هذه جملٌ يسيرةٌ مختصرةٌ في بيان هدي النبي في رمضان، جمعتها من كتب السنّة المعتمدة، أقدّمها لإخوانـي وأخواتي تذكيرًا بهدي النبي ، ودعوةً للعمل بها.

وغرضي بيانُ ما جاء عن النبيّ من أقوال وأفعال أو تقريرات، وليس بيان أحكامها من إيجاب، أو ندب، أو إباحة، إلا عند الحاجة. وسأوجز الكلام في إحدى وعشرين مسألة، راجيا من الله التوفيق والقبول.

1- كان من هدي النبي في رمضان التبشير بحلول شهر رمضان والتعريف بفضله

لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : “أتاكم رمضان، شهر مبارك، فرض الله عليكم صيامه، تفتّح فيه أبواب الجنة، وتغلّق فيه أبواب الجحيم([1])، وتغلُّ فيه مردة الشياطين، وفيه ليلة هي خير من ألف شهر، مَن حرم خيرها فقد حرم”. [أحمد والنسائي واللفظ له].

وبلفظ آخر: (إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين). [مالك ومسلم].

وفي رواية عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : “إذا كان أوّل ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين ومردة الجنّ، وغلّقت أبواب النار، فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة، فلم يغلق منها باب، وينادي مناد: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشرّ أقصر([2])، ولله عتقاء من النار، وذلك كل ليلة”. [الترمذي وابن ماجه. انظر: صحيح الجامع وصحيح ابن ماجه].

تنبيه:

ما يُروّج على المنابر وكراسي الوعظ من حديث سلمان رضي الله عنه قال: خطبنا رسول الله في آخر يوم من شعبان فقال: “أيّها الناس قد أظلّكم شهر عظيم، شهر مبارك، شهر فيه ليلة خير من ألف شهر جعل الله صيامه فريضة، وقيام ليله تطوّعا، مَن تقرّب فيه بخصلة من الخير كان كمن أدّى فريضة فيما سواه، ومَن أدّى فيه فريضة كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه، وهو شهر الصبر والصبر ثوابه الجنّة، وشهر المواساة، وشهر يزداد فيه رزق المؤمن، مَن فطر فيه صائمًا كان مغفرة لذنوبه وعتق رقبته من النار، وكان له مثل أجره من غير أن ينتقص من أجره شيء.

قالوا ليس كلّنا نجد ما يفطر الصائم فقال: يعطي الله هذا الثواب من فطر صائمًا على تمرة أو شربة ماء أو مذقة لبن، وهو شهر أوّله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار، من خفف عن مملوكه غفر الله له وأعتقه من النار، واستكثروا فيه من أربع خصال: خصلتين ترضون بهما ربكم، وخصلتين لا غنى بكم عنهما؛ فأما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم فشهادة أن لا إله إلا الله، وتستغفرونه، وأما اللتان لا غنى بكم عنهما فتسألون الله الجنة وتعوذون به من النار، ومن أشبع فيه صائما سقاه الله من حوضي شربة لا يظمأ حتى يدخل الجنة”.

فهذا الحديث رواه ابن خزيمة وقال: (إن صحّ الخبر). والحقّ أنّ الخبر غير صحيح، بل هو منكر تفرّد به عليّ بن زيد بن جدعان وهو ضعيف، وفي إسناد ابن خزيمة أيضا يوسف بن زياد وهو ضعيف جدا كما قال الحافظ ابن حجر([3]).

2- ومن هديه أن لا يدخل في صوم رمضان إلا برؤية محقّقة، فإن لم تكن رؤية أكمل عدّة شعبان

فقد صحّ من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله يقول: “إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غمّ عليكم فقدروا له”. [الشيخان].

وفي رواية لمسلم: “فاقدروا ثلاثين”. وفي رواية له: “فإذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن أغمي عليكم فاقدروا له”. وفي رواية: “فإن غبي عليكم فأكملوا العدّة”. وفي رواية: “فإن أغمي عليكم الشهر فعدّوا ثلاثين”. هذه الروايات في صحيح مسلم.

وفي رواية عند البخاريّ: “فإن غبي عليكم فأكملوا عدّة شعبان ثلاثين”.

وقوله : “إنّا أمّة أميّة لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا”، فيه وصف لحال الأمّة من نفي للكتابة والحساب لا نهي عنهما كما قد يفهمه بعض الناس.

قال الإمام ابن تيمية: (قوله “إنّا أمة أمية”، ليس هو طلبًا، فإنّهم أمِّيُّون قبل الشريعة كما قال الله تعالى ﴿هو الذي بعث في الأمّـيّين رسولاً منهم﴾ وقال سبحانه: ﴿ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ﴾، فإذا كانت هذه صفة ثابتة لهم قبل المبعث لم يكونوا مأمورين بابتدائها).

والخطاب في الحديث عام وإن كان في الأمّة في زمانه من يكتب ويقرأ، بل اتخذ كتّابا للوحي، فلم يكن المراد من الحديث بقاء هذه الأمة على أمّيّتها، ولا أفاد الترغيب في ذلك. بل زالت تلك الحال التي كان عليها العرب بنزول القرآن الداعي والآمر بالتعلم والقراءة في آيات، ما يدلّ على ذمّ استمرار تلك الأميّة.

3- النهي عن تقدّم رمضان بصيام يوم أو يومين

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي قال: “لا يتقدّمنّ أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين إلّا أن يكون رجل كان يصوم صومه فليصم ذلك اليوم”. [متفق عليه واللفظ للبخاري].

فلا يصوم أحدٌ يومًا أو يومين قبل رمضان بقصد الاحتياط له؛ لأنّ صيام رمضان معلّق بالرؤية فلا مسوغ للاحتياط له، أمّا إذا كان على سبيل العادة لا يريد تركها فلا بأس، وكذلك إذا كان قضاءً أو نذرًا لوجوب ذلك.

