عقدت ندوة علمية تحت عنوان: “تحديات الواقع وبناء المرونة الأسرية: رؤية اجتماعية وتربوية لتعزيز التماسك والاستقرار الأسري” نظمها الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، (فرع قطر ـ النشاط النسائي)، بمجمع الشيخ عبدالله الأنصاري العلمي بالعاصمة القطرية الدوحة، يوم السبت 13 يونيو 2026، وأدارت أعمالها الدكتورة جميلة الشعيبي، التي استهلت اللقاء بالتأكيد على محورية القضية الأسرية، وما تمثله من شأن يمس كل بيت، مشددة على أن الحاجة باتت ملحة إلى وعي ومهارات وقيم تعين الأسرة على التكيف والمرونة، من غير تفريط في هويتها ورسالتها.

افتتح الدكتور عايش القحطاني، رئيس فرع قطر للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، أعمال الندوة بكلمة ترحيبية جامعة. والدكتور عايش القحطاني داعية إسلامي وخبير أسري ومرشد نفسي،  يشغل منصب رئيس المجلس الاستشاري الأسري التابع لعضوية منظمة الأسرة العربية، وعضو في مؤسسة الاتحاد العالمي للدعاة، حاصل على الدكتوراه في الشريعة في موضوع العلاقات الأسرية ودورها في ترابط المجتمع من منظور إسلامي وشرعي، وله إسهامات عملية مع جهات معنية بحقوق المرأة والطفل وحقوق العمال والحماية والتأهيل الاجتماعي.

وجاء المحور الأول بعنوان “الأدوار الأسرية بين قدسية التأصيل وعبودية التطبيق”، وقدمته الدكتورة فاطمة عبدالله عزام، الباحثة المتخصصة في الفقه الإسلامي وقضايا الأسرة واستنباط الأحكام الشرعية، والحاصلة على الدكتوراه والماجستير من الجامعة الأردنية في الفقه وأصوله، وعضو مجلس الأمناء في الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين. وناقشت الورقة الحكم التشريعي للزواج، ومعنى قدسية التأصيل وعبودية التطبيق في أسس الأسرة وأدوارها، وأبرز الأدوار في الأسرة المسلمة.

وشارك الدكتور محمد عوض باعبيد، الباحث في معهد الدوحة الدولي للأسرة، بمحور  “بناء الأمان الأسري في عالم متغير: رؤية تكاملية لدمج الممارسات العلمية بالثوابت القيمية”، والدكتور محمد باعبيد أكاديمي وباحث يمتلك خبرة مهنية وتطبيقية تمتد لأكثر من ثلاثين عاماً في حماية الأسرة وترسيخ مرونتها النفسية والاجتماعية في بيئات متعددة الثقافات، حاصل على الدكتوراه من معهد علم النفس بجامعة إرلانغن ـ-نورنبيرغ في ألمانيا، وتركز أعماله على مبادرات وبرامج حماية الهوية الثقافية والدينية والتماسك الأسري، وقد نال جوائز وتكريمات رسمية ودولية، وأدرج اسمه ضمن قائمة الخمسمئة مسلم الأكثر تأثيراً في العالم.

وقدمت الدكتورة هند الحمادي، نائب رئيس فرع قطر للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وأستاذ منتدب في كلية المجتمع بقطر، دراسة حول “الشوجر دادي والميراث: دراسة من زاوية اجتماعية ورؤية دينية”. والحمادي حاصلة على الدكتوراه في تخصص فلسفة وحضارة إسلامية من كلية العلوم الاجتماعية والإنسانية بجامعة التكنولوجيا الماليزية، وباحثة في قضايا الفكر الإسلامي المعاصر والعلوم الاجتماعية والإنسانية.

أما المحور الرابع فجاء بعنوان “دور الإعلام الرقمي في زيادة التهديدات التي تستهدف مؤسسة الأسرة”  وقدمه الدكتور نبيل عبده المريري، الحاصل على الدكتوراه من جامعة UTM الماليزية، ويمتلك المريري خبرة مهنية في العمل الإعلامي، من خلال عمله في وكالة الأنباء القطرية، ورصد وتحرير الأخبار العربية والعالمية ومواقع التواصل الاجتماعي، ويعمل كمستشار تدريب في الوكالة الأنباء القطرية ، كما شارك في تأليف كتاب “قطر: جسور التواصل والتفاعل” الصادر عن وزارة الخارجية القطرية لعام 2025م.

الأسرة النواة والممتدة أساس المجتمع

قال الدكتور عايش القحطاني في كلمته الترحيبية بأن الندوة تتناول موضوعات أسرية مهمة، يطرحها متخصصون في مجالات متنوعة، مشيرا إلى أن محاور اللقاء تشمل بناء الأمان الأسري في عالم متغير، ودور الإعلام الرقمي في زيادة التهديدات التي تستهدف مؤسسة الأسرة، والأدوار الأسرية بين قدسية التأصيل وعبودية التطبيق، وظاهرة “الشوجر دادي” والميراث من زاوية اجتماعية ورؤية دينية.

ورأى الدكتور القحطاني أن كل محور من هذه المحاور يحتاج إلى محاضرات وندوات مستقلة، غير أن المشاركين سيختصرونها ويقدمونها، على حد تعبيره، “على طبق من ذهب”، واستشهد بأبيات للمعري يقول فيها:

وينشأ نــــــــــاشئ الفتيان منا
على ما كـــــــــان عوده أبوه

وما دان الفتى بحجى ولكن
يعلمه التدين أقربــــــــــــوه

موضحا أن المقصود بالوالد هنا الأب والأم معا، كما استشهد بالمثل المعروف “العلم في الصغر كالنقش على الحجر”

وختم الدكتور القجطاني بالتأكيد أن ما سيطرح في الندوة يمثل قواعد أساسية في غرس القيم لدى الأبناء والسير على الطريق الصحيح وفق هدي النبي .

