شريعة

يوم عاشوراء يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه

Feature image

يوم عاشوراء، العاشر من شهر المحرم، أحد الأشهر الحرم، عظَّمه موسى، ونسبه الله إلى نفسه، فسماه شهر الله، ففي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :” أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم ” {رواه مسلم} وتنقل تعظيمه بين القرون، فعظمته اليهود؛ فقد روى مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل اليهود: ما هذا اليوم الذي تصومونه ؟ فقالوا: هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه، وغرق فرعون وقومه، فصامه موسى شكرًا، فنحن نصومه، فقال: فنحن أحق وأولى بموسى منكم ” وعظمته العرب وكانت تصومه قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فلماذا هذا الاحتفاء الديني لهذا اليوم؟

إنه ليس يوما كسائر الأيام، إنه يوم التحرر والتخلص من الظلم والظالمين، إنه اليوم الذي ينتظره كل مظلوم، ويرنو إليه كل مضطهد بائس كسير.

إنه الأمل الذي لولاه ما بقي للمظلوم حاجة في حياة، وبدونه لظن الظالم أنه إله!

 إنه اليوم الذي به يطمئن المظلوم  إلى أن الله ناصره ولو بعد حين، وبه يرتدع الظالم عن غيه إن كان في قلبه بقية من إيمان!

إنه اليوم الذي يشفي الله فيه صدور قوم طالما انخلعت من أهوال الظلم، وتنخلع فيه قلوب قوم طالما شمتت وزهت بقوتها وجبروتها!

لقد خلّد الدين ذكرى هذا اليوم، وعزّز ذكراه في النفوس، وحفر موعده في ذاكرة الأيام، وجعل الإسلام صومه عبادة  ، فصامه النبي صلى الله عليه وسلم وأمر بصيامه.

لا بأس أن تُنسى الأيام المتشابهة، لكن أن يُنسى هذا اليوم، فهذا تفريط في سنة نبوية، بل رجا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يكون صيام هذا اليوم مثل بقية صوم النوافل، فاحتسب على الله أن يكفر ذنوب سنة ماضية، استنهاضا للعزائم المتراخية أن تنشط لصيام هذا اليوم العظيم.

وهل أعظم في تعليم الأجيال أولادهم نصر الله عباده المؤمنين المضطهدين،  من أن يروي الآباء لأولادهم مصارع الظالمين،  مصارع المتألهين الذين راحوا يقدمون أنفسهم للناس على أنهم آلهة ممجدون! فإذا بالناس يرون مصارعهم ولو بعد حين؟

{وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ } [هود: 102]

لقد استعبد فرعون قومه، واستخفهم، وأسرف في إذلالهم، وحسبك ما قاله القرآن في حقه : ” {إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ} [الدخان: 31] وقوله عن تنكيله بقومه : {وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ} [البقرة: 49] وقال عنه وعن ملئه : {فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ } [يونس: 75]، وقال:{فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ} [يونس: 83]

ومن المشروع أن يسأل الإنسان نفسه، وهو يسمع عن هذا الطاغية المتأله: فأين الله؟ وماذا فعل به؟ أين أخذ الله الأليم الشديد؟  كيف نفهم قول الله: {فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [آل عمران: 11] لماذا لم يأخذ فرعون؟ ومن أشد ذنبا منه؟

من حقه أن ينظر كما أمره القرآ : {فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} [الأعراف: 103] ومن أشد إفسادا من فرعون وملئه؟

فيتولى القرآن الإجابة عن هذه الأسئلة المشروعة : {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ} [البقرة: 49] {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ } [البقرة: 50] {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [آل عمران: 11] { ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} [الحج: 44]  حقا، إنه نكير مخيف! نكير الطوفان والخسف والتدمير والهلاك والزلازل والعواصف والترويع..

لكل ظالم نهاية

 روى الشيخان من حديث أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته» ثم قرأ (وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة).

وهذه النتيجة الحتمية، قد ينسيها من الذاكرة طغيان الطغاة، فتعود عليهم كل عام في ذكرى عاشوراء لتنعش بها الذاكرة من جديد.

لقد ذكر القرآن  قصص الظالمين، فكيف كان عقاب الله لهم ؟

{فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } [العنكبوت: 40]

منهم من أخذته الصيحة كما حدث لقوم صالح وقوم شعيب- عليهما السلام-.

ومنهم من خسفنا به الأرض وهو قارون.

ومنهم من أغرقنا كما فعلنا مع قوم نوح ومع فرعون وقومه.

فمَن مِن الظالم أعجز الله، أو أفلت من عقابه!

وفي هذا درس لنتعلم أن إهلاك الظالمين عقيدة!

لقد خلّد الدين ذكرى هذا اليوم، لنتعرف على أُناس تابعوا  فرعون متابعة العميان حتى في يوم الفرقان، لما ضرب موسى وقومه البحر بعصاه، فانفلق، فكل كل فرق كالطود العظيم، ومر موسى عليه هو وقومه بسلام، ما ابتلت أقدامهم ولا رواحلهم، أقبل فرعون على شعبه الذي طالما استغفله فصدقه، وأشبعه بإعلامه الكذوب فأتبعه، فقال لهم: انظروا كيف انحسر البحر لي لأدرك عبيدي الآبقين من يدي، الخارجين على طاعتي وبلدي؟

ووجد شعبًا، عطل عقله وعينه، وسد عن الحق أذنه وقلبه، فصدقوه، ونزلوا البحر مسرعين، وغادروا الشاطئ أجمعين، فعند ذلك أمر الله تعالى كليمه فيما أوحاه إليه أن يضرب بعصاه البحر، فضربه فارتطم عليهم البحر كما كان، فلم ينج منهم إنسان؛ ليقولها المسلم الواثق في وجوه هؤلاء المرجفين: نعم؛ إن الله قد أغرق فرعون.

الكون كله يكره الظالمين

وحين يصوم المسلمون هذا اليوم  يتذكرون أن الكون كله يكره الظلم والظالمين، فهذا جبريل الملك الكريم، الذي طالما نزل إلى الأرض من السماء مبعوثا بكلمة التوحيد، ها هو ذا يضن برحمة الله أن تدرك طاغية الأرض وملعون السماء، فقد أخرج الترمذي وابن حبان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” إن جبريل عليه السلام جعل يدس في فم فرعون الطين خشية أن يقول لا إله إلا الله، فيرحمه الله ” مبعوث كلمة التوحيد يسابق الفم الأثيم أن ينطق بها، فكيف بمن اكتوى بنار الظلم وويلات العذاب.

وليس جبريل فقط، بل الكون كله، هتف في هذا اليوم: يسقط يسقط حكم الظالم (وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (24)… فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ) [الدخان/24-29]

 

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين

مقالات ذات صلة