شريعة

العقل الإصلاحي في الأمة والقرآن

Feature image

القرآن، الذكر، البيان،.. هو الوحي المنزل من السماء إلى الأرض؛ ليبين للإنسان “الصراط المستقيم” صوب “الحياة الطيبة” محدداً وموفراً شروطها، وأركانها، وركائزها، ومتطلباتها، وقد توافق ذلك الوحي مع تساؤلات الإنسان الكبرى حول الخلق، والخالق، والمصير، بعد أن انقضى زمن طويل على نزول الشرائع الأخرى – التى لم تحفظ بل شابها كثير من التحريف – فكان هاديًا ومرشدًا نحو تصحيح مسار العقل الإنساني ووجدانه وفطرته، وردهم عن الانحراف الأرضي إلى “الصراط السوي”.

وعندما تمكن  القرآن من نفس “الجماعة البشرية” الأولى التى آمنت به، أشعل فيها جذوة المعرفة الحق العادلة، فتفتحت لهذه “الجماعة البشرية” آفاق الكون والخلق، وتمثل ذلك في واقع ملموس هو تأسيس كيان حضاري يحمل اسم “الأمة الوسط” والأمة الشاهدة” و”الأمة الهادية”.

ولا يغيب عن ذهن المتأمل لسير تأسيس الدورة الحضارية الأولى للأمة الإسلامية الدور الذى قام به القرآن في عمليات البناء والتصميم للمفاهيم والتصورات والنماذج في العقل المسلم، وتأهيله لتأسيس “حضارة الاستقامة” و”الرحمة”، مخلصًا إياه مما علق به من انحرافات في المفاهيم والتصورات والنماذج في الجاهلية الأولى.

الوقوف على طريقة واحدة أو عدة طرق لفهمه والتعامل معه في عصر ما لا يعنى صلاحية ذلك الفهم أو التعامل لكل العصور

ويرصد عماد الدين خليل التحولات التى أحدثها الوحي في العقل البشري في ثلاث نقلات أساسية:
الأولى: النقلة التصورية الاعتقادية وتتضمن القيم التصورية، كالربانية والشمولية، والتوازن، والتوحيد، والحركية، والإيجابية، والواقعية .. التى تداخلت مع بعضها وشكلت نسقًا فكريًا فريدًا.

الثانية: النقلة المعرفية، وتبدو في التحول المعرفي للعقل بمده بما يمكنه من التعامل مع الكون والعالم والوجود.

الثالثة: النقلة المنهجية، والتى أتيح فيها للعقل المسلم أن يتحقق بها، وأن يتشكل وفق مقولاتها ومعطياتها التى امتدت باتجاهات ثلاثة هي: السببية، القانون التاريخي، ومنهج البحث الحسي (التجريبي) . ([1])       

وعندما انفصل العقل المسلم عن الاتصال بمصدر حركته العلوي (القرآن) انطفأت جذوته المعرفية والمنهجية والتصورية، ومن ثم غابت الأمة عن الحضور والشهود، واضطربت مفاهيمها وأصيبت في رؤيتها الكلية، واستعارت مناهج فكرها وبرامج بناء عقول أبنائها، وتحولت إلى فريسة سهلة، مأسورة بكل وافد وجديد، ” فعلى رأس مسببات وهن الأمة الراهن، تقف المفاهيم السائدة [في واقع الأمة المعاصر] التي هي في جملتها، مفخخة ومسكونة بانحرافات كامنة نابعة من مثالب الفكر الإسلامي تكرست في عصور إعداد الحواشي على المتون، والحواشي على الحواشي، والفقه التصوري المنقطع عن الواقع المعاش، أو شقت طريقها إلى واقعها الفكري، بانفتاحها الطوعي على الفكر الغربي”([2]).  “إن سنة الله في الأمم أن يستبدل بالأمة التى تستبدل مفاهيمها الإيمانية، وتفرغها من دلالات هويتها، وتشحنها بدلالات هوية أخرى، قومًا آخرين”([3]).        

وفي ضوء الواقع الفكري المأزوم للأمة تظهر الحاجة إلى تحديد دور العقل في معالجة هذه الأزمة بتجديد علاقته بالوحي واستعادة الوعي به،”مسؤولية العقل – بعد توقف الوحي بالخاتمية – عن الامتداد الحضاري بهذه القيم – المستمدة من الوحي – وإبداع الوسائل، التى توفرها العلوم الإنسانية والمادية، لبسط الإسلام على الواقع، وتقويم سلوك الناس، وإنجازهم الحضاري به، لتأتي الحضارة من نضج القيم الإسلامية، وتتوجه الوسائل إلى تحقيق الأهداف، أو الهدى المقصدي للوحي، للوصول إلى الإنسان المكرم. وإلا كيف يمكن أن ندرك مدلول الخاتمية التى تعنى التوقف، والخلود الذى يعنى الامتداد، والتجرد عن حدود الزمان والمكان، وتعديه الرؤية، إذا لم نستوعب دور العقل، ومسئوليته في الوقت نفسه؟“([4]).  

وقد اهتم “العقل الإصلاحي” في الأمة بـ”القرآن” محورًا للنهضة والبناء الحضاري المنشود، وأكد على “ضرورة العودة إلى القرآن واستعادته وعيًا حاضرًا في ضمير الأمة وعقلها و وجدانها؛ لتنفعل به نفس المسلم فيتحرر من أسر : الجمود والاستبداد والاستلاب.