قال ابن بطال: (ذهبت طائفة إلى أنّه لا يجوز أن يصام آخر يوم من شعبان تطوعًا إلا أن يوافق صومًا كان يصومه، وأخذوا بظاهر هذا الحديث، وروي ذلك عن عمر وعلي وعمار وحذيفة وابن مسعود، ومن التابعين سعيد بن المسيب، والشعبي، والنخعي، والحسن، وابن سيرين، وهو قول الشافعي، وكان ابن عباس، وأبو هريرة يأمران أن يفصل بين شعبان ورمضان بفطر يوم أو يومين، كما استحبوا أن يفصلوا بين صلاة الفريضة والنافلة بكلام أو قيام وتقدم أو تأخر)([4]).

قال الترمذي: (العمل على هذا عند أهل العلم، كرهوا أن يتعجل الرجل بصيام قبل دخول رمضان لمعنى رمضان، وإن كان رجل يصوم صوما فوافق صيامه ذلك فلا بأس به عندهم)([5]).

4- تبييت النية ليلة الصيام

وعقد النية للصيام يكون من الليل قبل الفجر، والنية هي القصد والعزم إلى الفعل، وليس من شرط ذلك التلفّظ بالنية إذ لم يصحّ في ذلك شيء، بل يكفي استجماع القلب والقصد إلى فعل عبادة الصيام فرضًا، وكلّ ذلك محلّه القلب.

فعن حفصة رضي الله عنها أن النبي قال: “من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له”. [النسائي والبيهقي..].

وبلفظ آخر موقوفا على حفصة رضي الله عنها: “من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له”. [أبو داود والنسائي وابن خزيمة].

ولحديث عمر رضي الله عنه: قال: قال رسول الله : “إنما الأعمال بالنيات… الحديث”. [الستة].

5- عدم اشتراط الطهارة في الصيام

فليس من شرط الصيام أن يكون الصائم على طهارة صغرى أو كبرى، فمن أصبح حنبًا من جماع أو احتلام فصيامه صحيح ولا قضاء عليه، وكذلك من نام نهار رمضان فاحتلم فصيامه صحيح كذلك، أما إن تعمد ذلك في نهار رمضان فقد أفسد صومه، ويخرج من هذا الحائض والنفساء بالإجماع.

فعن عائشة رضي الله عنها قالت: “قد كان رسول الله صلى عليه وسلم يدركه الفجر في رمضان وهو جنب من غير حُلُم، فيغتسل ويصوم. [مسلم].

وفي رواية عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله يصبح جنباً من جماع لا من حلم([6]) ثم لا يفطر ولا يقضى). [مسلم].

توضيح:

دلّ الحديث على أنّ النبيّ كان يأتـي أهله في رمضان ويصبح جنبًا ثم يغتسل، فليس فـي هذا ما يناقض الحثّ على العبادة وقيام الليل.

قال القرطبي: (فـي هذا فائدتان إحداهما: أنّه كان يجامع في رمضان ويؤخّر الغسل إلى بعد طلوع الفجر بيانًا للجواز. والثاني: أنّ ذلك كان من جماع لا من احتلام؛ لأنّه كان لا يحتلم إذ الاحتلام من الشيطان وهو معصوم منه)([7]).

وفعله مؤكد لمعنى الآية في قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ ۚ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ ۗ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ ۖ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ۚ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ۖ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ۚ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 187].

قلت: ولا يُفهم من هذه الأحاديث أنّه كان يهجر العبادة والقيام من أجل الجماع، بل ذلك كان يقع بعد القيام والعبادة، وكان يتـرك الجماع في العشر الأواخر كما دلّت عليه الأحاديث.

ومن ذلك عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله إذا دخل العشر أحيا الليل، وأيقظ أهله، وجدَّ وشدَّ المئزر([8])).[الشيخان]. وعند البخاريّ: “شد مئزره”.

وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن (رسول الله كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان). [الشيخان]، وقد قال تعالى: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾.

6- ترك المبالغة في الاستنشاق عند الوضوء

لحديث عاصم بن لقيط بن صبرة عن أبيه قال: يا رسول الله أخبرني عن الوضوء. قال: “أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً”. [رواه الأربعة…].

وفيه أنّ المبالغة في الاستنشاق للصائم مظنّة دخول الماء إلى حلقه، وهذا إن حصل كان من المفطرات، فليتجنّب.

7- الإكثار من أنواع العبادات كالجود ومدارسة القرآن

لـِما جاء عن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال: (كان رسول الله أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كلّ ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلَرسول الله أجود بالخير من الريح المرسلة). [متفق عليه].

وفي لفظ: “كان النبي أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل وكان جبريل عليه السلام يلقاه كل [في كل] ليلة في رمضان حتى ينسلخ يعرض عليه النبيُّ القرآن… الحديث”. [البخاري].

وفي رواية أبي هريرة قال: (كان يعرض على النبيِّ القرآن كل عام مرة، فعرض عليه مرتين في العام الذي قبض فيه، وكان يعتكف كل عام عشرا فاعتكف عشرين في العام الذي قبض فيه). [البخاري].

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: “كن أزواج النبي عنده لم يغادر منهن واحدة، فأقبلت فاطمة تمشي ما تخطئ مشيتها من مشية رسول الله شيئا، فلما رآها رحب بها فقال: “مرحبا بابنتي”، ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله ثم سارّها فبكت بكاء شديدا، فلما رأى جزعها سارّها الثانية فضحكت.

فقلت لها: خصك رسول الله من بين نسائه بالسرار ثم أنت تبكين؟ فلما قام رسول الله سألتها: ما قال لك رسول الله ؟ قالت: ما كنت أفشي على رسول الله سرّه.

قالت: فلما توفي رسول الله ، قلت: عزمت عليك بما لي عليك من الحق لما حدثتني ما قال لك رسول الله ؟ فقالت: أما الآن فنعم، أما حين سارني في المرة الأولى فأخبرني أن جبريل كان يعارضه القرآن في كل سنة مرة أو مرتين([9])، وإنّه عارضه الآن مرتين، وإنـي لا أرى الأجل إلا قد اقترب فاتقي الله واصبري، فإنّه نعم السلف أنا لك”.

