تمهيد
يعلي الإسلام من قيمة العلم، ويجعله معيارًا حاكمًا في الفهم والحكم والتقويم، غير أن الواقع يكشف أن بعض المجتمعات تميل أحيانًا إلى تغليب الحكم العاطفي على الحكم العلمي والعقلي. ويرجع ذلك إلى أسباب متعددة، من أبرزها شيوع معلومات غير دقيقة أو غير صحيحة، أو الجهل بحقائق علمية مستقرة، أو التعامل مع بعض القضايا على أنها من البدهيات المسلَّم بها، مع كونها في حقيقتها محل نظر وإشكال، ناهيك على أن بعض كبار طلبة العلم سر نشر بعض المعلومات المغلوطة، إذ إن خوض العالم أحيانا في مسألة خارج تخصصه الدقيق قد يوقعه في إشكالية.
ومن أجل العوامل السابقة قد تتحول بعض المسائل البدهية والتي تُعد من أبجديات الدين إلى موضوعات فكرية أو فلسفية، لمجرد الحاجة إلى تعريفها، أو تحرير معناها، وبيان حدودها. وتعد كلمة «الدين» مثالًا واضحًا على ذلك؛ فهي من أكثر الألفاظ ورودًا في القرآن الكريم، ومن المفاهيم التي قد يُظن لأول وهلة أنها واضحة الدلالة، غير أن هذا الوضوح الظاهر لا يمنع وجود إشكالات متعددة تتصل بتعريفها اللغوي، واستعمالها الاصطلاحي، وتمثلاتها في الفكر الإسلامي، فضلًا عن الإشكالات المرتبطة بسياقات استعمالها في الخطاب الديني المعاصر.
ومن أبرز هذه الإشكالات السؤال الشائع والمتداول: هل يجوز إطلاق لفظ «دين» على غير الإسلام؟ وهل يُعد ذلك محظورًا شرعًا؟ وهل يجوز جمع كلمة دين طبقًا لذلك؟ ولا شك أن هذا السؤال يكون غريبا -بل ومستهجنًا- لو حوّلنا التعبير عنه بأية لغة أخرى غير العربية، كالإنجليزية..
Is it permissible to apply the term “religion” to beliefs other than Islam? Is this considered religiously prohibited? And, accordingly, is it permissible to use the plural form of the word “religion”?
أو الفرنسية:
Est-il permis d’appliquer le terme « religion » à des croyances autres que l’islam ? Cela est-il considéré comme religieusement interdit ? Et, par conséquent, est-il permis d’utiliser le pluriel du mot « religion » ?
ويكون سؤالا خاليا من أي معنى.
وللإجابة عن هذا السؤال المطروح بالعربية، تتناول هذه الدراسة المسألة من خلال محاور مترابطة، تبدأ بدراسة الاستعمال القرآني للفظ «الدين» وهل أُطلق على غير الإسلام، ثم تنتقل إلى بحث مسألة جمع الكلمة (الدين/الأديان)، في إطار منهجي يسعى لتحرير محل النزاع، وتقديم إجابة علمية دقيقة، بعيدة عن الأحكام الانفعالية أو التصورات غير الدقيقة.

أولًا: الاستعمال القرآني للفظ «الدين» وهل أُطلق على غير الإسلام؟
قبل الخوض في عرض النصوص القرآنية، يجب التأكيد على أن القرآن الكريم يستعمل الألفاظ بدقة دلالية عالية، ويحمّلها معاني تتحدد بحسب السياق العقدي أو التشريعي أو القيمي. ومن ثمّ، فإن تتبع استعمال لفظ «الدين» لا بد أن يكون من خلال النص ذاته وسياقاته، لا من خلال تصورات مسبقة أو أحكام معيارية لاحقة.
وقد بينت في رسالتي للدكتوراه الموسومة «الدين والتدين في الخطاب الإسلامي المعاصر» أن القرآن الكريم استخدم مادة (د ي ن) على سبعة وجوه مختلفة، منها ستة بصيغة الاسم، وواحد بصيغة الفعل، على النحو التالي:
- «دين» و«دينًا»،
- «ديني» بضمير المتكلم،
- «دينه» بضمير الغائب المفرد،
- «دينهم» بضمير الغائب الجمع،
- «دينكم» بضمير المخاطبين،
- الاسم المعرف بـ«أل» في لفظ «الدين»،
- وصيغة الفعل كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ﴾ أي: لا يعتقدون ولا يلتزمون.
ويستفاد من هذا التنوع الصيغي والدلالي أن الاستعمال القرآني للفظ «الدين» لم يكن محصورًا في الإسلام وحده من حيث الإطلاق اللغوي والبياني، إذ تشمل الضمائر الواردة أنماطًا متعددة من الاعتقاد والتدين، حقًا وباطلًا، مما يتضح عند التدقيق في سياقات النصوص القرآنية بعيدًا عن إسقاط المفاهيم العقدية اللاحقة.