اجتماع لمناقشة استراتيجية تطوير السياحة، حيث يتحدث رجل يرتدي عباية وغترة، محاطًا برجلين يرتديان بدلات. خلفهم شاشة تعرض معلومات حول الحدث.
الدكتور عايش القحطاني (وسط) والدكتور محمد باعبيد (يمين) والدكتور نبيل المريري(يسار)

الأسرة المعقل الأخير وإيجادها تكليف شرعي

جاء المحور الأول للندوة بعنوان “الأدوار الأسرية بين قدسية التأصيل وعبودية التطبيق”، وقدمته الدكتورة فاطمة عبد الله عزام، الباحثة المتخصصة في الفقه الإسلامي وقضايا الأسرة واستنباط الأحكام الشرعية، وركزت ورقتها على الحكم التشريعي للزواج، ومعنى قدسية التأصيل وعبودية التطبيق في أسس الأسرة وأدوارها، وأهم الأدوار في الأسرة المسلمة.

افتتحت الدكتورة فاطمة عزام مداخلتها بالتعبير عن قلقها مما تراه من تحديات معاصرة ومن عزوف عن الزواج، معتبرة أن ذلك يأتي في سياق هجمة شرسة على الأسرة، التي وصفتها بأنها النواة والمعقل الأخير من معاقل الإسلام، والركن الركين في إنتاج النموذج المعتز بهويته، المؤمن بربه، النافع لأمته ومجتمعه. وربطت هذه الهجمة بوسائل التواصل الاجتماعي، والإعلام، والمواثيق، وكل وافد من خارج مجتمعات المسلمين ومن غير المنتمين إلى دينهم.

وانطلقت الدكتورة فاطمة عزام من مفهوم الأسرة، فأوضحت أنها تتبعت لفظ الأسرة في القرآن الكريم فلم تجده ببنيته اللغوية، وإنما جاء المعنى بلفظ الأهل، وهو لفظ يرتبط، كما قالت، بالشد والعصب والقوة والحبس، لأن الإنسان يحبس نفسه داخل هذه البوتقة للقيام بمهامه. أما اصطلاحا، فعرفت الأسرة بأنها أصغر وحدة اجتماعية تنشأ من اتحاد رجل بامرأة وفق الشروط والأركان الشرعية.

وشددت الدكتورة فاطمة على أهمية هذا التعريف في مواجهة التصورات المعاصرة التي تتحدث عن تشكيل الأسرة بغض النظر عن الجنس، مؤكدة أن الأسرة المعتبرة شرعا تقوم على رجل وأنثى. كما بينت أن الأسرة في الإسلام لا تقف عند حدود الأسرة النواة، وإنما تمتد إلى الأولاد والأجداد والأعمام والخالات، أي إلى ما يعرف اليوم بالأسرة الممتدة، فهي عشيرة الرجل وأهل بيته الذين يتقوى بهم.

وفيما يتعلق بالحكم التشريعي للزواج، أوضحت الدكتورة فاطمة عزام أن الفقهاء أجمعوا على أن الزواج سنة مؤكدة، مستشهدة بحديث النبي في الحث على الزواج واتباع سنته “وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني” (أخرجه مسلم)، لكنها ذهبت إلى أن واقع الأمة المعاصر وما يحتاجه من بناء إيماني واجتماعي، يجعل النظر إلى الأسرة متصلا بقاعدة أن الوسائل تأخذ حكم الغايات والمقاصد.

وأضافت أن الغاية من الخلق تتحقق في العبودية لله والاستخلاف في الأرض، وهما لا يتحققان في الواقع الإنساني إلا بوجود الأسرة. لذلك رأت أن إيجاد الأسرة يأخذ حكم الوجوب، خصوصاً في زمن تحتاج فيه المجتمعات الإسلامية إلى البناء.

وأشارت الدكتورة فاطمة إلى أن حق التزوج في الإسلام حق منحه الله للرجل والمرأة عند بلوغ السن المناسبة، غير أن المسؤولية لا تقع على الفرد وحده، وإنما تتوجه إلى الأمة أيضاً، مستشهدة بالأمر القرآني: {وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم}(النور :32) . وقالت إن الأمة يجب أن تحرص على بناء الأسر، خصوصا في زمن يعزف فيه الأبناء والبنات عن الزواج اتكاء على الراحة والدعة والنظر إلى الأسرة على أنها أعباء ومسؤوليات.

وشرحت الدكتورة فاطمة عزام مقصودها بعبارتي “قدسية التأصيل” و”عبودية التطبيق”، موضحة أن الأسرة مؤسسة استخلافية، وقضاء كوني، وتكليف شرعي بتربية جيل صالح وعمارة الأرض، أما الأدوار الأسرية من أبوة وأمومة وزوجية وبنوة، فهي عبادات ممتدة مستمدة من معنى الاستخلاف والأمانة، لا وظائف عابرة. وبهذا المعنى، فإن طاعة الزوج طاعة لله فيما جعله وسيلة لبلوغ رضاه، وبر الوالدين إحسان لمن أمر الله ببرهما، وقيام الرجل على أهله والتكسب لهم واجب رباني وتكليف شرعي، يتجاوز المحبة أو الامتداد العاطفي، والغاية من هذا التأكيد أن لا يشعر الإنسان بثقل الأدوار الملقاة على عاتقه في الأسرة.

