عرف الإجرام في اللغة بأنه القيام بفعل ذنب عظيم يقع المرء عليه عن قصد. أما من الناحية القانونية، فإن استخدام مصطلح الجريمة يأتي لوصف فعل مدان قانونيا، ويستخدم مصطلح مجرم لوصف شخص مرتبط بجريمة؛ فحين يتورط أشخاص مثلا في جريمة ما، أو يرتبطون بها، يشار إليهم بأنهم مجرمون. ولست هنا للحديث عن مسألة قانونية، فهذا مجال له أهله وناسه، لكنها مقدمة مقتضبة رأيت ضرورة البدء بها قبل أن نلج إلى صلب الموضوع.

إن فعل الإجرام الذي لا يزال يرتكب في عالم البشر منذ قديم الزمن، قد يتم ارتكابه في حق الله تعالى، مثلما يرتكب في حق البشر أيضا. فأما المرتكب في حق الله تعالى، يأتي الشرك به سبحانه كأبرز الأمثلة، وهو يمثل أعظم درجات الجريمة في هذه الحياة الدنيا. ويمكن في السياق نفسه اعتبار ترك المأمورات، أو الفرائض الأساسية في ديننا كالصلاة والزكاة وغيرها من الفرائض عن قصد وتعمد، جريمة في حق الله تعالى.

أما الجرائم في حق الناس فهي كثيرة ومتنوعة، أعظمها جريمة قتل الأنفس بدون وجه حق، ثم غيرها من جرائم في حقوق العباد والبلاد، كالسرقات والإفساد في الأرض بأشكاله المتنوعة.

تطور صور الشرك عبر التاريخ

والشاهد من هذا الحديث، أن البشرية ابتليت منذ جريمة ابني آدم (قابيل وهابيل) حتى يوم الناس هذا، ببدعة أو جريمة الشرك بالله وبطرق متنوعة. كانت قديما على شكل التقرب إلى أصنام وأوثان وأجرام سماوية وعبادتها، وأدنى تلك الأشكال كان اتباع الشيطان وخطواته.

أما اليوم فإن فعل الشرك مستمر عند نسبة كبيرة من البشر، وإن بطرق مختلفة وأساليب متنوعة، دون أدنى اتعاظ وتفكر لما جرى للمشركين على مدار التاريخ. ومنها شرك أكبر يخرج من الملة، كعبادة القبور، والاستغاثة بالأموات، وتحكيم القوانين الوضعية، وشرك أصغر قد يؤدي الاستمرار عليه إلى الشرك الأكبر، كالرياء، والحلف بغير الله، وتعليق التمائم وغيرها كثير، بالإضافة إلى شرك المحبة والغلو في تعظيم وتقديس الناس، فضلا عن الإلحاد والعلمانية التي تقصي الدين عن الحياة وإدارة شؤونها تماما.

حقيقة الاستدراج الإلهي

يمكن القول إذن بأن الجريمة الأشد في عالم جرائم البشر هي الشرك بالله دون أدنى ريب، وهو الفعل الذي لا يوجد أي مبرر أو حجة تمنح الإنسان الحق في ارتكابه لشناعته. ويعد جزءا من هذا الجرم التعرض للناصحين والواعظين بسوء، وصولا إلى ارتكاب جرائم بحقهم كالاعتداء البدني الذي يبلغ حد القتل.

يضاف إلى ذلك قيام المشرك بممارسة فعل اللامبالاة أو العناد ضد كل النصائح والإرشادات التي تبين له سوء فعله، وعدم الاتعاظ مما يحل به من ابتلاءات ومحن وشدائد آنية في حياته الدنيوية، والتي قد تأتي كنوع من العقوبة التحذيرية العاجلة. كما أن المشرك لا يبالي بما يسمى بـ “الاستدراج الإلهي” عبر سعادة دنيوية يجدها ويعيش تفاصيلها، من مال وبنين وقناطير مقنطرة من الذهب والفضة والأنعام والحرث، إلى غير ذلك من متع الدنيا الفانية، حتى يعتقد المشرك بعد حين من الدهر وهو على تلك الحالة أنه مرضي عنه عند الخالق جل وعلا، متسائلا بإنكار: “ما معنى كل هذه السعادة التي أعيشها إن لم يكن الله راضيا عني؟!”.

الخاتمة: تأمل وعيد (إنا من المجرمين منتقمون)

لا أحد أظلم وأزيد تعديا -كما جاء في تفسير القرآن لابن سعدي- ممن ذكر بآيات ربه التي أوصلها إليه ربه لإصلاحه وتكميل نعمته على أيدي رسله، تأمره بمصالحه الدينية والدنيوية وتنهى عن مضاره، والتي تقتضي أن يقابلها بالإيمان والتسليم، والانقياد والشكر، فقابلها هذا الظالم بضد ما ينبغي، فلم يؤمن بها، ولا اتبعها، وإنما أعرض عنها وتركها وراء ظهره، فهذا من أكبر المجرمين الذين يستحقون شديد النقمة، ولهذا قال تعالى: { إنا من المجرمين منتقمون } (السجدة: 22). اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه.