حضيت الكعبة المشرفة بهالة من التعظيم والمهابة عند الله تعالى لم يحضَ به بناء آخر على وجه الأرض، ولكن هذه العظمة لا تعني خلود بنائها الحجري إلى الأبد، بل سينال الكعبةَ الهدمُ والخرابُ ولن تبقى على حالها، وسوف يأتي عليها زمان تنتهي فيه وظيفتها التي أقيمت من أجلها الحج والطواف، وتقع عليها حادثة لم تقع عليها منذ أن رفع إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام قواعدها، وهي حادثة هدمها هدمًا كاملًا لا يُعاد بعده بناؤه، وليس هذا الخبر من باب الظنون أو الروايات التاريخية، وإنما هو من الأخبار الغيبية التي تلقاها النبي بوحي من الله تعالى، فكانت من دلائل صدقه، ومن علامات اقتراب قيام الساعة.

ذو السويقتين الذي يهدم الكعبة آخر الزمان

روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال: «يُخَرِّبُ الكعبةَ ذو السويقتين من الحبشة» (متفق عليه). وروى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن النبي قال: «كأني أنظر إليه أسود أفحج، يقلعها حجرًا حجرًا» (رواه البخاري). وفي رواية عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي قال: «يُخَرِّبُ الكعبةَ ذو السويقتين من الحبشة، ويسلبها حليتها، ويجردها من كسوتها، ولكأني أنظر إليه أصيلع أفيدع، يضرب عليها بمسحاته ومعوله» (رواه أحمد). وهذه الأحاديث تصف من يهدم الكعبة آخر الزمان بدقةً عجيبة في الوصف؛ فقد وصف النبي لونه، وهيئته، ودقة ساقيه، وطريقته في هدم الكعبة، والآلة التي يستعملها، حتى قال : «كأني أنظر إليه»، وهو من أبلغ ما يكون في تصوير المشهد.

ذكر شرَّاح الأحاديث معاني وصف النبي لذي السويقتين، فقالوا في وصف رسول الله له بأنه “ذي السويقتين”؛ قالوا: السويقة تصغير الساق، أي أنه دقيق الساقين. وفي معنى وصفه بأنه “أفحج”؛ قالوا: أي متباعد ما بين ساقيه، ومعنى “أصيلع”؛ أي قليل شعر الرأس، و”أفيدع”؛ أي فيه اعوجاج أو اضطراب في مفاصله. وليس مقصود رسول الله من هذه الأوصاف الانتقاص من خلقته، وإنما تعريفه تعريفًا دقيقًا، كما جرت عادته في وصف الأشخاص الذين تترتب على معرفتهم أحداث كبرى كالدجال، وعيسى بن مريم، ويأجوج ومأجوج وغيرهم، ومن اللافت في الحديث أن هدم الكعبة لا يقع دفعة واحدة، بل قال : «ينقضها حجرًا حجرًا»، وفي ذلك تصوير لخراب كامل متعمد، لا لحريق عارض، أو انهيار بسبب سيل، بل عملية منظمة.

هل سبق أن تعرضت الكعبة للهدم؟

قد يتبادر إلى الذهن أن الكعبة قد تعرضت عبر التاريخ لحوادث كثيرة؛ فقد أصابها السيل، واحترقت في زمن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه، واعتدى عليها القرامطة سنة (317هـ)، فاقتلعوا الحجر الأسود ونقلوه إلى هجر لأكثر من عشرين سنة، وبعدهم حاول الفاطميون سرقة الحجر الأسود فلم يستطيعوا وتكسَّر بين أيديهم؛ لكن جميع هذه الحوادث لم تكن هي الهدم الذي أخبر به النبي ؛ لأن الكعبة بقيت بعد كل حادثة قائمةً، وعادت إليها شعائر الحج، أما الهدم الذي يكون على يد ذي السويقتين فهو خراب نهائي، لا يُعاد بعده بناء البيت، لقوله في الحديث: «ثم تجيء الحبشة فيخربونه خرابًا لا يعمر بعده أبدًا، وهم الذين يستخرجون كنزه». وقد نبه الحافظ ابن حجر العسقلاني إلى هذا المعنى، وقرر أن الأحاديث تدل على أن هذا الهدم يقع في آخر الزمان، وأنه يختلف عن كل ما وقع قبل ذلك من حوادث، لأن تلك الأحداث كانت يعقبها إعمار البيت، أما هذا الخراب فلا إعمار بعده.