وانتقدت الدكتورة فاطمة عزام ما سمته الانحراف في التطبيق، إذ تحولت العبودية لله داخل الأسرة إلى عبودية للمادة والنمط الاستهلاكي، وأضحى دور الأب يختزل في صورة صراف آلي ينظر إليه من زاوية الإنفاق، بينما تختزل الأم في التدبير المنزلي ويراد منها الخدمة والرعاية، وانتقدت عبودية الأعراف والتقاليد حين تعطل أحكاما شرعية، مستشهدة برفض بعض الأسر النظرة الشرعية بدعوى العيب، مع أن السنة جاءت بما يحقق الألفة بين الزوجين.

ماهي الأدوار الأسرية ؟

أوضحت الدكتورة فاطمة عزام الأدوار الأسرية الأساسية – بحسب تقسيمها – والمكون من : دور الأبوة ودور الأمومة ودور الزوجية ودور البنوة ودور الإصلاح وإدارة الأزمات. ويتمثل دور الأبوة في القيادة الرشيدة والحماية وما يعبر عنه شرعا بالقوامة، بما تشمل من رعاية مادية ومعنوية وحماية أخلاقية ووقاية من الانحراف، مستشهدة بقوله تعالى: { قوا أنفسكم وأهليكم نارا}(التحريم:6)، وحذرت من تقصير الوالدين في الدلالة على الخير، لأن الأبناء قد يطالبون بحقهم يوم القيامة ممن قصر في تربيتهم.

أما دور الأمومة فيكمن في الحضانة وصناعة الإنسان لأن الأم هي المحضن الأول للفطرة، والمسؤولة عن بناء الإنسان وحفظ الفطرة وغرس القيم وتوريث المبادئ، وأشارت إلى سبب تقديم الأم في البر والرعاية في الحديث النبوي “أمك ثم أمك ثم أمك ثم أبوك” (متفق عليه)، لأن الرجل يخرج للتكسب وصيانة الأسرة ماديا فيما تتولى الأم صيانتها معنويا وأخلاقيا.

أما دور الزوجية فيتعلق بمقصد نفسي أول في الزواج ،السكن والمودة والرحمة، ويقوم على قاعدة { ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف }(البقرة: 228).

وأكدت الدكتورة فاطمة عزام أن العلاقة الزوجية لا تقوم على تمييز ضد المرأة أو محاباة للرجل، وإنما يحكمها المعروف، ويقصد منها توفير محضن آمن للأبناء بعيداً عن المشكلات والمشاكسة.

أما دور البنوة فاختصرته في البر والامتداد والوفاء للأم والأب، سواء باحترامهما في البيت أو ببرهما عند الكبر. وأضافت دوراً خامساً للأسرة يتعلق بالإصلاح وإدارة الأزمات، محذرة من ثقافة التعجل في الحض على الفراق عند أول شكوى زوجية. وذكّرت بمراتب الإصلاح التي جاءت في النصوص، وبمسؤولية الزوج والزوجة وأهل الخبرة والأقارب، وبقوله تعالى: { فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها } (النساء: 35).

وختمت الدكتورة فاطمة عزام بالتأكيد على ضرورة إعادة السيادة للأسرة، والنظر إليها على أنها مطلب شرعي رباني، وأن كل ما يتناوله المسلم من أحكام الأسرة يجب أن يكون امتثالاً لأمر الله وعبودية له.

الأمان الأسري بين الأدوار والحقوق الشخصية

تناول الدكتور محمد عوض باعبيد، الباحث في معهد الدوحة الدولي للأسرة، محور “بناء الأمان الأسري في عالم متغير: رؤية تكاملية لدمج الممارسات العلمية بالثوابت القيمية”.

بدأ الدكتور باعبيد حديثه بالقول إن موضوع الأمان الأسري يمثل حجر الزاوية في قياس مدى تأثير الثقافة الغربية في القيم الأسرية الإسلامية والثقافية، وفي بناء رؤى علمية وعملية تساعد الأسر على التماسك والتصدي لما يؤثر في قيمها.

 واختار أن يفتتح مداخلته بقصة حقيقية، غير ملامحها حفاظا على خصوصية الأسرة، لتكون مدخلا إلى فهم الصدام بين الثقافة الغربية والثقافة الإسلامية. تحكي القصة عن أسرة عربية مسلمة في إحدى الدول الغربية قبل نحو 18 عاما، كانت تشكو من تصرفات طائشة لابنتها التي تراوح عمرها بين الخامسة عشرة والسادسة عشرة، من بينها التواصل مع شباب ومحاولة إقامة علاقات عاطفية. وأمام قلق الأبوين، ولا سيما الأب، أُرسلت الفتاة إلى بلد الأسرة الأصلي، وهناك فوجئت في قرية نائية برجل في الأربعين من عمره يستقبلها على أنه الزوج القادم. وتمكنت الفتاة من التواصل مع السفارة الغربية وأعادتها إلى ذلك البلد وجعلتها تحت رعاية أسرة أخرى، ثم استدعي الأب من الجهات الأمنية بتهم تتصل بالاعتداء والتهريب، فكانت الصدمة قاسية على الوالدين.

وقال الدكتور باعبيد إن مثل هذه القضايا تتكرر بين بعض أبناء الجاليات العربية والمسلمة في البلدان الغربية، وإنها تكشف عن صراع قيمي ينعكس مباشرة على الحياة الأسرية وعلى تماسك الأسرة والعلاقة بين الآباء والأبناء. فالأبوان انطلقا من خلفية إسلامية متدينة، ورأيا أن من واجبهما أن يكون سلوك الابنة منسجما مع الضوابط الدينية. في المقابل، بينما منظور المنظومة القانونية الغربية أن ما قام به الأبوان اعتداء يستوجب المساءلة.

