته الفلسفية المتأخرة بالتركيز المتزايد على جسور التواصل بين الموروث الحضاري الإنساني القديم وأسئلة الفكر المعاصر.

ويبرز في توجهه الفكري العام سؤال العلاقة بين الفلسفة والتكنولوجيا بوصفه سؤالاً ملحاً يتجاوز حدود التقنية إلى فضاءات الأخلاق والثقافة والهوية.

ما الأسطورة أصلاً؟

تنطلق رؤية الكتاب من تعريف دقيق للأسطورة بوصفها ظاهرة متعددة الأوجه: فالأسطورة قد تكون واقعاً أو جزءاً من واقع حُوِّل إلى أسطورة، كمحاربي الساموراي الذين تحولوا إلى أسطورة نسبت إليهم أعمالاً خيالية. وقد تكون مجرد خرافة أو حديث ملفق لا أصل له، أو ربما واقعة حدثت وبُني عليها أو حُرِّفت، أو محض إطلاق للخيال.

هذا التمييز ليس بلاغيا، بل هو المفتاح المنهجي الذي يحمي الكتاب من الوقوع في فخين متعاكسين: فخ التصديق الساذج الذي يعامل كل أسطورة كحقيقة تاريخية، وفخ الرفض المطلق الذي يهمل ما قد تنطوي عليه الأساطير من ذاكرة حضارية حقيقية مُلبَّسة ثوب الخيال. والتمييز بين هذه الأصناف الثلاثة — الواقع المُحوَّل، الخرافة الخالصة، والواقعة المُحرَّفة — هو في حد ذاته منهج نقدي يتطلب أدوات من الأنثروبولوجيا والتاريخ المقارن والنقد الأدبي في آن واحد.

اللاوعي الجمعي والأنماط الكونية – العمود الفقري للكتاب

يمثل مفهوم “اللاوعي الجمعي” الركيزة النظرية الأبرز في الكتاب، وهو مفهوم يعود في أصله إلى عالم النفس السويسري كارل غوستاف يونغ (Carl Gustav Jung, 1875–1961)، الذي رأى أن الوعي البشري لا يتكون من الخبرة الفردية وحسب، بل يحتوي طبقة أعمق مشتركة بين كل البشر، تختزن “النماذج الأصلية” (Archetypes) التي تطفو على السطح في كل ثقافة على هيئة أساطير وأحلام ورموز متشابهة.

يتبنى الكتاب هذا الإطار ويوظفه لتفسير ظاهرة لافتة ومتكررة: التشابه المدهش بين أساطير حضارات لم تتواصل تاريخياً. فأسطورة الطوفان الكبير لا تقتصر على الرواية البابلية القديمة (ملحمة جلجامش) أو الرواية التوراتية، بل تظهر في ثقافات الهنود الأمريكيين وفي الأساطير الهندية وفي تقاليد شعوب المحيط الهادئ بتفاصيل متشابهة بصورة يصعب إرجاعها للصدفة. وكذلك أسطورة المنقذ أو الفادي التي تتكرر في صور مختلفة عبر ثقافات متباعدة، وأسطورة الأم الكبرى والخصب والبعث والموت والحياة التي تجري كأنهار تحت أرضية كل الحضارات.

يستحضر أبودية في هذا السياق أيضاً مفهوم “الأنماط الكونية للفكر” الذي يتجاوز مقاربة يونغ نحو ما طرحه كلود ليفي-شتراوس (Claude Lévi-Strauss, 1908–2009) من بنيوية أنثروبولوجية رأت في الأساطير نظاماً من الثنائيات المتعارضة (الطبيعة والثقافة، الحياة والموت، الخير والشر) يعكس بنية العقل البشري ذاته لا البيئة الثقافية وحسها.

