تعد نعمة استقرار الأمن من أعظم المنن الإلهية التي تقوم عليها سعادة البشرية واستقامة الدين والدولة. في هذا المقال، نستعرض تأصيل مفهوم الأمن في الإسلام وكيف كفلت الشريعة المحافظة عليه كضرورة قصوى.

المقاصد الشرعية والمحافظة على الضروريات الخمس

لقد تكفلت جميع الشرائع السماوية للإنسان والمجتمع برعاية الضرورات الخمس أو الكليات الخمس والمحافظة عليها؛ إذ لا مرية في كونها ضرورية الرتبة والمكانة عقلاً وسمعاً وإجماعاً. قال الشاطبي: “اتفقت الأمة، بل سائر الملل، على أن الشريعة وضعت للمحافظة على الضروريات الخمس، وهي: الدين، والنفس، والنسل، والمال، والعقل. وعلمها عند الأمة كالضروري”[1].

ونصوص الشريعة مع قواعدها ومقاصدها العامة والخاصة تمنع الانتهاك بها، وتسد كل وسيلة تؤدي إلى العبث بها أو التفريط في شأنها في كافة المجالات، إلا أنه لا يتم ولا تتحقق المحافظة على تلك الضروريات إلا في ظل استقرار الأمن والأمان. وعرّف الأصفهاني في كتابه (المفردات) الأمن بأنه: “طمأنينة النفس وزوال الخوف، والأمن والأمانة والأمان في الأصل مصادر، ويُجعل الأمان تارة اسماً للحالة التي يكون عليها الإنسان في الأمن، وتارة اسماً لما يؤمن عليه الإنسان”[2].

تقديم طلب الأمن على الرزق في دعاء الخليل

وعليه، يكون حفظ الدين، والنفس، والنسل، والمال، والعقل مرهوناً بوجود الأمن والاستقرار، وهذا من أسرار تقديم نبي الله إبراهيم طلب الأمن من الله تعالى على طلب الرزق من المأكل والمشرب، كما في قوله عز وجل: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ} (البقرة: 126)؛ لأنه متى سُلب الأمن وفُقد الاستقرار فإنه ستحل محلهما الفوضى لا محالة، وستتعطل مصالح الناس وتضطرب المجتمعات، فيتربع الخوف وأخواته من الجوع، والبغي، والتعدي، والظلم، وضياع الحقوق، وانتهاك الأعراض، ويفشو الخراب والدمار والرعب وغيرها من الاضطرابات والفتن، مما يعبر عن مدى عظم نعمة الأمن والاستقرار وأنهما ركيزة أساسية في قيام الدين والدولة واستقامة الحياة السعيدة.

هدي السنة النبوية في طلب العافية والأمن

وفي حديث ابن عمر قال: لم يكن رسول الله يدع هؤلاء الدعوات حين يمسي وحين يصبح: “اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي، اللهم احفظني من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي”[3]. وروي عن طلحة بن عبيد الله أن النبي كان إذا رأى الهلال قال: “اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، ربي وربك الله[4]. فالأمن والإيمان والسلامة والإسلام تعبيرات عن أهمية هذه النعمة ومنزلتها في دين الناس ودنياهم.

كيف يتحقق دوام واستقرار الأمن؟

أهم ما يحقق استقرار الأمن هو الإيمان بالله قلباً وقالباً، والبعد عن الشرك وذرائعه؛ وقد ذكّر الله الناس بهذه النعمة في مواضع كثيرة من القرآن، وبيّن أن شكرها يكون بعبادته وحده والابتعاد عن الكفر والجحود، كما أرشد النبي إلى قيمته والمحافظة عليه بطاعة الله تعالى في أمره ونهيه سبحانه وتعالى.