 واستخلص الدكتور باعبيد من هذه الوقائع إلى أن تدخل الدولة بين الأب وابنته، أو بين الزوج وزوجته، ما عاد احتمالا نظريا في بعض السياقات، وصار واقعا قائما ورأى أن الفكرة قابلة للإسقاط على المجتمعات العربية والإسلامية مع اختلاف السياقات، وتداخل الثقافة الغربية مع الواقع وانعكاسها على الحالة الأسرية.

وشرح الدكتور محمد باعبيد أن القوة الناعمة نقلت الصراع إلى داخل البيت، من غير الحاجة إلى عامل خارجي مباشر، لأن هذا العامل بات يتجسد في الأبناء والبنات، وأحياناً في الكبار أنفسهم، واستشهد بحضور أنماط الحياة الغربية في المطاعم واللغة وطريقة التفكير، موضحا أن هذه الأشياء لا تحمل خطأ في ذاتها، وإنما يظهر الخطأ في العجز عن توجيهها بما لا يتعارض مع القيم والمبادئ.

وعقد الدكتور باعبيد مقارنة بين مجتمعات تقوم على الأدوار، حيث يعرف الأب والأم والابن والبنت دور كل منهم، وفي المقابل توجد مجتمعات يغلب فيها منطق الحق الشخصي، وأكد أن الحق في ذاته لا خطأ فيه، لكنه قد يستخدم ضد الأسرة إذا لم تمنح الأسرة أبناءها حقوقهم المعقولة، وفي هذه الحالة يمكن أن يحتضنهم الآخرون ويدفعوهم بعيدا.

 وحذر الدكتور باعبيد  من تناول المشكلة بمنطق الأبيض والأسود، أو الاكتفاء بإلقاء اللوم على الغرب والخارج ووضع الذات في موقع الضحية، لافتا إلى أن لدى المجتمعات الإسلامية مقومات قوة يمكن الاستفادة منها، وأن الغرب نفسه يعيش تنازعاته الداخلية.

وحول تصوره للأمان الأسري قال الدكتور باعبيد إن الأسرة إذا استطاعت أن توفر مناخا آمنا فإن الأبناء سيكونون أقدر على مواجهة الغزو الثقافي الخارجي، أما حين تكون البيئة هشة وغير آمنة، فإن الأمان الأسري يضعف وتصبح الأسرة أكثر عرضة للاختراق.

واقترح الدكتور باعبيد حلا عمليا لهذه الإشكالية وفق إطار أطلق عليه :

(Culturally Integrated Family Systems Response ) أي استجابة النظم الأسرية القائمة على التكامل الثقافي، وتقوم على دمج الثقافة الإسلامية بالممارسات والسياسات المبنية على الأدلة العلمية في الغرب.

وأضاف إن هذا النموذج الذي عمل عليه حقق نتائج مهمة، منها التعامل مع حالات أطفال مسلمين أخذوا من بيوتهم لأسباب تتعلق بحمايتهم من العنف، ثم أعيد عدد منهم إلى ذويهم، وأوضح أن الفكرة الأساسية في هذا الإطار لا تقوم على الاختيار بين القيم الإسلامية والممارسات العالمية، وإنما على دمجهما بوعي وتوازن.

وأشاد الدكتور باعبيد بتجربة قطر في إيجاد حلول تكاملية ومتوازنة بين الأدوار المتوقعة والحقوق الشخصية للأفراد في الأسرة والمجتمع، وقال إن الأسرة تعد مركزية ضمن رؤية قطر 2030 م، مثمنا دور معهد الدوحة الدولي للأسرة في إجراء دراسات وبرامج تقوم على المواءمة بين الثقافة العامة والثقافة الإسلامية والممارسات العالمية، مشيراً إلى برنامج “تنشئة” والمناصرة الدولية وحضور المعهد في ملتقيات تدافع عن الأسرة محليا وعالميا، وإلى مؤتمر عقد في العام الماضي حول الأسرة، وآخر من المتوقع إقامته في شهر أكتوبر القادم حول إعداد مؤشر الرفاهية في الأسرة من منظور إسلامي.

أما على مستوى الأسرة، فرأى أن نجاح الحلول التكاملية يتوقف على قدرة الأسرة على التعامل مع التوتر الناجم عن محاولة الموازنة بين الأدوار المتوقعة والحقوق الشخصية. ولفت إلى أن الأسرة قد تنكر وجود المشكلة، أو تلوم الطفل، أو تقلل من خطورتها، داعيا إلى ترشيد التوتر وتدريب الإنسان على التعامل مع واقع معقد ومتداخل، لأن المبادئ الدينية سامية لكنها تحتاج إلى مهارة في تنزيلها على الواقع.

ختم الدكتور محمد باعبيد مشاركته في مؤتمر “تحديات الواقع وبناء المرونة الأسرية: رؤية اجتماعية وتربوية لتعزيز التماسك والاستقرار الأسري” بأن كل إنسان يعيش صراعا داخليا بين رغبته في الحفاظ على روابطه العاطفية والاجتماعية، ورغبته في الحفاظ على خصوصيته وحريته الشخصية، ولذلك يجب أن يراعي التعامل مع الأطفال هذا المعنى بإتاحة مساحة يشعرون فيها بكيانهم الخاص داخل الأسرة ما دام ذلك لا يمس المبادئ الأساسية والقيم الكبرى.

وخلص إلى أن الأمان الأسري لا يقتصر على غياب المشكلات والصراخ، وإنما يعني علاقة مملوءة بالاحترام والرحمة، وأن بناء أسرة متلاحمة أقوى وقاية للأبناء، كما أكد أن كل ما يأتي من الغرب ليس بالضرورة أن يكون ضارا، منوها إلى ضرورة معرفة ما نريد، وكيفية توجيهه والاستفادة منه بما لا يتعارض مع القيم الدينية والثقافية.