قالت: فبكيت بكائي الذي رأيت. فلما رأى جزعي سارني الثانية فقال: “يا فاطمة أما ترضي أن تكوني سيدة نساء المؤمنين أو سيدة نساء هذه الأمة؟” قالت فضحكت ضحكي الذي رأيت.

وقوله : “أن جبريل كان يعارضه القرآن …” قال الحافظ ابن حجر: (والمعارضة مفاعلة من الجانبين كأن كلا منهما كان تارة يقرأ والآخر يستمع)([10]).

فوائد حديثية:

دلّ حديث ابن عباس رضي الله عنهما على خُلقٍ من أخلاقه وهو “الجود”، فكان أجود الناس في سائر حياته، لكنّه يكون أجود في رمضان وحين يلقى جبريل.

فزيادة جوده كان بسبب رمضان وملاقاة جبريل ومدارسته للقرآن، ولا يريد ابن عباس وصف جوده بقدر ما أراد بيان موجب جوده هذا.

قال العيني: (… ولما كان ابن عباس رضي الله عنهما في صدد بيان أقسام جوده على سبيل تفضيل بعضه على بعض، أشار فيه إلى بيان السبب الموجب، لا على جوده، وهو كونه في رمضان، وملاقاته جبريل)([11]).

وقال القاضي عياض: (هذا بحكم تجديد الإيمان واليقين في قلبه بملاقاة([12]) الملك وزيادة ترقيه في المقامات، وعلو الدرجات، بمناقشته ومدارسته للقراَن معه)([13]).

التشبيه بالريح المرسلة من جهتين: الأولى في سرعتها. والثانية: في عمومها([14]). فجوده كان سريعا وعامّا لكلّ من يستحقّه.

نزول جبريل في رمضان لتلاوة القرآن ومدارسته مع النبي بيان لفضل تلاوة القرآن في رمضان، وهذا أصل تلاوة الناس للقرآن في كلّ رمضان، تأسّيًا بالنبي ، ومعنى مدارسة جبريل للنبي عليه الصلاة والسلام فيه، لأنّه الشهر الذى أنزل فيه القرآن([15]).

و(فيه جواز المبالغة في التشبيه، وجواز تشبيه المعنوي بالمحسوس ليقرب لفهم سامعه؛ وذلك أنه أثبت له أولا وصف الأجودية، ثم أراد أن يصفه بأزيد من ذلك فشبه جوده بالريح المرسلة، بل جعله أبلغ في ذلك منها؛ لأن الريح قد تسكن.

وفيه الاحتراس؛ لأنّ الريح منها العقيم الضارة، ومنها المبشّرة بالخير، فوصفها بالمرسلة ليعيّن الثانية، وأشار إلى قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا﴾ [الأعراف: 57]، فالريح المرسلة تستمر مدّة إرسالها، وكذا كان عمله في رمضان ديمة لا ينقطع…

وفيه أنّ مداومة التلاوة توجب زيادة الخير..

وفيه أنّ ليل رمضان أفضل من نهاره، وأنّ المقصود من التلاوة الحضور والفهم؛ لأنّ الليل مظنّة ذلك لما في النهار من الشواغل والعوارض الدنيوية والدينية….

وفيه استحباب تكثير العبادة في آخر العمر)([16]).

8- وكان يواصل في الصيام أحيانا ليوفّر ساعات ليله ونهاره للعبادة

والوصال هو الامتناع عن الأكل والشرب يومين فأكثر، وقد فعل ذلك النبي ، ومنعه على أصحابه وأمّته ونهاهم عنه رحمة بهم.

فعن حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الوصال في الصوم، فقال له رجل من المسلمين: إنّك تواصل يا رسول الله. قال: و”أيّكم مثلي؟، إنّـي أبيت يطعمني ربي ويسقيني”، فلما أبوا أن ينتهوا الوصال في الصوم([17])، واصل بهم يوماً، ثم يوماً، ثم رأوا الهلال، فقال: “لو تأخّر لزدتكم”. كالتنكيل لهم حين أبوا أن ينتهوا). [متفق عليه].

وليس قوله “يطعمني ربي ويسقيني” على الحقيقة؛ لأن ذلك يخرجه عن كونه صائمًا، فقوله: (“يطعمني ويسقيني” مجاز عن لازِم الطعام والشراب، وهو القوّة.

فكأنه قال: يعطيني قوّة الآكِل والشارِب، ويُفيض عليّ ما يَسِدّ مَسَدّ الطعام والشراب، ويَقْوَى على أنواع الطاعة من غير ضعف في القوة، ولا كِلال في الإحساس. أو المعنى: إنّ الله يخلق فيه مِن الشبَع والرّيّ ما يغنيه عن الطعام والشراب، فلا يحسّ بجوع ولا عطش)([18]). اهـ .

لكن رخصّ في الوصال إلى السحَر، كما جاء في حديث أبي سعيد أنّه سمع النبي يقول: “لا تواصلوا، فأيّكم إذا أراد أن يواصل فليواصل حتى السّحر”، قالوا: فإنّك تواصل يا رسول الله، قال: “إنِّي لست كهيئتكم، إنِّي أبيت لي مطعم يطعمني وساق يسقيني”. [البخاري].

وهذا الحديث يدلّ على جواز تأخير الإفطار إلى السحَر، ولكن الأولى المبادرة إلى فعل السنّة، وهو التعجيل بذلك.

9- السحور والحض على تأخيره

وكان من هدي النبي في رمضان السحور والحض على تأخيره([19])، لِما جاء من حديث أنس رضي الله عنه أن النبي قال: “تسحّروا؛ فإنّ في السحور بركة”. [الشيخان].

ومن حديث أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله : “السحور كله بركة، فلا تدعوه ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء، فإنّ الله عز وجلّ وملائكته يصلون على المتسحّرين”. [أحمد].

ومن حديث ابن عمر قال: قال رسول الله : “إن الله وملائكته يصلون على المتسحّرين”. [الطبرانـي في الأوسط وابن حبان في صحيحه].

وعن عمرو بن العاص رضي الله عنه أنّ رسول الله قال: “فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أَكلة السحَر. [مسلم].

