في المقالين السابقين، خضنا معركة المفاهيم. انتزعنا الاعتراف بأن “المعرفة مال”، وحطمنا رأي “التأبيد” لصالح مرونة “الوقف المؤقت”. والآن، ونحن نقف على أرضية شرعية صلبة، يبرز السؤال العملي الأهم: كيف ندير هذه الماكينة؟

كيف يمكن لوقف “غير ملموس” (كبراءة اختراع أو منصة رقمية) أن يدر دخلاً ملموساً؟ وكيف نحميه من السرقة؟ ومن هو “الناظر” الخارق الذي يستطيع إدارة هذا النوع الجديد من الأوقاف؟ الإجابة تكمن في “هندسة النماذج” واستعارة أدوات العصر الرقمي.

لغز “المجاني” الذي يدر الملايين

المعضلة الأولى التي تواجه الوقف المعرفي هي: كيف نجمع بين “نشر المعرفة مجاناً” (كصدقة جارية) وبين “تحقيق الاستدامة المالية”؟ الحل يأتينا من نماذج الاقتصاد الرقمي الحديثة، والتي يمكن “أسلمتها” وتكييفها وقفياً:

1- نموذج “النواة المفتوحة” (Open Core):

تخيل أن توقف برنامجاً إلكترونياً متطوراً. تتيح النسخة الأساسية (النواة) مجاناً للجميع، ليتحقق النفع العام. ولكن، تبيع “إضافات متقدمة” أو خدمات دعم فني للشركات الكبرى. هنا، الشركات تدفع الفاتورة، والمجتمع يحصل على المعرفة، والوقف يحقق الاستدامة.

2- النموذج “الهجين” (Freemium):

وهو النموذج الذي تستخدمه منصات عالمية مثل (Coursera). المحتوى التعليمي متاح للفقراء مجاناً (وهذا هو الوقف)، ولكن من يريد “شهادة معتمدة” أو خدمات تصحيح خاصة، يدفع رسوماً.

    هذه النماذج تحل المعادلة الصعبة: الوقف لم يعد مجرد “صندوق تبرعات” ينتظر المحسنين، بل أصبح “مؤسسة منتجة” تمول نفسها بنفسها.

    وداعاً للبيروقراطية.. مرحباً بـ “العقد الذكي”

    تاريخياً، كانت مشكلة الأوقاف الكبرى هي “الإدارة”. كم من وقف ضاع بسبب فساد النظار، أو تعقيدات البيروقراطية، أو ضياع الوثائق؟ اليوم، تقدم لنا التكنولوجيا هدية لا تقدر بثمن: “العقود الذكية” (Smart Contracts) وتقنية “البلوك تشين”.

    نموذج ثلاثي الأبعاد يوضح شبكة من المكعبات البنفسجية مع درع ذهبي يحمل قفلًا، يمثل الأمان السيبراني وحماية البيانات.

    تخيل وقفاً يدير نفسه بنفسه! “العقد الذكي” هو كود برمجي لا يعرف المحاباة ولا النسيان. يمكننا برمجته ليقوم بمهام الناظر التقليدي بدقة متناهية: بمجرد أن يدخل ريع الترخيص إلى حساب الوقف، يقوم العقد الذكي أوتوماتيكياً – ودون تدخل بشري – بتقسيمه: 70% تذهب للمنح الدراسية، 20% للاستثمار، و10% للصيانة، تماماً كما اشترط الواقف. كل عملية مسجلة على “البلوك تشين”، مما يعني شفافية مطلقة. لا يمكن لأحد أن يتلاعب بالأرقام أو يغير المصارف. إنها نهاية عصر “أكل أموال الوقف”، وبداية عصر “الوقف الزجاجي” الذي يرى الجميع ما بداخله.

    رخص “المشاع الإبداعي”: وقف عابر للحدود

    في الوقف التقليدي، تحتاج لعقود معقدة ومحاكم لتنظيم الانتفاع. لكن في عالم المعرفة، نحن نحتاج للسرعة والانتشار. هنا تأتي رخص المشاع الإبداعي” (Creative Commons) كأداة وقفية عصرية. بدلاً من الإجراءات القانونية الطويلة، يضع الواقف “رخصة” عالمية على منتجه الفكري. يريد الواقف أن يتاح كتابه للجميع بشرط عدم بيعه؟ يستخدم رخصة (CC BY-NC). هذه الرخصة هي “صيغة وقفية” قانونية يفهمها العالم بأسره، من طوكيو إلى نيويورك، وتسمح بانتقال المنفعة عبر الحدود بلمسة زر.

    مطلوب: “ناظر” بمواصفات خاصة

    أخيراً، يقودنا هذا التعقيد التقني إلى حقيقة حتمية: “ناظر الوقف” التقليدي (الشيخ الوقور أو الإداري البسيط) لم يعد كافياً هنا. الوقف المعرفي يحتاج إلى نوع جديد من القيادات: الناظر الرقمي.

    يد مبرمجة تحمل لوحة تعرض رسومات بيانية لبيانات ومخازن معلومات، ترمز إلى تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات.

    نحن بحاجة لناظر يفهم في “الملكية الفكرية” بقدر فهمه في “فقه المعاملات”. شخص يستطيع التفاوض مع شركات التكنولوجيا، ويدير محافظ استثمارية في الأصول غير الملموسة، ويعرف كيف يسوق “تطبيقاً وقفياً” لينافس التطبيقات التجارية.

    الخلاصة

    الأدوات جاهزة. النماذج الاقتصادية (Freemium) موجودة، وتقنية الثقة (Blockchain) متاحة، والإطار القانوني العالمي (Creative Commons) مشرّع. لم يعد ينقصنا سوى “الخيال” والتطبيق. ولكن، كيف يبدو هذا التطبيق على أرض الواقع؟ هل يمكن فعلاً لشركة أدوية أن توقف “دواءً”؟ وهل يمكن لجامعة أن توقف “بيانات”؟ في المقال الرابع والأخير، سنخرج من “غرفة العمليات” لنرى “سيناريوهات المستقبل” وتطبيقات واقعية قد تغير وجه الإنسانية.