“الشوجر دادي” والميراث بين الرؤية الاجتماعية والمقاصد الشرعية

قدمت الدكتورة هند الحمادي، نائب رئيس فرع قطر للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وأستاذ منتدب في كلية المجتمع بقطر ورقتها في الندوة والتي جاءت بعنوان “الشوجر دادي والميراث : دراسة من زاوية اجتماعية ورؤية دينية” وعرضت الدكتورة هند مقطعا مرئيا قصيرا في بداية مشاركتها عن التحديات التي تواجه الأسرة المسلمة، وفي مقدمها الغزو الفكري الغربي للمجتمعات الإسلامية، واستخدام التكنولوجيا والمنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي لإحداث تغييرات في أنماط الحياة والسلوك.

ويوضح المقطع المرئي صورا من هذه التحديات، منها تفكيك القيم الأسرية بتصوير الأسرة نموذجا مفككا في الإعلام الغربي، وتصوير المرأة المسلمة على أنها ضحية، والتطبيع مع الرذيلة بنشر العلاقات غير الشرعية والانحرافات الأخلاقية باعتبارها أمرا طبيعيا، والترويج لحرية الجندر من باب حقوق الإنسان، وانتشار الألعاب والمحتويات الرقمية غير الأخلاقية مثل ألعاب (GTA) التي تشجع على العنف والانحراف، وإضعاف الانتماء الديني والسخرية من المظاهر الإسلامية، وتهميش دور المرأة (الأم والمربية ) لمصلحة إبرازها في دور المرأة العاملة، وتراجع مكانة اللغة العربية، وانتشار المادية والفردانية، وصراع الهوية، والمناهج الغربية التي تهمش التربية الإسلامية، وتأثير الإعلام والمنصات التي تعرض محتويات مخالفة للقيم الإسلامية، وربط المقطع المرئي بين هذه التحديات وظهور ظاهرة “الشوجر دادي.

استهلت الدكتورة هند الحمادي حديثها بالتنبيه إلى حساسية الموضوع، قائلة إن كثيرا من الباحثين تناولوا الأسرة في مجالات مختلفة، لكنها وجدت قصورا في هذا الموضوع تحديدا، حتى إنها لم تجد دراسة مباشرة تتعلق به وأضافت أن إعداد البحث أثار جدلا واسعا بين مؤيد ومعارض ومعارض بشدة ومستهجن، ولذلك اختارت تناوله من وجهة نظر اجتماعية مع رؤية دينية.

وأوضحت أن سبب الجدل في الموضوع يكمن في تداخله مع مسائل إسلامية وقانونية واجتماعية كثيرة، منها أصول الفقه، وفقه الميزان، وعقود الزواج، وعقود الشراكة، والذمة المالية، والنفقة، والميراث. وعرفت “الشوجر دادي” بأنه مصطلح غربي يدل في أصله على علاقة غير شرعية بين رجل كبير في السن أو في سن الشيخوخة وفتاة يافعة، تقوم على مصالح متبادلة الفتاة تريد المصلحة المادية، وكبير السن يريد إشباع رغبته النفسية والجسدية. وقالت إن هذا المصطلح انتقل إلى المجتمعات الإسلامية ليشير إلى علاقة قد تكون شرعية أو غير شرعية بين رجل كبير في السن وفتاة يافعة، موضحة أن دراستها تركز على العلاقة الشرعية، أي الزواج بين شيخ كبير وفتاة شابة في سن الزواج.

ثم انتقلت إلى مصطلح الميراث، مؤكدة أنه لا يطلق بدقة إلا بعد وفاة الشخص، أما قبل الوفاة فالأدق أن يسمى أموالاً. لكنها أوضحت أنها ستستخدم لفظ الميراث تسهيلاً في الورقة لما قبل الوفاة وما بعدها.

واستحضرت الدكتورة الآية الكريمة : { ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة } (الروم:22)، لتؤكد أن الزواج شرع لتحقيق الاستقرار والطمأنينة نفسياً وجسدياً، ولتحقيق التعارف والتفاعل الاجتماعي. ورأت أن أي زواج يخرج عن هذا المقصد ويبتعد عن الفطرة ومقاصد الشريعة يمثل عبثاً بمقاصد الإسلام ويسبب الفساد والاضطراب في المجتمع.

وشددت الدكتورة هند على أن الكفاءة معتبرة بإقرار المذاهب الأربعة، والتي تشمل الكفاءة الدينية والفكرية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والعمرية، وهي كلها عوامل تساعد على نجاح الزواج واستمراره، واستشهدت بالدهلوي في كتابه “حجة الله البالغة” في اعتبار الكفاءة مما جُبلت عليه طوائف الناس، وبالإمام الماوردي في اعتباره التقارب في السن بين الزوجين عنصراً من عناصر الكفاءة، بحيث لا يكون الشيخ الكبير كفؤاً للمرأة اليافعة، ولا العجوز كفؤة للشاب، لما بينهما من التنافي والتباين.

ورأت الدكتورة هند الحمادي أن بعض الزيجات تسيء إلى الميثاق الغليظ، ومنها زواج كبير السن من فتاة يافعة. واستندت إلى ما يقوله علماء النفس من أن كبير السن يمر بتغيرات بيولوجية واجتماعية تختلف عن حالة الشاب، منها الضعف العام في الصحة والقدرات الجسدية، والتغيرات النفسية، وضعف الذاكرة والنظر والسمع، في حين تكون الفتاة الشابة في حال مختلفة من القوة والنشاط.