كتاب الأساطير: تنوع أم تكامل؟” يسعى إلى تقديم تركيب بين هاتين المقاربتين في تساؤله الجوهري: هل التشابه الأسطوري عبر الحضارات دليل على وحدة العقل البشري في بنيته العميقة، أم على تواصل تاريخي يصعب إثباته، أم على شيء ثالث أكثر تعقيداً؟

تفكيك الموروث الأسطوري – بين التاريخ والخيال

يُفرد الكتاب مساحة واسعة لمسألة منهجية حساسة: كيف نميز في الموروث الأسطوري بين ما هو ذاكرة تاريخية مُلبَّسة ثوب الخيال وما هو اختلاق محض؟ وهي مسألة ليست أكاديمية بحتة، بل تحمل أبعاداً معرفية وثقافية بالغة الأهمية.

يُقدم الكتاب في هذا الإطار جملة من الأمثلة التحليلية. فحصار طروادة الذي عُدَّ لقرون طويلة من نسج الخيال الشعري الهوميري، أثبت الاكتشاف الأثري الذي قاده هاينريش شليمان (Heinrich Schliemann) في سبعينيات القرن التاسع عشر أن تحته نواة تاريخية حقيقية، وإن أضافت إليها الأسطورة ما أضافت. وأساطير الساموراي اليابانيين التي أشار إليها الكتاب في سياق تعريفه للأسطورة، تبدأ من محاربين حقيقيين كانوا فعلاً طبقة اجتماعية عسكرية راسخة، ثم تضخها الرواية الشعبية والأدبية والسينمائية بقدرات وفضائل تتجاوز البشري.

هذا المنهج في “أركيولوجيا الأسطورة” – أي التنقيب في طبقاتها للوصول إلى النواة التاريخية إن وُجدت – يستلزم أدوات متعددة: تحليل النصوص الأولية والمقارنة بين رواياتها المختلفة، وتوظيف اكتشافات علم الآثار، والاستناد إلى الأنثروبولوجيا الثقافية وعلم الأديان المقارن. وهو مسار يسير فيه الكتاب بخطى تتسم بالحذر النقدي المطلوب في مثل هذه المباحث.

البعد الحضاري – الأساطير وتطور الفلسفة الإنسانية

لا يكتفي الكتاب بالتحليل الأنثروبولوجي للأساطير بوصفها ظواهر قائمة بذاتها، بل يسعى إلى ربطها بالمسار الأشمل لتطور الفلسفة والفكر الإنساني. وهذا البُعد هو ما يمنح الكتاب طابعه الحضاري المتميز.

الأسطورة في هذه القراءة ليست مرحلة بدائية تجاوزها العقل ثم تركها خلفه، بل هي الطور الأول من تطور الفكر الإنساني، الطور الذي أنتج التشخيص (Personification- أي إسباغ الصفة الإنسانية على قوى الطبيعة – كأسلوب أول لتفسير العالم. ثم انبثقت الفلسفة اليونانية جزئياً من داخل هذا الموروث الأسطوري ذاته: فميثولوجيا الكون عند هوميروس وهزيود كانت المرحلة التي سبقت مباشرةً تساؤلات طاليس وأناكسيمندر وأناكسيمينس عن “المادة الأولى” للكون، وهو التساؤل الذي يُعد بذرة الفلسفة الطبيعية في الغرب.

وبالمثل، تجمع الكتاب أساطير الحضارات الشرقية – البابلية والمصرية والهندية – بنظريات الخلق والكون والبعث التي لم تكن منفصلة عن التطور اللاحق للفكر الديني والفلسفي في تلك الحضارات. فأسطورة أوزيريس المصرية عن الموت والبعث لم تكن حكاية شعبية معزولة، بل كانت قلب منظومة دينية وفلسفية كاملة تتعلق بمعنى الوجود وما بعد الموت.

هذا الربط بين الأسطورة وتطور الفكر الفلسفي الإنساني هو ما يُعطي “الأساطير: تنوع أم تكامل؟” بُعده الحضاري المميز، ويحوله من دراسة في علم الأساطير المقارن (Comparative Mythology) إلى قراءة في فلسفة التاريخ والحضارة.

