التعلّم الذاتي ليس مفهومًا جديدًا، لكنه يُفهم بشكل خاطئ في كثير من الأحيان — خصوصًا في سياق فصول التعليم من رياض الأطفال وحتى المرحلة الثانوية.

في تأملٍ سابق، استكشف تيري هييك العلاقة بين التعلّم الذاتي والغرض الحقيقي من التعليم، فقال:
“هدف هذا النموذج ليس اكتساب المعرفة المحتوى (رغم أنه يجب أن يُنتِج ذلك)، بل شيءٌ أقرب إلى الحكمة — تعلّم كيفية التعلّم، وفهم ما يستحق الفهم، وربما الأهم من ذلك، تحليل غرض التعلّم (مثل التغيير الشخصي والاجتماعي). كما يشجّع هذا النموذج الطلاب على تفحّص العلاقة بين الدراسة والعمل — حاجة أصيلة لمعرفة أمور مجردة مهمة مثل المواطنة والإرث.”

يكتسب التعلّم الذاتي زخمًا متزايدًا مع سعي المربين إلى تحديث ممارسات التدريس. ومع تزايد الاستياء من نظام التعليم التقليدي، ووجود ثروةٍ من الموارد الإلكترونية المتوفرة في «عصر المعلومات»، يُعدّ هذا النموذج إطارًا قويًّا يساعد المتعلّمين على الازدهار بشكل مستقل. ويقسم هذا النموذج، الذي جعله جيرالد غرو (Gerald Grow) مشهورًا، الرحلة إلى أربع مراحل للتعلّم الذاتي — تُجسّد بدقة مراحل نقل المسؤولية التدريجي (Gradual Release of Responsibility) التي يعرفها المعلمون جيدًا.

دفتر ملاحظات على خلفية خضراء، يحتوي على نص "التعلم الذاتي" مكتوب بخط بارز، مع رسم توضيحي لكتاب مفتوح، وأدوات مكتبية مثل قلم وورقة ملونة.

المرحلة 1: التعلّم التابع (المعلم كسلطة ومدرّب)

في هذه المرحلة، يعتمد الطلاب شبه اعتمادٍ كلي على المعلّمين لتقديم المعرفة، وتوفير الهيكل التوجيهي، وتوجيه تعلّمهم. ويفتقرون إلى الثقة والمهارات اللازمة للتعلّم بشكل مستقل.

  • دور المعلم: أن يكون مدرّبًا وسلطةً، من خلال تقديم تعليمات واضحة وتغذية راجعة فورية لبناء المهارات الأساسية.
  • استراتيجيات عملية:
    • تعريف الطلاب بأفكار جديدة عبر التدريس المباشر، والممارسة الموجّهة، والدعم التدرجي (Scaffolding).
    • استخدام منصات تكيّفية مثل أكاديمية خان (Khan Academy) لممارسة مهارات بناءً على هيكل محدّد.
    • خلق فرص آمنة للطلاب لاتخاذ مخاطر صغيرة دون خوف من الفشل.

المرحلة 2: التعلّم المُهتم (المعلم كمحفّز وموجّه)

يبدأ الطلاب في هذه المرحلة بإظهار الفضول، واتخاذ مبادرات أولية، لكنهم ما زالوا يعتمدون على المعلم من أجل الهيكل والتشجيع.

  • دور المعلم: تحفيز الطلاب وتوجيههم، وتنمية التفاعل من خلال ربط المحتوى بتجارب واقعية.
  • استراتيجيات عملية:
    • استخدام التعلّم القائم على المشاريع الواقعية لجعل المحتوى ذا معنى وإثارة روح الاستقصاء.
    • تطبيق عناصر التلعيب (Gamification) في الدروس عبر أدوات مثل Classcraft أو Quizizz للحفاظ على التفاعل.
    • إدراج دروس حول تحديد الأهداف وإدارة الذات، لمساعدة الطلاب على استكشاف اهتماماتهم الخاصة ضمن حدود هيكلية.

المرحلة 3: التعلّم المشارك (المعلم كميسّر)

في هذه المرحلة، يضطلع الطلاب بدورٍ نشط في تعلّمهم الخاص. ويصبحون قادرين على وضع الأهداف، والتعاون مع أقرانهم، وإدارة المهام باستقلالية شبه تامة.

