فكر

العاملان الداخلي والخارجي.. بين مالك بن نبي ومنير شفيق

3 مايو, 2017

146
مشاركة

ثمة آراء متعددة في تفسير حالة التدهور والانحطاط التي انزلق إليها المسلمون في القرنين الأخيرين، والتي أصابت حياتهم على المستويات كافة؛ تربويًّا، وتعليميًّا، واجتماعيًّا، واقتصاديًّا، وسياسيًّا، وغير ذلك.

من بين هذه الرؤى المتعددة تبرز رؤيتان أساسيتان، من المهم أن نتوقف عندهما، ونتبين مواطن التميز أو الخلل فيهما.

الرؤية الأولى: وقد بلورها المفكر مالك بن نبي في كثير من كتاباته، خاصة كتابه الأهم: “شروط النهضة”؛ وهي تعطي للعوامل الداخلية- أو “تغيير ما بالنفس”، بالتعبير القرآني- الأولوية، غير متجاهلة دور “العامل الخارجي”.

أما الرؤية الثانية: فهي بالمقابل للسابقة، تعطي “العامل الخارجي” الأهميةَ الأكثر، ثم عامل “التجزئة العربية”، مع الاعتراف بأهمية ما يتلوهما من عوامل أخرى. وقد بلور هذه الرؤية بشكل مفصل المفكر منير شفيق، خاصة في كتابه المهم: “التجزئة والدولة القُطرية”.

الاستعمار والقابلية للاستعمار

تحدث مالك بن نبي عن معاملين فعلا فعلهما في الإنسان المستعمَر: المعامل الاستعماري، ومعامل القابلية للاستعمار.

“المعامل الاستعماري” هو عامل خارجي يفرض على الكائن المغلوب على أمره- الذي يسميه المستعمِرُ: “الأهلي”- نموذجًا محددًا من الحياة والفكر والحركة, وحين يكتمل خلق هذا النموذج يظهر من باطن الفردِ معاملُ “القابلية للاستعمار”؛ وهو معامل يجعل الفردَ يستبطن مفاهيم المستعمِر عنه، ويقبل بالحدود التي رسمها لشخصيته هذا المستعمر؛ وليس ذلك فحسب، بل يصبح يدافع عنها، ويكافح ضد إزالتها.

ويوضح الأستاذ محمد شاويش- الذي ننقل عنه تلخيص نظرية بن نبي([1])- أن قبول المستعمَر لاسم: “الأهلي”، يعكس قبولاً بالوضعية التي فرضها المستعمِر، وأن هذا القبول لا يتموضع فقط في منطقة الوعي لدى المستعمَر، بل ينغرس في أعماق اللاوعي، ليصبح “استبطانًا” للمفهوم الاستعماري عن الذات، ويبخس من قدرها، ويحد فعاليتها الحيوية وتصوراتها عن نفسها وعن العالم بالحدود التي يريدها المستعمِر. وهكذا، يصبح المستعمَر ينفر من العمل الجدي، ومن العلم، ومن دعاة الفضيلة.

فعامل “القابلية للاستعمار”- كما يشرحه بن نبي- هو العامل الداخلي المستجيب للعامل الخارجي؛ إنه رضوخ داخلي عميق لعامل الاستعمار؛ يرسخ الاستعمار، ويجعل التخلص منه مستحيلاً.

ويلفت الشاويش إلى أن القارئ لكتابات بن نبي يرى أنه لا يعتقد بحتمية ظهور “القابلية للاستعمار” عند كل حالة استعمارية؛ فهو يستشهد بألمانيا واليابان اللتين وقعتا تحت الاحتلال ولكنهما لم تظهر فيهما قابلية للاستعمار. ومن جهة أخرى، فثمة بلاد لم يدخلها الاستعمار- مثل بعض البلاد الإفريقية- ولكن فيها قابلية للاستعمار.