وعن أبي الدرداء رضي الله عنه أنّ النبي قال: “ثلاث من أخلاق النبوّة: تعجيل الإفطار، وتأخير السحور، ووضع اليمين على الشمال في الصلاة”. [الطبراني].

قال الحافظ ابن حجر: (البركة في السحور تحصل بجهات متعدّدة وهي اتباع السنّة، ومخالفة أهل الكتاب والتقوّي به على العبادة، والزيادة في النشاط، ومدافعة سوء الخلق الذي يثيره الجوع، والتسبّب بالصدقة على من يسأل إذ ذاك أو يجتمع معه على الأكل، والتسبب للذكر والدعاء وقت مظنة الإجابة وتدارك نية الصوم لمن اغفلها قبل أن ينام)([20]).

مزيد توضيح:

جاء في حديث عمرو بن العاص: “فصْل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحور” ففيه دلالة مهمة على عقيدة البراء والتميز عن أهل الكتاب، فإنّهم لم يكونوا يتسحّرون، فجعل النبيّ السحور مخالفة لهم.

ويزيد على ذلك أن الملائكة يصلون على المتسحرين، فبان من هذا أن للسحور بعدا عقائديا إيمانيا، وليس فقط للاستعانة به على الجوع، بل لو كان كذلك لما حثنا النبي على الحرص عليه ولو بجرعة ماء، فليس الغرض منه إذن الأكل والشبع كما قد يظن الناس.

فائدة:

قال ابن أبي جمرة: (كان ينظر ما هو الأرفق بأمّته فيفعله؛ لأنّه لو لم يتسحَّرْ لاتَّبعوه فيَشِقُّ على بعضهم، ولو تسحَّر في جوف الليل لَشقَّ أيضاً على بعضهم ممن يغلب عليه النوم، فقد يُفْضي إلى ترك الصبح، أو يحتاج إلى المجاهدة بالسَّهَر، وقال: فيه أيضاً تقويةٌ على الصيام لعموم الاحتياج إلى الطعام، ولو ترك لَشَقَّ على بعضهم)([21]).

والسحور المقصود به في الحديث فترة زمنية معلومة، وهي ما بين الفجر الكاذب والفجر الصادق أو هو سدس الليل الأخير، وقيل الفترة ما بعد الثلث الأخير من الليل وقيل بعد منتصف الليل، والذي تميل إليه النفس هو القول الأول، ولا يبعد القول الثاني.

ومعنى هذا أنّ الأجر الحاصل من السحور مرتبط بزمن معين، وليس كما يفعله كثير من الناس يستأنف الأكل بعد منتصف الليل ظنّا منه أنّه قد وافق هديه في سحوره.

وقد علمنا أنّ سحور النبيّ إنما كان قبل صلاة الفجر بدقائق معدودة، قدّرت بخمسين آية أو ستّين، كما جاء في حديث أنس عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: “تسحّرنا مع النبي ثم قام إلى الصلاة. قلت: كم كان بين الأذان والسحور؟ قال: قدر خمسين آية”. [البخاري].

وفي لفظ: عن أنس أنّ زيد بن ثابت حدثه: “أنهم تسحّروا مع النبي ثم قاموا إلى الصلاة. قلت كم بينهما؟ قال قدر خمسين أو ستين يعني آية”. [البخاري].

وفي لفظ آخر عن أنس بن مالك أنّ النبي وزيد بن ثابت تسحّرا، فلما فرغا من سحورهما قام نبي الله إلى الصلاة، فصلى. قال قتادة: قلنا لأنس: “كم كان بين فراغهما من سحورهما ودخولهما في الصلاة؟ قال: قدر ما يقـرأ الرجل خمسين آية”. [البخاري].

فتحصّل من هذه الألفاظ: أنّ قدر ما بين سحور النبيّ والأذان خمسين آية، وفي اللفظ الآخر بين السحور والصلاة.

الصحيح أنّ ذلك القدر كان بين السحور والأذان بدليل رواية أخرى عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال النبي : “إنّ بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا([22]) حتى يؤذن- أو قال حتى تسمعوا- أذان ابن أم مكتوم”، وكان ابن أم مكتوم رجلا أعمى لا يؤذن حتى يقول له الناس أصبحت. [متفق عليه] .

فوائد حديثية:

  • حدّد المدة الزمنية بقدر ما يقرأ خمسين آية أو ستين، ولم يقدرها بأمر آخر كما هو معهود العرب كأن يقولوا: قدر نحر جزور، أو قدر حلب شاة، لأن العبادة القائمة في شهر رمضان هي قراءة القرآن([23]).
  • وقال القرطبي: فيه دلالة على أنّ الفراغ من السحور كان قبل طلوع الفجر([24]).

تنبيه:

تمسّك بعض الناس بخبر حذيفة رضي الله عنه الذي رواه أحمد والنسائي وابن ماجه من طريق عن زرّ بن حبيش قال: قلت لحذيفة: “أي ساعة تسحّرتم مع رسول الله ؟ قال: “هو النهار إلّا أنّ الشمس لم تطلع“.

غير أن الإمام النسائي رجح وقفه. قال: (لا نعلم أحداً رفعه غير عاصم)([25]). ونقل ابن القيم في حاشيته على سنن أبي داود أنه معلول، وعلّته الوقف، وأنّ زرَّ بنَ حبيش هو الذي تسحّر مع حذيفة([26]).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية على-فرض ثبوته-: (… وهكذا في الإباحات، كما استباح أبو طلحة أكل البَرد وهو صائم، واستباح حذيفة السحور بعد ظهور الضوء المنتشر حتى قيل هو النهار، إلّا أنّ الشمس لم تطل، وغيرُهما من الصحابة لم يقل بذلك، وجب الردّ إلى الكتاب والسنة)([27]).

وقال الشيخ عبد المحسن العباد في شرحه على سنن النسائي: (وأما قوله: “إلا أن الشمس لم تطلع”، فإنه لا يستقيم من جهة أن السحور إنما تعقبه الصلاة، ومن المعلوم أنّ النبيّ كان من هديه أنه يصليها بغلس، وكان يعجّل الصلاة بعد دخول وقتها، وهذا الحديث معناه: أنّ الصلاة تكون بعد ذلك، ومن المعلوم أن النبي ما كان يؤخر الصلاة؛ لأن الشمس لم تطلع، معناه: أنهم أكلوا إلى هذه الغاية، وأن الصلاة بعد ذلك.