التنوع أم التكامل؟ الإجابة التي لا تختزل في كلمة

يصل الكتاب في خلاصته إلى موقف نظري دقيق يرفض الإجابة الثنائية المبسطة على السؤال المطروح في عنوانه. فالأسطورة في الرؤية التي يقترحها ليست تنوعاً مجرداً (بمعنى أن كل حضارة اخترعت أساطيرها بمعزل عن الأخريات وبلا أي رابط) ولا تكاملاً أحادياً بسيطاً يرد كل الأساطير إلى أصل واحد أو حضارة أم واحدة.

الإجابة الأقرب إلى ما يقترحه الكتاب هي ما يمكن تسميته: “وحدة في التنوع” أو “تكامل في التعدد“، أي أن البنية الجوهرية للفكر الأسطوري (تفسير الوجود، معنى الموت والحياة، العلاقة بين الإنسان والقوى الكبرى التي تتحكم في مصيره) مشتركة إنسانياً لأنها تنبع من الطبيعة العقلية والنفسية المشتركة للبشر جميعاً، في حين تتباين الصورة الخارجية لهذا الجوهر تبايناً غنياً عبر الثقافات المختلفة، لتصنع ذلك التعدد والتنوع الذي هو في ذاته ثروة إنسانية لا مصدر انقسام.

في السياق – الكتاب ومكتبة دراسات الأساطير

لفهم الإسهام الحقيقي لهذا الكتاب، تجدر الإشارة إلى أنه يدخل في حوار مع تراث نقدي وأكاديمي راسخ في دراسات الأساطير المقارنة. فمن أبرز المرجعيات في هذا الحقل: جوزيف كامبل (Joseph Campbell) الذي طرح في كتابه “البطل ذو الألف وجه” (1949) فرضية “مونوميث” أو “الأسطورة الجامعة” — أي أن كل قصص أبطال الأساطير عبر الثقافات تتبع بنية واحدة — وكلود ليفي-شتراوس في بنيويته الأنثروبولوجية التي سبق ذكرها، ومرسيا إلياد (Mircea Eliade) في دراساته عن “الزمن المقدس” و”الزمن الأسطوري” في “أسطورة العودة الأبدية” (1949).

ما يضيفه الكتاب إلى هذا الحوار هو القراءة الفلسفية العربية التي تنطلق من سؤال: ما الذي تقوله هذه الأساطير عن الإنسان العربي والإسلامي وعلاقته بهذا الموروث الأسطوري الإنساني الكوني؟ وهو سؤال لم يحظَ بما يكفي من الدراسة الجادة في المكتبة الفكرية العربية الحديثة.

لماذا يستحق هذا الكتاب القراءة؟

في زمن تتكاثر فيه الهويات المتصادمة وتبدو الثقافات جزراً منفصلة بأسوار عالية، يطرح “الأساطير: تنوع أم تكامل؟” سؤالاً مضاداً للتفتيت: ماذا لو كنا نحن البشر، رغم كل تنوعنا الخارجي، نحلم باستمرار الحلم ذاته، ونروي بصيغ مختلفة القصة ذاتها، ونبحث بأصوات متعددة عن الإجابة ذاتها؟ ماذا لو كانت الأساطير، بكل تنوعها المدهش، ليست دليلاً على افتراقنا بل على عمق وحدتنا الخفية؟

هذا هو السؤال الذي لا يتعجل الكتاب الإجابة عنه، بل يصر على أن نعيشه معه، فصلاً بعد فصل، وأسطورة في أعقاب أسطورة، حتى نصل في نهاية المطاف إلى ما قد يكون الكشف الأعمق في الدراسات الإنسانية: أن الإنسان، في أسطوريته، أكثر وحدةً مما تقول حروبه.