متى يقع هدم الكعبة؟

من أهم المسائل معرفة زمن وقوع هذا الحدث؛ إذ قد يتوهم بعض الناس أن الأحداث السياسية المعاصرة يمكن تنزيلها عليه، والصحيح أن النصوص تدل على أن هدم الكعبة يقع في مرحلة متأخرة جدًا من أشراط الساعة، بعد انقطاع شعائر الإسلام، فقد ثبت عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي قال: «ليُحَجنَّ هذا البيت وليُعتَمرُنَّ بعد خروج يأجوج ومأجوج» (رواه البخاري). كما ثبت أن عيسى ابن مريم عليه السلام إذا نزل يحج أو يعتمر، لقوله : «والذي نفسي بيده، ليهلن ابن مريم بفج الروحاء حاجًا أو معتمرًا أو ليثنينهما» (رواه مسلم). فهذه النصوص تدل على أن الكعبة تبقى معمورة بالطائفين إلى زمن متأخر جدًا، وتجتمع هذه النصوص مع حديث الريح الطيبة التي يبعثها الله في آخر الزمان فتقبض روح كل مؤمن، فقد قال النبي : «فيبعث الله ريحًا ألين من الحرير، فلا تدع أحدًا في قلبه مثقال حبة من إيمان إلا قبضته» (رواه مسلم). وعندئذ لا يبقى من يحج البيت، ويقع هدم الكعبة، ثم تقوم الساعة على شرار الخلق، لقوله : «لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله الله».

كيف تهدم الكعبة وهي حرمٌ آمن

ثير بعض الناس إشكالًا حول التوفيق بين خراب الكعبة واستباحة الحرم الآمن وقوله تعالى: {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} [آل عمران: 97]، وقوله: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا} [العنكبوت: 67]. وقد أجاب الإمام القرطبي والحافظ ابن حجر وغيرهما من أهل العلم بأجوبة متينة، حاصلها أن الأمن الذي جعله الله للحرم هو “الأصل العام” و”الحكم الشرعي” الذي يجب على الناس المحافظة عليه، (بمعنى: أَمِّنُوا من دخله)، وليس معناه أن الحرم لن يقع فيه عدوان أبدًا كوناً وقدراً؛ ولهذا وقعت في التاريخ وقائع مؤلمة كحصار مكة، وضربها بالمنجنيق من قبل الأمويين، ثم اعتداء القرامطة عليها وغيرها من الأحداث، ولم يفهم العلماء منها أنها أحداث تناقض القرآن. أما الهدم النهائي للكعبة فإنه يقع بعد أن يُقبض المؤمنون وتمحى معالم الدين، ومن أجمل ما قيل في هذا ما قرره العلماء كالحافظ ابن حجر وغيره؛ إذ بيّنوا أن هدم الكعبة لا يكون إلا بعد قبض المؤمنين، وأن بقاء البيت إنما هو لبقاء شعائر الله فيه، فإذا انتهت الدنيا، وانقطعت العبادة، أذن الله بزوال بنائه كما تزول سائر معالم الدنيا، استجابة لقوله تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [الرحمن: 26-27].

خاتمة

هدم الكعبة آخر الزمان أعظم تذكير بأن البقاء ليس للمباني مهما عظمت، وإنما البقاء لدين الله تعالى، وأن شرف الأماكن إنما يكون بما يقام فيها من التوحيد والعبادة، وإذا ما ارتفعت العبادة ارتفع معها سبب بقاء البيت؛ ولذلك فإن أعظم ما يتقرب به المسلم إلى هذا البيت هو تحقيق التوحيد الذي بني من أجله، وتعظيم شعائر الله التي جعلها سببًا لصلاح القلوب: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ}.