  • دور المعلم: التيسير من خلال أن يكون «موجّهًا من الجانب»، وتعزيز الأنشطة التي يقودها الطلاب، وتقديم الدعم عند الحاجة.
  • استراتيجيات عملية:
    • تشجيع التعاون الطلابي عبر مشاريع جماعية أو مناقشات على طريقة الحلقات الدراسية (Seminars). واستخدام أدوات مثل Google Workspace لدعم العمل الجماعي.
    • إدخال التعلّم الاستقصائي (Inquiry-Based Learning) لتنمية التفكير النقدي، حيث يستخدم الطلاب البحث لطرح أسئلتهم الخاصة والإجابة عنها.
    • منح الطلاب قوائم اختيار (Choice Menus) أو أطر مرنة للمشاريع، مما يمنحهم استقلالية مع الحفاظ على حدود واضحة.

المرحلة 4: التعلّم الذاتي (المعلم كمستشار ومفوّض)

يتحمل الطلاب في هذه المرحلة المسؤولية الكاملة عن تعلّمهم، فيحددون أهدافهم بأنفسهم، ويتابعون تقدمهم، ويبحثون عن الموارد اللازمة. وينتقل دور المعلم إلى الاستشارة، حيث يقدّم التغذية الراجعة والدعم فقط عند الطلب.

  • دور المعلم: أن يكون مستشارًا أو مفوّضًا، ويتخلّى عن الصدارة ليمنح الطلاب ملكية تعلّمهم.
  • استراتيجيات عملية:
    • تكليف الطلاب بمشاريع شغفهم (Passion Projects) أو مهام بحث مستقلة لتعزيز الاستقلالية.
    • استخدام أدوات مثل Notion أو يوميات التعلّم التأملية (Reflective Learning Journals) لتتبع الأهداف والتقدم.
    • دمج الشبكات الطلابية المُساءلة (Peer-Network Accountability)، حيث يتبادل الطلاب أهدافهم ويتقّدمون بالتغذية الراجعة المتبادلة.

الغرض من التعلّم الذاتي

الهدف النهائي من التعلّم الذاتي ليس فقط إتقان المحتوى، بل تحقيق شيءٍ أقرب إلى الحكمة — تعلّم كيفية التعلّم، وفهم لماذا يهمّنا التعلّم. ويشجّع هذا النموذج الطلاب على استكشاف العلاقة بين الدراسة وتطبيقاتها الواقعية، كسوق العمل، والمواطنة، والنمو الشخصي.

طفل صغير يلعب بألعاب خشبية على طاولة، يركز على ترتيب الأشكال الملونة. خلفية تحتوي على ألعاب وأطفال آخرين، مما يعكس بيئة تعليمية مبهجة.

ومن خلال التوجيه الفعّال عبر هذه المراحل الأربع، يكتشف المتعلّمون ذوو التوجّه الذاتي «حاجتهم للمعرفة»، ويبنون مهارات تتجاوز حدود الصف الدراسي. فالأمر لا يتعلّق فقط بالمعرفة — بل بإعداد الطلاب ليتكيفوا، وينموا، ويُبدعوا في عالمٍ يتغيّر باستمرار.

المراحل الأربع لنموذج التعلّم الذاتي

المتعلّمالمعلم
المرحلة 1: تابعسلطة، مدرّب
أمثلة: التدريب مع تغذية راجعة فورية. التدريبات التكرارية. المحاضرات التعريفية. التغلب على النواقص والمقاومة.
المرحلة 2: مهتممحفّز، موجّه
أمثلة: محاضرة ملهمة متبوعة بمناقشة موجّهة. تحديد الأهداف واستراتيجيات التعلّم.
المرحلة 3: مشاركميسّر
أمثلة: مناقشة يُيسّرها المعلم ويشارك فيها كطرف متساوٍ. الحلقات الدراسية. المشاريع الجماعية.
المرحلة 4: ذاتيمستشار، مفوّض
أمثلة: التدريب العملي (Internship)، الأطروحة، العمل الفردي أو مجموعات الدراسة الذاتية.