ثانيًا: الاستعمال القرآني التطبيقي للفظ «الدين» على غير الإسلام
يبين النظر في الاستعمال التطبيقي أن لفظ «الدين» لم يقتصر على الإسلام، بل استُعمل للإشارة إلى معتقدات وأنماط تديّن أخرى، سواء كانت باطلة أو محرفة، ويمكن تلخيص أبرز النماذج القرآنية فيما يلي:
- إطلاق لفظ «الدين» على ملة أهل الكتاب:
﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ ۖ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [آل عمران: 24]
هنا يُنسب لهم «دينهم» مع كون اعتقادهم باطلًا من المنظور الإسلامي، مما يوضح أن الاستعمال لا يشترط الصواب. - إطلاق لفظ «الدين» على معتقد المنافقين:
﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾ [النساء: 146]
تبيّن الآية أن الدين قد يكون غير خالص، ثم يُطالب صاحبه بإخلاصه، مما يدل على إمكانية إطلاق لفظ «الدين» على ما هو منحرف أو صحيح. - إطلاق لفظ «الدين» على المعتقدات الكافرة:
﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا﴾ [الأنعام: 70]
﴿وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾ [الأنعام: 137]
وفيهما إشارة صريحة إلى أن «الدين» يُطلق على أنماط اعتقادية باطلة. - إطلاق لفظ «الدين» على اليهودية:
﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ [آل عمران: 72–73]
استعمال صريح لنسبة «الدين» إلى اليهودية. - إطلاق لفظ «الدين» على المسيحية (النصرانية):
﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء: 171]
استعمال واضح مع بيان الغلو في معتقد النصارى. - إطلاق لفظ «الدين» على قوم فرعون:
﴿إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ [غافر: 26]
يُثبت عمومية المصطلح في الاستعمال القرآني. - التعميم القرآني للفظ «الدين» دون تخصيص:
﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: 256]
﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [لقمان: 32]
فيهما استعمال عام للدين كظاهرة إنسانية، تتجاوز الانتماء العقدي الخاص. - آية المفاصلة العقدية:
﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: 6]
تؤكد إطلاق لفظ «الدين» على غير الإسلام مع تقرير المفاصلة التامة بين الحق والباطل، ودلالة واضحة على وجود دينين متقابلين في مقام الخطاب: دين المخاطبين ودين الرسول ﷺ.
ثالثا: هل يقال دينان على التثنية وأديان على الجمع؟!
تُثار مسألة تثنية كلمة «الدين» وجمعها على «أديان» في إطار نقاشٍ لغويٍّ بالأساس، ولا يترتب عليها – من حيث الأصل – أي محظورٍ شرعي، إذ إن اللغة العربية تقبل ذلك من جهة الاستعمال، ولا يعارضه الوحي نصًّا ولا دلالة، بل يشهد له الاستعمال القرآني ويؤيده.
فمن الناحية اللغوية، «الدين» اسمٌ قابل للتثنية والجمع، شأنه شأن سائر الأسماء الدالة على المعاني الكلية التي تتعدد بتعدد متعلقاتها. وإذا ثبت في الاستعمال القرآني إطلاق لفظ «الدين» على الإسلام وعلى غيره من المعتقدات، حقًّا وباطلًا، فإن القول بإمكان تثنيته وجمعه يكون جارياً على سنن العربية وقواعدها، لا خروجًا عليها.

أما من الناحية الشرعية والبيانية، فإن قوله تعالى:
﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: 6]
يُعدّ أصلًا واضحًا في إمكان التمييز بين دينين مختلفين، أحدهما باطل والآخر حق. فمفهوم الآية يدل دلالة بيّنة على وجود دينين متقابلين في مقام الخطاب: دين المخاطَبين، ودين الرسول ﷺ، وهو الإسلام. وبناءً عليه، لا مانع شرعًا من التعبير – من حيث اللغة – عن هذا التعدد بلفظ «دينين»، دون أن يستلزم ذلك أي تسوية عقدية أو إقرار بصحة الجميع.
ويتعزز هذا المعنى بما سبق بيانه من إطلاق القرآن الكريم لفظ «الدين» على اليهودية، والنصرانية، ومعتقد قوم فرعون، وعلى أنماط تدين عامة غير منسوبة إلى دين حق معيّن. فإذا جاز إطلاق المفرد على هذه المعتقدات المختلفة، جاز – تبعًا لذلك – جمعه فنقول: «الأديان المذكورة في القرآن الكريم»، أو «الأديان التي تحدث عنها القرآن»، على سبيل الوصف والتصنيف، لا على سبيل التقويم العقدي أو التسوية الدينية.
وعليه، فإن الحديث عن «الأديان» هو تعبير لغوي صحيح، ومفهوم علمي مشروع، تفرضه طبيعة الواقع التعددي، وتؤيده الدلالة القرآنية من حيث الاستعمال، ولا يتعارض مع العقيدة الإسلامية ما دام منضبطًا بقاعدة التفريق بين الوصف والاعتقاد، وبين البيان العلمي والحكم الشرعي. فالإسلام، مع كونه الدين الحق الوحيد المقبول عند الله، هو – من حيث الوصف اللغوي والواقع الخارجي – أحد الأديان، في مقابل أديان أخرى باطلة، كما دلّ على ذلك النص القرآني نفسه، دون لبس ولا إشكال.
أخيرا، قد يتساءل البعض عن أهمية هذا النقاش، والجواب أن قيمته تكمن في تصحيح المفاهيم العلمية والدينية والدعوية، واحترام العلم والتخصص، وترسيخ النهج العقلي والمنهجي في فهم النصوص الدينية. كما يساهم في تمييز الحقيقة العقدية عن الواقع المغاير، وتصحيح سوء الفهم لدى غير المتخصصين، بما يعزز خطابًا دينيًا ناضجًا ومتزنًا يقوم على العلم، والتفكر، والتمييز بين الحق والباطل، بعيدا عن الانفعالات والأهواء. هذا المثال عن لفظ «الدين» نموذج واحد فقط من نماذج عديدة توضح أهمية منهجية العلم في الإسلام.