فالإشكال واضح، وهو لا يستقيم؛ ولعله إمّا أن يكون معلولا من جهة أنّ عاصم بن أبي النجود، لأنّه صدوق له أوهام، وهو حجّة في القراءة، أو من جهة أنّه مخالف للأحاديث الصحيحة الثابتة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، ومخالف لما جاء في القرآن، فلا يصحّ العمل بما جاء فيه من جهة أنّ الإنسان يأكل ويشرب إلى هذه الغاية، بل الأكل والشرب إنما يكون إلى طلوع الفجر، أو لصلاة الفجر، أي: الأذان الثانـي، فإنّه يجب الإمساك، ولا يجوز الأكل والشرب بعد ذلك.

ثم النسائي رحمه الله ذكر بعد ذلك أحاديث أو آثار موقوفة على حذيفة، وفيها أنّه كان رضي الله عنه يتسحّر ثم يقوم إلى الصلاة، وبين توقّفه عن الأكل والشرب ودخوله في الصلاة وقتًا يسيراً، وجاء أيضاً ذلك مبينا في حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه، أنه (كان السحور والصلاة مقدار قراءة خمسين آية)، فهذا كله يبيّن لنا عدم صحّة ما جاء في حديث حذيفة رضي الله عنه)([28]).

10- تعجيل الإفطار

‏ومن هدي النبي في رمضان تعجيل الإفطار([29]) لما جاء عن سهل بن سعد رضي الله عنه أنّ رسول الله قال: “لا يزال الناس بخير ما عجّلوا الفطر”. [متفق عليه].

ومن حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : “لا يزال الدين ظاهرًا([30]) ما عجّل الناس الفطر. لأن اليهود والنصارى يؤخّرون”. [أبو داود والحاكم وابن خزيمة].

فاحرص أخي المسلم على هذه السنّة فإنّ فيها بُعدًا عقديًّا إيمانيًّا وهو مخالفة اليهود والنصارى، وليس التعجيل لمجرّد التعجيل.

وصح عن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه أنّ النبي قال: “إذا أقبل الليل من ههنا، وأدبر النهار من ههنا، وغربت الشمس، فقد أفطر الصائم”. [الشيخان].

وعن أبي الدرداء- الذي سبق- أنّ النبي قال: “ثلاث من أخلاق النبوّة: تعجيل الإفطار، وتأخير السحور، ووضع اليمين على الشمال في الصلاة”. [الطبراني].

توضيح:

وهذا التعجيل الوارد في هذه الأحاديث لا ينحصر معناه على المبادرة إلى الفطر مع أول الأذان، بل قد يمتد التعديل إلى ما بعد صلاة المغرب ثم بعدها مباشرة يفطر من غير تأجيل.

وقد صح (أنّ عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان كانا يصليان المغرب حين ينظران إلى الليل الأسود قبل أن يفطرا، ثم يفطران بعد الصلاة، وذلك في رمضان). [مالك في الموطأ].

هذا الأثر يدلّ على أنّ التعجيل الوارد في الأحاديث يشمل أيضا الفطر بعد الصلاة مباشرة، وفِعل عمر وعثمان دليل على جواز تأخير الإفطار إلى ما بعد الصلاة، وفيه (بيان جواز تأخير الفطر لئلا يظنّ وجوب التعجيل)([31])، وعمر هو راوي حديث: “إذا أقبل الليل من ها هنا وأدبر النهار من ها هنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم”، فهو أعلم بما روى.

قال الإمام الباجي: (كان عمر وعثمان إذا رأيا سواد الليل في أفق المشرق تيقّنا غروب الشمس في أفق المغرب يشرعان في صلاة المغرب؛ لأنّه لا خلاف أنّ تعجيلها مشروع، فكانا يبدآن بالعبادة، فإذا فرغا من الصلاة أفطرَا، وليس هذا بتأخير للفطر؛ لأنّ التأخير إنّما كره ممن أخّره إلى اشتباك النجوم على وجه المبالغة، ولم يؤخر للمبادرة إلى عبادة)([32]).

ومن هنا يُعلم أن ما يعتقده بعض الناس من أن التعجيل إنما يكون مقترنا بأول تكبيرة المؤذن للمغرب، ويعدّون من أبطأ إلى نهاية الأذان فقد أساء، وأمّا من أخّر الإفطار إلى بعد الصلاة فقد خالف السنّة وابتدع، هو جهل بفقه السنّة وفقه الصحابة.

11- وكان يحضّ الصائم على الدعاء

فعن أبي هريرة رضي الله عنه يرفعه: “ثلاثة لا تردّ دعوتهم: الصائم حتى يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام، ويفتح لها أبواب السماء ويقول الربّ: وعزتـي لأنصرنّك ولو بعد حين. [الترمذي وقال: حسن. وابن خزيمة وابن حبان].

وفي رواية عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله : “ثلاثُ دعواتٍ لا تُرَدُّ: دعوةُ الوالد لولده، دعوةُ الصائم، ودعوةُ المسافر”. [البيهقي].

وعن عبد الله بن عمر بن الخطاب قال: “كان رسول الله إذا أفطر قال: ذهب الظمأ، وابتلّت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله. [أبو داود والنسائي]. أمّا لفظ: “اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت”، فضعيف.

فلك أن تدعو بما تراه خيراً، وليس للدعاء قبل الإفطار حدّ.

إرشاد:

جاء في القرآن الكريم في أثناء آيات الصيام الحثّ على الدعاء في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾. [البقرة: 186].

وهذه الآية جاءت بعد قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. [البقرة: 185]. ما يشير إلى أدب في الدعاء وهو تقديم الثناء على الله قبل الطلب، وهو ما دلّت عليه سورة الفاتحة أيضا.