وفي توضيح أكثر لما يقصده بن نبي من “القابلية للاستعمار”، يوضح الشاويش أن بن نبي يستعمل المفهوم بمعنيين مختلفين؛ الأول: تكون فيه هذه القابلية ناتجة عن الواقعة الاستعمارية، أو بتحديد أكثر: عن الرضوخ الداخلي لهذه الواقعة، ولتقبُّلِها، ولرفض إزالتها. أما المعنى الثاني: فتكون فيه “القابلية للاستعمار” مجموعةً من الصفات العقلية والنفسية وما يناسبهما من علاقات اجتماعية تجعل المجتمع لا يستطيع مقاومة الاستعمار، وتسهِّل للاستعمار مهمته.

ويحذر الشاويش من أن المعنى الثاني- الذي اشتهر من بين المعنيين- يُساء استخدامه؛ لأنه بينما أراد منه ابن نبي نقد المجتمع الإسلامي وتأنيبه وتبصيره بوضعه المزري؛ لحثِّه على النهوض والتخلص من عيوبه.. بينما كان هذا مقصود ابن نبي منه، فإن كثيرين ممن يستخدمونه الآن يريدون منه الدفاع عن الاستعمار: بتركيز كل اللوم على مجتمعنا، وبحجب الأضواء عن القوة الخارجية الهائلة التي تضغط بل تضرب بقبضة حديدية كل حركة نهضوية عند المسلمين. [ومثل هؤلاء: مَنْ يدعون لإصلاح النفس، في مقابل الدعوة لإصلاح الحكام؛ زاعمين أنه لولا ضعف النفوس وتمزق المجتمع، ما تسلط الحكام! بينما هذه الأصوات تتخذ من تلك الحجة البراقة سبيلاً لإسكات الأصوات الناقدة، وتبرير الظلم! وهل يُفسد النفوسَ ويمزق المجتمع مثل فساد الحكام؟!]

ويضيف الشاويش: المفهوم شديد الجاذبية؛ فهو يبدو كأنه يلخص نصف مشكلة الاستعمار؛ فهو يطلب منا إلقاء الضوء على العيوب الداخلية في بُنَى المجتمعات التي وقعت ضحية الاستعمار؛ بعد أن كان التركيز المعتاد لحركات التحرر ينصب أساسًا على الدور الذي قامت به القوى الاستعمارية في تأييد التخلف، أو حتى في صناعته بعد إذ لم يكن موجودًا.

وليس الأمر في هذه الناحية مقصورًا على مالك بن نبي، بل بمقارنة الشاويش لأطروحة بن نبي وما قدمه المفكر القومي الماركسي ياسين الحافظ، يتبين لنا أنهما- رغم اختلاف المنطلقات والتصورات- يخلصان إلى ذات النتيجة، التي ترى بأن الاستعمار مهما كانت خطاياه كبيرة فليس هو مصدر الانحطاط الحضاري، بل كان نتيجة له.

التجزئة العربية والعامل الخارجي

أما المفكر منير شفيق فهو يطرح تصوره على مستويين؛ مستوى العوامل الداخلية فقط، ومستوى العوامل الداخلية مع الخارجية([2]).

في المستوى الأول، أي مستوى الذات والداخل العربي، والذي يشمل عللاً كثيرة؛ مثل: الجهل والأمية، غياب الوعي، ضعف البنية الاجتماعية أو تفككها، انتشار التغريب والدعوة للحداثة، سيطرة القبلية والطائفية.. في هذا المستوى يعطي منير شفيق لعامل “التجزئة العربية والدولة القُطرية” أولويةً، من جهة السلبية الأشد التي تعاني منها الأمة.

أما في المستوى الثاني، أي حين نتوسع في بحث العوامل المختلفة إلى جانب العوامل الداخلية؛ فإنه يضع “العامل الخارجي” في موقع منافس من حيث الأولوية.