اتفق المصلحون أنه لا قيام للأمة وخروجها من أزماتها إلا بالعودة إلى القرآن بوعي جديد يناسب هذه الأزمات والإشكالات المعاصرة

وكان البدء بـ”العروة الوثقى”(*) ذلك المفهوم القرآني الأصيل الذى اتفق جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده على أن يكون عنواناً لرسالتهم الإصلاحية إلى الأمة، وكانت عناوين مقالاتهم ورسائلهم تحمل هذه المضامين القرآنية الإصلاحية، فكتبوا [اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ] {الأعراف:3}  “، [وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ البَيِّنَاتُ] {آل عمران:105}”، [سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا] {الأحزاب:62}.

كما أشارت إحدى الدراسات إلى أن عدد التفاسير التى ألفت منذ نزول القرآن كانت تتراوح ما بين 25-35 تفسيراً في كل قرن، أما في القرن الأخير فقارب عدد التفاسير 60 تفسيرًا. ويلاحظ أن تميز القرن الأخير في هذا الاهتمام ليس فقط من ناحية الكم؛ ولكن أيضاً في تطور الأدوات المنهجية وأساليب التناول، بما شكل إضافات متعددة لحركة التفسير واتجاهاتها. وهو ما يتوافق مع الاعتقاد بالعلاقة الطردية بين فهم القرآن ومبدأ الصالحية للإسلام. ([5])

لماذا تجديد التعامل مع القرآن؟

إن القرآن الكريم يحتاجه المسلمون في كل العصور وليس في عصر دون عصر، وأن الوقوف على طريقة واحدة أو عدة طرق لفهمه والتعامل معه في عصر ما لا يعنى صلاحية ذلك الفهم أو التعامل لكل العصور؛ لذا تبدو الحاجة إلى مراجعة طرق فهمه والتعامل معه “ولعل هذه المراجعة أن تأتي ببعض ثمارها : بتوجيه النظر إلى ضرورة إصلاح منهج التعامل مع القرآن وتفسيره؛ ليكون فيه المخرج والشفاء من الأزمات التى تعاني منها لأمة في مختلف جوانب حياتها من فكر ومعرفة، وسياسة، واقتصاد، وتربية واجتماع… وأن يكون للعلماء والباحثين استقلالية في النظر في القرآن وفهمه”.([6])

كما اتفق المصلحون أنه لا قيام للأمة وخروجها من أزماتها إلا بالعودة إلى القرآن بوعي جديد يناسب هذه الأزمات والإشكالات المعاصرة، وهو ما يتطلب البحث عن منهج يلائم الحالة المعاصرة للأمة وتفعيل دور القرآن من خلال هذا المنهج للخروج بالأمة من هذه الإشكالات والأزمات.

والحاجة إلى منهج معاصر لفهم القرآن، ينسجم – أيضًا – مع معاصرة الأزمة والإشكالات والمستجدات المختلفة التى تعاني منها الأمة والتى لا يمكن مواجهتها بالمناهج القديمة للنظر في القرآن؟ لأن كل منهج ينبغي أن يلائم واقعه ومستجداته حتى يتجنب العزلة أو التخلف عن الواقع، وهذه الملاءمة جزء أصيل من التصور القرآني [فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا] {الفرقان:59} . والوقوف على المناهج القديمة يصفها عمر عبيد حسنة بأنها “دعوة إلى محاصرة العقل، والحجر عليه، وصرف عن تدبر القرآن وفهمه وإدراكه”.([7])

ويمكن الإشارة إلى المداخل المنهجية التجديدية في التعامل مع القرآن والتي بدأت مع بزوغ الحركة الإصلاحية في العصر الحديث, ورغبة العقل الإصلاحي في تجديد التعامل مع القرآن وتجديد أدوات فهمه  وإدراكه, والتي سوف نتناولها في عدة حلقات متتالية وهي:

– مدخل تجديد منهجية التفسير (وبرز في هذا المدخل ثلاثة اتجاهات أساسية هي منهجية التفسير الموضوعي، منهجية التفسير العلمي، منهجية التفسير الأدبي والبياني).

– مدخل منهجية المرجعية الحركية والتربوية.

– مدخل منهجية المرجعية المعرفية.

 


 

([1])خليل, عماد الدين. حول إعادة تشكيل العقل المسلم. فرجينيا: المعهد العالمي للفكر الإسلامي, 1991, ص47-60 (باختصار).

([2])عمر, السيد. خارطة المفاهيم القرآنية. دمشق: دار الفكر، 2009، ص7.

([3]) المرجع السابق، ص11.

([4])حسنة, عمر عبيد. (تقديم) في :محمد الفاضل بن عاشور. روح الحضارة الإسلامية. فرجينيا: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1992، ص5 .

(*) صدر العدد الأول من “العروة الوثقى” في 5 جمادي الأول 1301 هـ الموافق 13 مارس سنة 1884، وبلغ ما نشر منها ثمانية عشر عدداً.

([5])مجموعة من الباحثين: دراسات في تفسير النص القرآني. بيروت: مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي، 2007.

([6])الدغامين, زياد خليل. “تفسير القرآن، إشكالية المفهوم والمنهج”. المسلم المعاصر. العدد 81 (أكتوبر 1996) ص14.

([7]) حسنة, عمر عبيد (تقديم)  في : محمد الغزالي . كيف نتعامل مع القرآن. فرجينيا: المعهد العالمي للفكر الإسلامي, 1993، ص19


المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين

مقالات ذات صلة