فبعد “الحمد لله رب العالمين. الرحمن الرحيم. مالك يوم الدين. إياك نعبد وإياك نستعين” يأتـي الدعاء “اهدنا الصراط المستقيم….

12- الإفطار قبل الصلاة على رطبات

لما روى أنس رضي الله عنه قال: (كان رسول الله يفطر على رطبات قبل أن يصلي، فإن لم يكن، فعلى تمرات، فإن لم يكن تمرات حسا حسوات من ماء). [أبو داود والترمذي].

وعن سليمان بن عامر رضي الله عنه، قال: قال رسول الله : “إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر، فإن لم يجد فليفطر على الماء؛ فإنه طهور”. [أحمد والترمذي، وقال: حسن صحيح].

13- قيام ليالي رمضان والحضّ على ذلك

ومن المعالم البارزة في هدي النبي في رمضان قيام الليل والحض عليه([33])؛ فقد ثبت من حديث عائشة أنّ رسول الله صلّى في المسجد ذات ليلة فصلّى بصلاته أناس، ثم صلّى في القابلة فكثر الناس، ثم اجتمعوا من الثالثة أو الرابعة فلم يخرج إليهم رسول الله .

فلمّا أصبح قال‏:‏ “قد رأيت الذي صنعتم، فلم يمنعني من الخروج إليكم إلاّ أنّي خشيت أن تفرض عليكم”. وذلك في رمضان). [الشيخان].

وقد صحّ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول الله قال: “من قام رمضان إيـمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدّم من ذنبه”. [متفق عليه].

ومن حديث أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله : “إنّه من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة”([34]).

وعن عبد الرحمن بن عبد القاري قال خرجت مع عمر بن الخطاب في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط.

فقال عمر: “إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل”، ثم عزم فجمعهم على أبيّ بن كعب، ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم.

فقال عمر: “نعمت البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون”. يعني آخر الليل، وكان الناس يقومون أوّله. [البخاري].

مسألة: هل وقّت النبيّ لقيام الليل (والتراويح) عددا معيّـنا؟

ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أنّ قيام رمضان لم يوقّت النبيّ فيه عددًا معينا([35]).

قال: كان – هو - لا يزيد في رمضان ولا غيره على ثلاث عشرة ركعة، لكن كان يطيل الركعات، فلما جمعهم عمر على أبي بن كعب كان يصلي بهم عشرين ركعة ثم يوتر بثلاث، وكان يخفّف القراءة بقدر ما زاد من الركعات.

لأنّ ذلك أخفّ على المأمومين من تطويل الركعة الواحدة، ثم كان طائفة من السلف يقومون بأربعين ركعة ويوترون بثلاث، وآخرون قاموا بست وثلاثين، وأوتروا بثلاث، وهذا كلّه سائغ.

فكيفما قام في رمضان من هذه الوجوه فقد أحسن، والأفضل يختلف باختلاف أحوال المصلين، فإن كان فيهم احتمال لطول القيام فالقيام بعشر ركعات وثلاث بعدها كما كان النبيّ يصلي لنفسه([36]) في رمضان وغيره هو الأفضل.

وإن كانوا لا يحتملونه فالقيام بعشرين هو الأفضل، وهو الذي يعمل به أكثر المسلمين، فإنه وسط بين العشر وبين الأربعين، وإن قام بأربعين وغيرها جاز ذلك، ولا يكره شيء من ذلك.

وقد نصّ على ذلك غير واحد من الأئمّة كأحمد وغيره، ومن ظنّ أنّ قيام رمضان فيه عدد مؤقّت عن النبي لا يزاد فيه ولا ينقص فقد أخطأ([37]).

وقال في موضع آخر: (ويشبه ذلك من بعض الوجوه تنازع العلماء في مقدار قيام رمضان، فإنه ثبت أن أبي بن كعب كان يقوم بالناس عشرين ركعة في قيام رمضان ويوتر بثلاث ، فرأى كثير من العلماء أنّ ذلك هو السنّة، لأنّه أقامه بين المهاجرين والأنصار، ولم ينكره منكر.

واستحب آخرون تسعة وثلاثين ركعة، بناء على عمل أهل المدينة. وقال طائفة: قد ثبت في الصحيح عن عائشة أن النبيّ لم يكن يزيد في رمضان ولا غيره على ثلاث عشرة ركعة.

واضطرب قوم في هذا الأصل لما ظنوه من معارضة الحديث الصحيح لما ثبت من سنة الخلفاء الراشدين وعمل المسلمين، والصواب أنّ ذلك جميعه حسن كما قد نصّ على ذلك الأمام أحمد رضي الله عنه، وأنّه لا يتوقت في قيام رمضان عدد، فإنّ النبيّ لم يوقت فيها عددًا، فحينئذ فيكون تكثير الركعات وتقليلها بحسب طول القيام وقصره)([38]).

ونقل الحافظ العراقي عن الإمام الشافعي قال: (وليس في شيء من هذا -يريد في اختلاف عدد الركعات- ضيق ولا حدّ ينتهي إليه لأنه نافلة([39]) ، فإن أطالوا القيام وأقلوا السجود فحسن، وهو أحب إلـيّ، وإن أكثروا الركوع والسجود فحسن)([40]).

وقال السيوطيّ: (والذي وردت به الأحاديث الصحيحة والحسان والضعيفة الأمر بقيام رمضان والترغيب فيه من غير تخصيص بعدد، ولم يثبت أنّه صلى عشرين ركعة وإنّما صلى ليالي صلاة لم يذكر عددها)([41]).

وقال الشوكاني: (والحاصل أن الذي دلّت عليه أحاديث الباب وما يشابهها هو مشروعية القيام في رمضان، والصلاة فيه جماعة وفرادى، فقصر الصلاة المسماة بالتراويح على عدد معين وتخصيصها بقراءة مخصوصة لم يرد به سنّة)([42]).