وأكدت أن الزواج مباح شرعا، وأن النص القرآني يقرر ذلك، لكنها شددت على أن دراستها جاءت لتحقيق العدالة الاجتماعية ورفع الظلم عن الزوجة الأولى والأبناء. وتساءلت عن الزوجة التي عاشت مع زوجها ثلاثين أو أربعين أو خمسين أو ستين سنة، تكافح وتضحي حتى تصل الأسرة إلى الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، ثم تأتي فتاة صغيرة في السن فتشارك في الثمن أو الربع وفق وضع التعدد، معتبرة أن هذا، من وجهة نظرها، لا يوافق العقل والمنطق، وأن تكريم الإنسان بالعقل يقتضي تحكيمه في مثل هذه المسائل.

وعرضت الدكتورة هند أهمية دراستها في بيان أوجه الحق وإزالة الجهالة من ثقافة الناس، ولا سيما ما يتصل بإمكان التحايل على الشرع بعقد الزواج لتحقيق مصالح مادية تلحق الضرر، ورأت أن الدراسة تسعى إلى رفع الظلم ورد الحقوق للأسرة المتضررة، وإظهار حرص الإسلام على مصلحة العباد ورد الحقوق إلى أهلها بما يحقق استقرار المجتمع، واستشهدت بابن القيم في تقرير أن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وأن كل مسألة خرجت من العدالة إلى الجور، ومن الرحمة إلى المفسدة، ومن الحكمة إلى العبث، تخرج عن روح الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل. وقالت إن الزواج، وإن كان مباحا، يحتاج إلى حسن النية لتحقيق الديمومة والبقاء والاستقرار ومقاصد الشريعة، وحفظ حقوق الزوجة الأولى والأبناء، والأهم كذلك حفظ كبير السن من الأذى والاستغلال، مستندة إلى قاعدة درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.

فصلت الدكتورة هند الحمادي الأضرار الاجتماعية الناجمة عن زواج كبار السن بفتيات يافعات، موزعة الأضرار بين الفرد والأسرة والمجتمع. فمن جهة المجتمع، رأت أن الظاهرة قد تنشر الغش والخداع والنصب والاحتيال بمساعدة القانون والتطبيق الديني حين يمنح العقد الزوجة نصيبا في الميراث من غير النظر إلى التفاصيل. ومن جهة كبير السن، قد يتعرض للأذى النفسي والجسدي والاستغلال. ومن جهة الزوجة الأولى والأبناء، يقع عليهم ضرر نفسي حين يتخلى الأب عن أسرته وقيمه المجتمعية ويفقد التوازن ويدخل في التصابي بزواج شابة لا تناسب مرحلة الرزانة والحكمة.

وأضافت الدكتورة هند الحمادي إلى أن المجتمع قد يتعرض لمفسدة تهدد الأسر من صراع وتوتر ولجوء إلى المحاكم ورفع القضايا، ويترتب عليها آثار اقتصادية من تجميد للأموال، وقدمت مقترحات لعلاج الظاهرة بعد مقابلتها للشيخ علي القره داغي ومناقشته فبين أن للدولة حق تقنين هذا النوع من الزواج إذا رأت منه مفسدة، واقترح أن يوزع كبير السن جزءا من أمواله قبل الزواج بالفتاة الصغيرة على الزوجة التي كافحت معه وعلى الأبناء الذين ساهموا في اقتصاد الأسرة، بنسبة قد تكون 60 في المئة أو 70 في المئة أو 75 في المئة، ويبقى له الباقي، بما يحد من الضرر ويحفظ حقوق الزوجة الأولى والأبناء والمجتمع.

ونقلت عن الدكتورة شريفة العمادي، المدير التنفيذي لمعهد الدوحة للأسرة، أن هذا النوع من الزواج في غالبه الأعظم صورة من الاستغلال، وأنه ينبغي للمحكمة أن تعلم الزوجة الأولى والأبناء بقرار زواج كبير السن قبل مباشرة العقد، وأن يسبق هذا الزواج تصرف مالي يقلل التوترات والصراعات اللاحقة.

ودعت الدكتورة هند الحمادي إلى استحداث قانون يضبط هذا النوع من الزواج بمشاركة علماء الفقه والاجتماع ورجال القانون، وإلى تفعيل قاعدة “تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة”، كما حدث في تحديد سن الزواج في بعض التشريعات الحديثة.، وشددت كذلك على أهمية الجانب التوعوي والتنبيه والتحذير عبر الإعلام والتعليم ومؤسسات المجتمع المدني ودور العبادة، وخصوصاً تنبيه كبير السن إلى الآثار النفسية والجسدية والمادية والأسرية والمجتمعية المترتبة على زواجه من فتاة يافعة.

ونوهت الدكتور هند إلى دور التوعية الأخلاقية ونشر الفضائل في المجتمع، مؤكدة أنها لا تعترض على حق الرجل الشرعي في الزواج، وإنما تعترض على الزواج حين تكون له انعكاسات سلبية على الأسرة والمجتمع، ولا سيما في جانب الميراث. ورأت أن للقاضي حق إبرام الزواج أو رفضه وفق مصلحة الطرفين أو الأسرة أو المجتمع. كما دعت إلى معالجة الظواهر الاجتماعية السلبية مثل العنوسة والطلاق والبطالة والفقر، وإلى إجراء أبحاث أعمق بالرجوع إلى قضايا محاكم الأسرة وتطوير بعض القوانين وفق مستجدات العصر، وتثبيت قاعدة أن الإسلام صالح لكل زمان ومكان.

وختمت الدكتورة هند الحمادي بالإشارة إلى ما أورده ابن عابدين من أن تغير الأحكام بسبب الزمان أو الأعراف أو العوائد مبني غالبا على مراعاة الحاجة والمصلحة. وقالت إن تقنين هذا النوع من الزواج يمكن أن يبنى على رفع الحرج والمشقة عن الأسر، وأن الحكم يدور مع المصلحة حيث دارت ما لم يخالف نصاً ثابتا أو أمرا أو نهيا إلهيا، مع ضرورة أن يكون ملائماً لمقاصد الشريعة ومقبولا عقلياً ومنطقيا.

