قال تعالى : {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي ولِــتُصنعَ على عيني } (طه: 39). وجود الإنسان على الكرة الأرضية يجعله مخلوقا باحثا عن النجاح؛ مظنة السعادة. ولا خيار آخر أمامه من بعد إلا السعي. والنجاح هو تحقيق المطلوب وبلوغ الغاية، أو النجاة من الصعاب والمكروه.

مفهوم النجاح في القرآن الكريم

يخبرنا القرآن الكريم أن الإنسان كإنسان يصل إلى النجاح بأحد أمرين:

النجاح السببي “السببية”

الحياة تسير وفق سنن وقوانين ثابتة وضعها الله عز وجل. وتجري هذه السنن على المتدين وغير المتدين والصغيير والكبير والذكر والأنثى. ومثاله: 1 + 1 = 2، ومن جدّ وجد، ومن زرع حصد، ومن اجتهد نجح، ومن تعلّم قيادة السيارة والطائرة وصل.

النجاح السببي إذن هو كل ما حقّق للإنسان غايته بعد أن يتخذ الأسباب الكونية التي جعلها الله وسيلة وسبيلا إلى تحقيقها. وهذا النوع من النجاح غير خاضع لدينٍ ليتحقق؛ فيشترك في تحصيله المسلم وغير المسلم. وحضارات الدول تدخل هنا.

ومن هنا برعت الحضارة المعاصرة في العمارة والتقنية بعد أن اتخذت أسبابها. وأغلب المواد التي تدرس في الجامعات –علوم هندسه، طب وصيدلة، إدارة واقتصاد، قانون ..إلخ- تتعلق بالسعي نحو الوقوف على أسرار السنن الكونية، والاستفادة منها لتحقيق مسمى النجاح.

بقي الإشارة إلى أن الإسلام يريد من المسلم السعي إلى هذا النوع من النجاح، وإرجاع تحقيقه إلى الله، وإضفاء عنصر العبادة عليه. فيشكر نعم الله ويحمده، لأنه هو من سخّر ما في السماوات وما في الأرض للإنسان، وهو الذي زوّد الإنسان بالعقل، وجعله خليفته ليعمر الأرض وينجح: { هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها } (هود : 61) فما كان الإنسان ليصل إلى هذا بدون نعمة الخلق والتسخير والخلافة { الذي قدّر فهدى } (الأعلى : 3). ومن الطغيان والجحود في الإسلام أن يقول الإنسان في مثل هذا النوع من النجاح { إنما أوتيته على علم عندي } (القصص: 78). بل يقول: {الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله} (الأعراف:43) و{هذا من فضل ربي} (النمل: 40) و { ربي قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السموات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة } (يوسف: 101).

النجاح الإلهي “القيومية”

اتخاذ الإنسان السبب وسعيه هو معيار السنن الكونية لجلب النجاح السببي السالف ذكره. لكن النجاح السببي ليس السبيل الوحيد للنجاح وفق معطيات القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة. هناك سنة إلـــــيهة وسنة كونية أخرى غير مرئية وليست خاضعة للقانون الفيزيائي العقلي المشاهد. يصل الإنسان إلى مثل هذا النوع من النجاح بعد اتخاذ سبب ديني، وليس شرطا أن يكون سببا كونيا.

النجاح الإلهي إذن هو: كل ما تحقّق للإنسان من هدف مرجوّ أو الصون من سوء ومخاوف بحكم الرعاية الإلهية. ويتحقق النجاح في هذا بأحد أمرين:

  1. التدخل الإلهي المباشر والتصرف بعلمه: ومن هنا نجّى الله نبيه محمدا في الغار { إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا } (التوبة: 40 )حين قال له الصديق لو نظر أحدهم موضع قدمه لرآنا، فردّ بقوله: ” ما ظنك باثنين الله ثالثهما ” (متفق عليه) . وهذا ما وعد الله به موسى وأخاه { قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى * قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} (طه : 45 -46) . ويحصل أيضا لغير الأنبياء، كما في قصة موسى عليه السلام مع الرجل الذي اتبعه على أن يعلمه مما علّمه الله رشدا، حيث العناية الربانية حفظ سفينة المسكين دون جهد مباشر منه، وحفظ على الأبوين دينهما، وحفظ كنز الغلاميين الصغيرين. وغير ذلك ممن صنعهم الله على عينه، وردّ كيد الكائدين ومكر الماكرين، فتربى موسى في قصر فرعون.
  2. هداية الله الإنسان إلى اتخاذ سببِ النجاحِ السببيّ وإيحاء طرق ذلك له: نجد مثل هذا في: { فَلَمَّا تَرَاءى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ * فأوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ } (الشعراء: 61 – 63). ولعل هذا ما حدث لمريم في: { وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا } (مريم : 25). وليس نتيجة صلاة الاستخارة إلا هدايةً ربانية العبدَ لاختيار الأحسن في الدين والدنيا والحال والمآل.

مفاتيح التوفيق والمدد الرباني

ويعين على مثل هذا النوع من النجاح عموما ما يأتي:

وغير ذلك من مثل صلة الرحم، العدل الإلهي، الحكمة الإلهية، العناية والقيومية فهو الحي القيوم، كل يوم هو في شأن. أسأل الله أن  ينفعنا وينفع بنا، وأن يكد لنا لا علينا، ويمكر لنا لا علينا، ويحفظنا وأن يرعانا ويصنعنا على عينه. وأن يطبق علينا: “فإنك بأعيينا” “واصطنعتك لنفسي” “ولتصنع على عيني”.