مذاهب العلماء في عدد ركعات قيام رمضان

لم أقف على اختلافٍ في جواز الزيادة على إحدى عشرة ركعة في قيام رمضان وسائر القيام، إلا ما كان من بعض المتأخّرين، بل استحبّ الأئمّة الزيادة على ذلك، واختلفوا فيما زاد على الإحدى عشرة أي العدد يستحبّ، وهذه نصوصهم أعرضها لمزيد الفائدة:

قال الإمام الترمذي رحمه الله : (واختلف أهل العلم في قيام رمضان، فرأى بعضهم أن يصلي إحدى وأربعين ركعة مع الوتر، وهو قول أهل المدينة، والعمل على هذا عندهم بالمدينة، وأكثر أهل العلم على ما روي عن عمر وعلي وغيرهما من أصحاب النبي عشرين ركعة وهو قول الثوري وابن المبارك والشافعي.

قال الشافعيّ: “وهكذا أدركت ببلدنا بمكة يصلون عشرين ركعة”، وقال أحمد: “روي في هذا ألوان”، ولم يقض فيه بشيء، وقال إسحاق: نختار إحدى وأربعين ركعة على ما روي عن أبي بن كعب)([43]).

لكن ابن قدامة قال: (والمختار عند أبي عبد الله رحمه الله فيها عشرون ركعة، وبهذا قال الثوري وأبو حنيفة والشافعي، وقال مالك: ستّة وثلاثون، وزعم أنّه الأمر القديم). ونقله عنه أيضا شيخ الإسلام ابن تيمية. ونقل البهوتـي عن عبد الله بن أحمد قال: رأيت أبي يصلي في رمضان ما لا أحصي([44]).

وقال البغوي مثل قول الترمذي: (وأما أكثر أهل العلم فعلى عشرين ركعة، يروى ذلك عن عمر وعليّ وغيرهما من أصحاب النبيّ ، وهو قول الثوري وابن المبارك والشافعي وأصحاب الرأي.

قال الشافعي: “وهكذا أدركت ببلدنا بمكة يصلون عشرين ركعة”، ولم يقض أحمد بشيء)([45]).

وقال الإمام الشافعي في الأمّ: (… ورأيتهم بالمدينة يقومون بتسع وثلاثين، وأَحبّ إليّ عشرون؛ لأنّه روي عن عمر وكذلك يقومون بمكة ويوترون بثلاث)([46]).

وذكر الحافظ ابن عبد البر في الاستذكار مذاهب العلماء مفصلة فقال: (وروي عشرون ركعة عن علي، وشتير بن شكل، وابن أبي مليكة، والحارث الهمداني، وأبي البختري. وهو قول جمهور العلماء، وبه قال الكوفيّون، والشافعي، وأكثر الفقهاء، وهو الصحيح عن أبي بن كعب من غير خلاف من الصحابة.

وقال عطاء: أدركت الناس وهم يصلون ثلاثا وعشرين ركعة بالوتر. وكان الأسود بن يزيد يصلي أربعين ركعة ويوتر بسبع. وذكر ابن القاسم، عن مالك: تسع وثلاثون، والوتر ثلاث. وزعم أنه الأمر القديم.

وذكر ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن داود بن قيس، قال: أدركت الناس بالمدينة في زمن عمر بن عبد العزيز وأبان بن عثمان يصلون ستا وثلاثين ركعة، ويوترون بثلاث([47]).

وقال الثوري، وأبو حنيفة، والشافعي، وأحمد بن داود: قيام رمضان عشرون ركعة، سوى الوتر لا يقام بأكثر منها استحبابا)([48]).

وذهب الأئمّة البيهقي والباجي وابن تيمية وابن حجر وغيرهم إلى الجمع بين هذه الأخبار.

فقال الإمام البيهقي: (ويجمع بين الروايتين بأنّهم قاموا بإحدى عشرة ثم قاموا العشرين وأوتروا بثلاث. قال: ويزيد بن رومان لم يدرك عمر)([49]).

وقال الباجي: (فأمرهم أوّلا بتطويل القراءة لأنه أفضل ثم ضعف الناس، فأمرهم بثلاث وعشرين، فخفف من طول القراءة واستدرك بعض الفضيلة بزيادة الركعات).

وقال ابن تيمية: (كما أن نفس قيام رمضان لم يوقت النبي فيه عددا معينا؛ بل كان هو – – لا يزيد في رمضان ولا غيره على ثلاث عشرة ركعة، لكن كان يطيل الركعات.

فلما جمعهم عمر على أبي بن كعب كان يصلي بهم عشرين ركعة، ثم يوتر بثلاث، وكان يخف القراءة بقدر ما زاد من الركعات، لأن ذلك أخف على المأمومين من تطويل الركعة الواحدة.

ثم كان طائفة من السلف يقومون بأربعين ركعة، ويوترون بثلاث، وآخرون قاموا بست وثلاثين، وأوتروا بثلاث، وهذا كله سائغ، فكيفما قام في رمضان من هذه الوجوه، فقد أحسن.

والأفضل يختلف باختلاف أحوال المصلين، فإن كان فيهم احتمال لطول القيام، فالقيام بعشر ركعات وثلاث بعدها. كما كان النبي يصلي لنفسه في رمضان وغيره هو الأفضل.

وإن كانوا لا يحتملونه فالقيام بعشرين هو الأفضل، وهو الذي يعمل به أكثر المسلمين، فإنه وسط بين العشر وبين الأربعين، وإن قام بأربعين وغيرها جاز ذلك ولا يكره شيء من ذلك.

وقد نص على ذلك غير واحد من الأئمة كأحمد وغيره. ومن ظن أن قيام رمضان فيه عدد موقت عن النبي لا يزاد فيه ولا ينقص منه فقد أخطأ…)([50]).

وقال ابن حجر: (والجمع بين هذه الروايات ممكن باختلاف الأحوال، ويحتمل أن ذلك الاختلاف بحسب تطويل القراءة وتخفيفها ؛ فحيث تطول القراءة تقلل الركعات وبالعكس)([51]).

14- الحضّ على تفطير الصائم

لحديثِ زيد بن خالدٍ الجُهنِيّ رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللَّه : “مَنْ فطَّرَ صائمًا كان له مثلُ أَجرِه، غير أنَه لا يَنقصُ من أجرِ الصّائمِ شيئًا”. [الترمذي، وقال: حسن صحيح. وابن ماجه وأحمد].