امرأة ترتدي ملابس تقليدية تتحدث في مؤتمر، أمام منصة تحمل شعار الاتحاد الدولي لعلماء المسلمين. يوجد رجال جالسون في الخلف، ومن بينهم شخص يرتدي بدلة. الطاولة مزينة بالزهور.
الدكتورة هند الحمادي

تأييد واسع للضبط القانوني والتوعية

وعقب مداخلتها استعرضت نتائج استبيان أجرته الدكتورة هند الحمادي ضمن دراستها شملت عينة متنوعة من دول عربية وإسلامية ، وجاءت أبرز نتائج الاستبيان:

 اعتبر 48.8% من المشاركين أن ظاهرة زواج كبار السن من فتيات صغيرات موجودة إلى حد ما، بينما رأى 32.5% أنها غير منتشرة، في حين أكد 20% أنها منتشرة بالفعل في مجتمعاتهم.

وعن الجذور المغذية لهذه الزيجات، أجمع 88% من المشاركين في الاستبيان على أن الدوافع المادية حاضرة بصورة أساسية في هذه الزيجات، وسط تحذيرات أطلقها 75% من المشاركين بأن هذا الزواج يلقي بظلاله السلبية على حقوق الزوجة الأولى وأبنائها.

 وفي سؤال يتعلق بالسياق التشريعي، كشفت النتائج عن فجوة في القوانين الحالية حيث رأت الكتلة الأكبر من المشاركين في الاستبيان أن القوانين القائمة لا تنصف الزوجة الأولى وأبناءها وبنسبة 37% ، بينما حذر 72% من المشاركين من غياب الضوابط الرادعة قد يفتح الباب أمام قضايا النصب والاحتيال، مما يهدد الاستقرار الأسري والمجتمعي.

وأظهرت نتائج الاستبيان تأييدا لفرض رقابة صارمة وتدخل تشريعي في مثل هذه القضايا حيث طالب ما يقارب 88% من العينة بتقييد هذا النوع من الزواج بضوابط حازمة، بينما أيد 90% وضع أطر خاصة لحماية الأسرة الأولى، ودعا 76% إلى منح القاضي الصلاحية القانونية الكاملة لرفض إتمام الزواج إذا تبين ضرره. وحول إلزامية إرسال إشعار رسمي للزوجة الأولى وأبنائها قبل إتمام عقد الزواج الجديد لاقى المقترح تأييدا من المشاركين في الاستبيان وصل إلى 77.9% وهي النسبة ذاتها التي طالبت بسن قوانين تضمن الحقوق المالية الكاملة للأسرة الأولى.

وفي إطار الحلول الاستباقية لقطع الطريق أمام المصالح المادية، أيد 57.1% من المشاركين في الاستبيان مقترحا يقضي بتوزيع الجزء الأكبر من ثروة كبير السن قبل إقدامه على الزواج وإعلام الفتاة الصغيرة بذلك معتبرين أن تجريد الزواج من المغريات المالية سيسهم بشكل فعال في الحد من انتشار هذه الظاهرة، وحول أهمية الجانب الوقائي والتثقيفي رأى 80% من العينة أن حملات التوعية الأسرية والإعلامية المستمرة تشكل حائط الصد الأول لمعالجة هذه القضية والحد من آثارها السلبية.

الإعلام الرقمي يزيد التهديدات التي تستهدف الأسرة

خصص المحور الرابع لموضوع “دور الإعلام الرقمي في زيادة التهديدات التي تستهدف مؤسسة الأسرة”  ، وقدمه الدكتور نبيل عبده المريري، وطرحت ورقته ثلاثة أسئلة: تحديات الأسرة في التقنية ووسائل التواصل الاجتماعي، وهل التقنية تهدد العلاقات الأسرية أم أن أثرها يعتمد على طريقة استخدامها، وكيف يمكن تحقيق التوازن بين الاستفادة منها والحماية من آثارها السلبية.

استهل الدكتور نبيل المريري مداخلته بواقعة إعلامية تعود إلى عام 1938، حين كانت شبكة CBS الأمريكية تبث حفلا موسيقيا في مناسبة عيد القديسين، ثم قطع البث بخبر عن مركبة فضائية حطت على أطراف المدينة. وساد الهلع بين الناس، فبدأ بعضهم يودع بعضا، وبعضهم يبحث عن ملاجئ، وآخرون اندفعوا بدافع حب الاستطلاع. وبعد لحظات من الهرج والمرج، اكتشف الناس أن الأمر كان مسرحية إذاعية. ومن هذه الواقعة انطلق الدكتور المريري إلى الحديث عن تأثير وسائل الإعلام، متسائلاً: إذا كانت الإذاعة بإمكاناتها المحدودة أحدثت هذا الأثر، فماذا يمكن أن يحدثه الإعلام الرقمي اليوم في ظل الثورة التكنولوجية الرابعة؟

وعرف الدكتور نبيل الإعلام الرقمي بأنه نتاج تزاوج بين الإعلام التقليدي، من صحافة وتلفزيون وإذاعة، وبين تقنيات الاتصال الحديثة والإنترنت، موضحا أن البداية كانت مع المواقع الإلكترونية، ثم تطورت إلى وسائل التواصل الاجتماعي، وعرف بالثورة الثانية في عالم الإنترنت Web 2.0. ففي Web 1.0 عندما كان المستخدم يقرأ النصوص فقط، أما في نسخة Web 2.0 فقد أصبح يشاهد الصورة والفيديو ويقرأ النصوص ويتفاعل معها.