أهم 4 مظاهر لنعمة الأمن والاستقرار

في البلد الذي يسوده الأمن والاستقرار تظهر آثار إيجابية في كل جوانب الحياة، ومن أهمها:

  1. أداء العبادات بكامل الحرية وطمأنينة النفس: حيث يستطيع الإنسان ممارسة عباداته وأداء واجباته الدينية وإقامة شعائره دون خوف أو تضييق، لأنه في بيئة يسودها الأمن والطمأنينة، كما قال الله تعالى {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ}: [قريش: 3-4] إشارة إلى الأمن الذي حظيت به البيئة والأجواء التي تنعم بالاستقرار.
  2. الحياة الطيبة: من مظاهر آثار الأمن والاستقرار أن يرى الناسُ في ليلهم لباساً، وفي نومهم سباتاً، وفي نهارهم معاشاً، وهم مطمئنون في حياتهم اليومية الطبيعية؛ يتنقلون من مكان إلى آخر دون خوف أو قلق أو اعتداء أو ظلم، بل في أمان وحفظ للأنفس وصيانة للدماء.
  3. استقرار الأسرة والمجتمع: يتميز مستوى الأسرة في بيئة آمنة ومستقرة بتحقيق المودة والرحمة والترابط بين أفرادها، وإيجاد مجتمعات متماسكة يسودها التعاون والاحترام، وتعين البيئة الآمنة على تربية الأبناء تربية صالحة تقوم على الإيمان والأخلاق والقدوة الحسنة، ومن ثم تسهم في بناء مجتمع صالح ومستقبل أفضل للأمة.
  4. ازدهار الاقتصاد والتجارة: في ظل استقرار الأمن يستطيع الناس التفكير في الإنتاج والابتكار وممارسة نشاط الأعمال والتجارة والاستثمار والصناعة، وغيرها من المجالات التي تصب في تقدم وازدهار الحياة الاقتصادية وتنمية البلاد والرخاء للمجتمع كما دل على ذلك الواقع المشاهد.

والأمن أساس كل حضارة قوية؛ لأن به تُهيأ البيئة المناسبة للعلم والعمل والإبداع، وتنتشر به روح التعاون والتكافل، وتحققت به حماية الممتلكات العامة والخاصة، فيا لها من نعمة!

أنواع الأمن في الإسلام

يتبين من خلال ما سبق أن مفهوم الأمن واسع في الإسلام ومتنوع النطاق، ومن أشهر أنواعه بإيجاز:

  • الأمن الديني: هو أصل أصيل للأمن كله، ونعمة لا نعمة أجلّ وأعظم منها؛ فالمسلم الذي يعتقد عقيدة صحيحة كان مصدرها الكتاب والسنة الثابتة، ثم يأمن فيها من الطعن والتلبيس فقد فاز فوزاً عظيماً. {الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ} [الأنعام: 82] أي الإيمان الصحيح سبيل لتحقيق الأمن الدائم وسعادة الهداية.
  • الأمن النفسي: الأمن الديني هو الذي يؤدي إلى منحة السكينة وراحة البال، ويحقق طمأنينة القلب حق الطمأنينة، ويبعد عن النفس الخوف والقلق والانزعاج والاضطراب، كما قال الله تعالى {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28]. وكانت الآية قاعدة مطردة في أن ذكر الله هو البوابة الوحيدة لتحقيق الطمأنينة الداخلية والسكينة النفسية الحقيقية.
  • الأمن الاجتماعي: وجود الوازع الديني القوي بين الأفراد هو الذي يُخيم بظلال الأمن على المجتمع، حتى يأمن فيه الناس على دمائهم وأعراضهم وأموالهم. وروى مسلم من حديث جابر أنه سمع رسول الله يقول: “المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده[5]. وزاد في رواية عند الترمذي وغيره: “والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم[6]. ومعلوم أن من سلم المسلمون من لسانه ويده سيكون مأموناً على الدماء والأموال؛ ويكف الأذى عن الآخرين، وإذا وجد هذا الوازع الديني في المجتمع فإنه يصيره مجتمعاً آمناً
  • الأمن الأسري: كل أسرة تعيش في أمن ديني ونفسي واجتماعي فهي أسرة سعيدة، ستحيا في حالة استقرار ومودة ورحمة واحترام متبادل، ويكون كل أفراد الأسرة في أمان وشعور بالطمأنينة، وقال الله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا} [الروم: 21].
  • الأمن الاقتصادي والوطني: هو حالة استقرار الدولة المالي والمعيشي العام الذي يمكن الدولة من توفير الاحتياجات الأساسية للناس بشكل آمن ومستمر، وفي الوقت نفسه تتمكن الدولة من مواجهة الأزمات الاقتصادية. وقد قال : “من أصبح منكم آمناً في سربه معافى في جسده عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا”[7].
  • الأمن الفكري: هو سلامة عقل المجتمع ومعتقده من التطرف أو الانحراف والانحلال، وعدم التبعية لسلوك الآخرين، والحرص على ترسيخ الأفكار والقيم الدينية الصحيحة التي تعين على حفظ استقرار أمن المجتمع، والبعد عن الانسياق جراء القيل والقال المضر بالعقل والفكر والسلوك.