وتفطير الصائم أي صائم كان، فقيرًا أو غنيًّا، لأنّ هذا يدخل في باب المعروف والإكرام لا في باب الصدقة، فهو هدية كريمة من المسلم للمسلم، ويتأكّد ذلك إذا كان فقيرا.

15- كان في هديه دعاء مخصوص لمن فطّر صائما

فعن أنس أن النبيّ جاء إلى سعد بن عبادة فجاء بخبز وزيت، فأكل ثم قال النبيّ : “أفطر عندكم الصائمون، وأكل طعامَكم الأبرار، وصلّت عليكم الملائكة”. [أبو داود وأحمد ..].

وليس في هذا الحديث تلك الزيادة التي اشتهرت على ألسنة الناس: “وذكركم الله فيمن عنده”؛ فإنها منكرة.

16- الحضّ على حفظ اللسان والتحلّي بالحلم والأناة

لما ثبت عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال: “الصيام جنّة، فلا يرفث، ولا يجهل، وإن امرؤ قاتله أو شاتمه، فليقل: إني صائم مرتين. والذي نفسي بيده لَخُلوف فم الصائم أطيب عند الله تعالى من ريح المسك، يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي، الصيام لي وأنا أجزي به والحسنة بعشر أمثالها. [الشيخان].

وفي رواية عند البخاريّ: (أنّ أبا هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : “قال الله: كلّ عمل ابن آدم له إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جنّة، وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابّه أحد أو قاتله، فليقل إنـي امرؤ صائم([52])… الحديث”.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : “من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه. [البخاري].

17- وكان يصوم في السفر ويفطر

فعن عبد الله بن أبي أوفى قال: كنا مع رسول الله في سفر وهو صائم، فلما غربت الشمس قال لبعض القوم: “يا فلان قم فاجدح لنا”، فقال يا رسول الله: لو أمسيت.

قال: “انزل فاجدح لنا”، قال: يا رسول الله فلو أمسيت. قال: “انزل فاجدح لنا”. قال: إن عليك نهارا. قال: “انزل فاجدح لنا”، فنزل فجدح لهم فشرب النبي .

ثم قال: “إذا رأيتم الليل قد أقبل من ها هنا فقد أفطر الصائم”. [متفق عليه].

وعن أنس بن مالك قال: (كنا نسافر مع النبي فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم). [متفق عليه].

وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال: خرج رسول الله من المدينة إلى مكة، فصام حتى بلغ عسفان، ثم دعا بماء فرفعه إلى يديه ليريه الناس، فأفطر، حتى قدم مكة وذلك في رمضان.

فكان ابن عباس يقول: “قد صام رسول الله وأفطر، فمن شاء صام ومن شاء أفطر”. [البخاري].

وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: أنّ رسول الله خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان، فصام حتى بلغ كرع الغميم فصام الناس، ثم دعا بقدح من الماء فرفعه حتى نظر الناس إليه، فشرب.

ثم قيل له بعد ذلك: إن بعض الناس قد صاموا، فقال: “أولئك العصاة، أولئك العصاة”.

وفي لفظ: فقيل له إنّ الناس قد شقّ عليهم الصيام، وإنما ينتظرون فيما فعلت، فدعا بقدح من ماء بعد العصر، فشرب. [مسلم].

18- وكان صلى الله عليه وسلّم يجتهد في العبادة في العشر الأواخر

كما في حديث عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله إذا دخل العشر أحيا الليل([53])، وأيقظ أهله، وجدَّ وشدَّ المئزر([54])).[الشيخان].

وعنها قالت: (كان رسول الله يجتهد في العشر الآخر ما لا يجتهد في غيره). [مسلم].

وعن ابن عمر أن (رسول الله كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان). [الشيخان].

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: “كان النبيّ يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفّاه الله عز وجل، ثم اعتكف أزواجه من بعده”. [الشيخان].

في هذه الأحاديث دلالة على مزيد اجتهاده في العبادة في هذه الليالي العشر، وفيه عنايته بأهله وحرصه عليهن بإيقاظهن للعبادة.

وإن كان هذا الهدي مهجورا في هذه الأزمان، فالسعيد من أحيا سنّة نبيّه .

وفيها أيضا الدلالة على سنية الاعتكاف وأنه من أعمال رمضان، وقد داوم عليه النبي ولم يتركه حتى مات، واعتكف نساؤه من بعده.

19- تحري ليلة القدر

لما لها من فضل عظيم، وهو الفوز بالغفران للحديث: “من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه.

ولأجل هذا أرشد أمته إلى تحرّي هذه الليلة، فعن عائشة رضي الله عنها قالت كان رسول الله يجاور في العشر الأواخر من رمضان، ويقول: “تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان”. [متفق عليه].

إلا أنّ تحري ليلة القدر غير لازم، بل هو على الخيار لحديث ابن عمر رضي الله عنهما أنّ رجالا من أصحاب النبي أروا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر.

فقال رسول الله : “أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر، فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر”. [متفق عليه].

وما أحسب عاقلا يفوّت على نفسه هذا الفضل العظيم، وليس في تحريه لهذه الليلة نصب كبير مقابل ما أعدّه الله لمن يدركها وهو عابدٌ قائمٌ ذاكرٌ مستغفرٌ…

20- الدعاء في ليلة القدر بدعاء مخصوص

فعن عائشة رضي الله عنها قالت: يا رسول الله، أرأيت إن علمت أي ليلة ليلة القدر، ما أقول فيها؟ قال: “قولي: اللهم إنك عفوّ تحبّ العفو فاعف عنّي”. [أحمد والنسائي والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح].

21- وكان من هدي النبي في رمضان إخراج زكاة الفطر، وذلك قبل صلاة العيد

لحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: (فرض رسول الله زكاة الفطر صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير على العبد والحرّ، والذكر والأنثى، والصغير والكبير، من المسلمين، وأمر بها أن تؤدّى قبل خروج الناس إلى الصلاة). [متفق عليه].