وأشار الدكتور نبيل إلى تعدد المسميات التي تندرج تحت هذا المفهوم: الإعلام الجديد، الإعلام الرقمي، إعلام وسائل التواصل، الإعلام الاجتماعي، الإعلام التفاعلي، الإعلام الشبكي، وإعلام الوسائط المتعددة، وكلها تدل على ظاهرة واحدة هي الإعلام الذي يستخدم الإنترنت ويصل إلى المتلقي في مختلف الأوقات والأماكن وبالقوة نفسها.

وأوضح أن دراسات أثر الإعلام بدأت منذ عشرينات القرن الماضي، وأن علماء الاجتماع والسياسة والإعلام درسوا تأثيره في الفرد والمجتمع والأسرة، واستعرض بعض النظريات في هذا السياق مثل “نظرية الرصاصة” أو “حقنة الجلد” التي ترى أن الإعلام يخترق الإنسان كما تخترق الرصاصة الجسد، ويشكله ويوجهه ويبني أجندته وفكره ونظرته إلى المجتمع والحياة، ونظرية “الحتمية التكنولوجية” لمارشال ماكلوهان، التي ترى أن التكنولوجيا تؤثر في الفرد والأسرة بغض النظر عن المحتوى، مستعيداً مقولة ماكلوهان إن العالم أصبح قرية عالمية في عصر التلفزيون، ومعلقا بأن العالم اليوم ما عاد قرى منعزلة، وإنما جزر منعزلة يكون الفرد داخل الأسرة لكنه في الواقع وحيد.

أشار الدكتور نبيل المريري إلى عنوان كتاب للباحثة أمريكية  شيرل تاركل “وحيدون معا” ، ليشرح مفارقة العصر الرقمي وذلك من خلال تواجد أفراد الأسرة في إطار واحد وسقف واحد إلا أن كل فرد من هذه العائلة يعيش في جزيرة منفصلة. وسرد قصة رجل سافرت زوجته شهرا كاملا إلى بلدها، فيما بقي الابن منشغلا بالهاتف والتلفزيون وألعاب “البلايستيشن”، ولم يعلم خلال هذه الفترة بسفر أمه ولا بعودتها، ولم ينتبه إلا حين جلس إلى المائدة وسمع أخاه الأكبر يقول لها “الحمـد لله على السلامة”. وتكشف هذه القصة كيف اتسعت دائرة التواصل مع العالم، بينما ضعفت داخل الأسرة نفسها.

وحذر الدكتور نبيل المريري من التحولات الاجتماعية التي تستهدف مفهوم الأسرة، قائلا إن الشكل التقليدي للأسرة، القائم على الزوج والزوجة والأبناء، بدأ يتراجع أمام صيغ جديدة لا تقوم على الزواج ولا على المسؤوليات. ولفت إلى أن ما كان في التسعينات وبداية الألفية الثانية في صورة قرارات أو مفاهيم أو دراسات أو بنود مكتوبة، أصبح اليوم حاضراً في أجهزة الهاتف. وضرب مثالا بشخصية مشهورة يتابعها نحو خمسمئة مليون شخص، ولديها أبناء من غير زواج، باعتبارها نموذجاً مؤثراً في الملايين. وأضاف أن هناك مؤسسات، وقادة في مجالات الفن والرياضة، وشخصيات عالمية، يدعمون هذه الأفكار والصيغ الجديدة لمفهوم الأسرة عبر التلفزيون والإذاعة ومنصات التواصل.

وأشار الدكتور نبيل إلى أن الإحصاءات تؤكد تراجع مؤسسة الأسرة التقليدية، وأن نسبة الزواج في الولايات المتحدة وأوروبا انحدرت إلى أقل من 50 في المئة، وأن العالم العربي يشهد أيضا تضاؤلا في موضوع الزواج وتكوين الأسرة تحت تأثير النماذج الجديدة التي تصل عبر الإعلام الرقمي.

واقترح الدكتور نبيل المريري مجموعة من الحلول شدد فيها على ضرورة إعادة النظر في ما يبث على وسائل التواصل الاجتماعي، وعلى المسؤولية الكبيرة الملقاة على عاتق المؤسسات الاجتماعية والتعليمية والدينية للقيام بدور التوعية، منوها إلى وجوب إنتاج محتوى رقمي ينافس المحتوى الذي ينقل الأشكال السلبية أو الجديدة للأسرة. ودعا إلى عدم الاكتفاء بوصف التحول الأسري في الغرب بأنه انحلال أخلاقي أو بعد روحي لأن وراءه تحولات اقتصادية واجتماعية وثقافية ينبغي دراستها.

 وأضاف إن المجتمعات العربية والإسلامية مطالبة بدراسة التجربة الغربية وتحولاتها دراسة علمية منهجية، لتضع حلولا تحمي مجتمعاتها، لأن الاكتفاء بالقول إن في الدين الحنيف نموذجا صالحا للأسرة لا يكفي ما لم يصاحبه فهم لأسباب الظاهرة ووسائل مواجهتها، واستحضر نظرية “الغرس الثقافي”، موضحا أن كثرة التعرض لوسائل الإعلام تجعل المحتوى، مهما كان شاذا، مقبولا مع الوقت بفعل التكرار وكثافة الرسالة الإعلامية.

وختم الدكتور نبيل المريري مشاركته في ندوة “تحديات الواقع وبناء المرونة الأسرية: رؤية اجتماعية وتربوية لتعزيز التماسك والاستقرار الأسري” بالتنبيه إلى خطورة وسائل التواصل الاجتماعي، مشيرا إلى أن عدد مستخدميها يتجاوز 5.7 مليار مستخدم، مما يجعل التحدي المتصل بها أكبر وأشد أثرا على الأسرة.