تحريم ترويع المسلم والعبث بالأمن

عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: حدثنا أصحاب محمد أنهم كانوا مع رسول الله في مسير، فنام رجل منهم فانطلق بعضهم إلى نبل معه فأخذها، فلما استيقظ الرجل فزع فضحك القوم، فقال النبي : “ما يضحككم؟” قالوا: لا، إلا أنا أخذنا نبل هذا ففزع، فقال النبي : “لا يحل لمسلم أن يروع مسلماً”[8]. وعلق عليه الطحاوي قائلاً: “فكان ذلك تحريماً منه لمثل ذلك”[9]؛ ودل على وجوب صيانة مشاعر الإنسان وأمنه، وهذا يشمل المزاح والجد إذا كان فيه تخويف أو إيذاء، سواء كان إيذاءً نفسياً أو جسدياً، وكله حرام في جميع الأحوال.

وهكذا شدد الإسلام على صيانة الأرواح وحماية المجتمع من أي مساس بالسوء حتى يعيش الناس في أمن وأمان وسلام، وحذر من كل تصرف يبث الرعب والخوف في النفوس، حتى إنه جعل مجرد سباب المسلم نوعاً من أنواع الفسق، كما عد قتاله من الكفر، بل توعد من يشير بالسلاح في وجه أخيه بلعن الملائكة؛ كما في قول النبي : “من أشار إلى أخيه بحديدة؛ فإن الملائكة تلعنه حتى يدعها، وإن كان أخاه لأبيه وأمه”[10].

يدل كل هذا على تحريم تخويف المسلم أو ترويعه بأي صورة من الصور، وإذا كان الإسلام قد حرم مجرد ترويع المسلم أو الإشارة إليه بالسلاح، فإن الاعتداء عليه أو قتله أعظم جرماً وأشد حرمة، مما يبرز عظمة حرمة أمن المسلم، وأن استقرار الأمن مقصد ديني أصيل، ومسؤولية للجميع، وكلٌّ بحسبه.

وقال النووي رحمه الله: “هذا مبالغة في إيضاح عموم النهي في كل أحد، سواء من اتهم فيه ومن لا يُتهم، وسواء كان هذا هزلاً ولعباً أم لا”[11]؛ ولأنه قد يؤدي إلى أذى أو قتل بغير قصد، ولذا قال عليه الصلاة والسلام: “لا يُشر أحدكم إلى أخيه بالسلاح فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزع في يده فيقع في حفرة من النار”[12].

وأمر النبي عليه الصلاة والسلام بوجوب الاحتياط وأخذ الحذر عند حمل السلاح – وما يشبهه – في الأماكن العامة سداً للذرائع المفضية إلى الضرر قبل وقوعه. وقال عليه الصلاة والسلام: “إذا مر أحدكم في مسجدنا أو في سوقنا ومعه نبل فليمسك على نصالها -أو قال: فليقبض بكفه- ألا يصيب أحداً من المسلمين منها بشيء”[13].

يدل كل هذا على تحريم تخويف المسلم أو ترويعه بأي صورة من الصور وعدم تعريضه للخطر ولو احتمالاً، وإذا كان الإسلام قد حرم مجرد ترويع المسلم أو الإشارة إليه بالسلاح، فإن الاعتداء عليه أو قتله أعظم جرماً وأشد حرمة، مما يبرز عظمة حرمة أمن المسلم في نفسه وعرضه، وخطورة الاعتداء على أمن المجتمع، وأن استقرار الأمن مقصد ديني أصيل، ومسؤولية للجميع، وكلٌّ بحسبه.