ويوضح شفيق أن كل بحث عن العلل الأخرى لا يضع في مركز اهتمامه هاتين الإشكاليتين، يُبقي الحال على حاله، بالرغم مما يمكن أن يحقق من إنجاز في ذلك المجال المهم والضروري؛ لأن كل سعي لحل سلبيات سائدة، دون أن يكون حلها مرتبطًا بالمشكل الأساس ومستهدفًا حل ذلك المشكل؛ سيُبقي الأمور من حيث الوضع العام على حالها، وإن حسَّن أو حقق نتائج في هذا القطاع أو ذاك.

ويضرب لذلك مثالاً، قائلاً: لو كثر عدد الأفراد الملتزمين بدينهم، أو الأفراد الذين يحملون ثقافة الديمقراطية، أو الأفراد الذين تخلصوا من تقاليد العقل العربي ومعوقاته، أو الفئات التي انتقلت إلى بُنَى اجتماعية جديدة غير تقليدية، أو الجماعات التي انتقلت من “الجاهلية” إلى الإسلام.. لكن التجزئة والقطرية بقيتا على حالهما يولدان كل ألوان الوهن والعجز والضعف وفشل مشاريع التنمية، بل ينخران في تلك الإنجازات التي تحققت في هذا القطاع أو ذاك.. هذا من جهة، وبقيت من الجهة الأخرى السيطرة الخارجية اقتصاديًّا وسياسيًّا وإعلاميًّا وثقافيًّا، واستمر زحف المشروع الصهيوني، وتواصل التحكم العالمي ببرامج التنمية وسياسات الدول.. فإن المحصلة ستبقى استمرار حال الوضع العام، بل ربما تدهوره أكثر.

وينبه شفيق إلى ضرورة الخلاص من التبسيطية في فهم معادلات التغيير؛ ومن ثم، امتلاك وعي أشد عمقًا في فهم العلل والمشكلات وحجم تأثير كل علة في الوضع، والقوانين التي تحكم المعالجة والمستقبل.

ثم يلفت النظرَ إلى أمر مهم، وهو أن حجم دور كل من العامل الداخلي والعامل الخارجي لا يتسم بالثبات والجمود والقانون الواحد؛ وإنما يختلف من مرحلة إلى أخرى. فعلى سبيل المثال: إن نسبة تأثير كل منهما وحجمه في القرن الثامن عشر، غيرهما في القرن التاسع عشر؛ فمسئولية العامل الداخلي الإسلامي في القرنين المذكورين أكبر من مسئولية العامل الخارجي، لكن النسبة اختلفت اختلافًا جوهريًّا بعد الحرب العالمية الأولى في مصلحة العامل الخارجي، ولاسيما بالنسبة إلى البلاد العربية بعد تجزئتها، وتحكّم السيطرة الاستعمارية المباشرة في مختلف مجالات الحياة فيها؛ وبقيت هذه النسبة نفسها بعد الحرب العالمية الثانية وقيام الدولة العبرية، ولم تتغير مع نشوء الدولة القُطرية المستقلة.

ويضيف: ومن ثم، لا ينبغي أن تناقش العلاقة بين العاملَيْن مناقشة تجريدية نظرية، تحت عنوان: أيهما الأهم؛ دور العامل الخارجي أم الداخلي؟ وإنما يجب أن يحدد دور كل منهما من خلال دراسة تاريخية واقعية عِيانية. كما أن من المهم أن يحدد الخلل الأهم في “العامل الداخلي” من خلال معرفة صحيحة للواقع العربي القائم؛ وهو ما سيوصل إلى وضع الإصبع على الوجع الحقيقي، أي التجزئة العربية والدولة القطرية على مستوى الداخل؛ وهو ما سيوصل أيضًا إلى تحديد دقيق لخطورة الدور الذي لعبه ويلعبه “العامل الخارجي” فيما آل إليه الواقع العربي.

بجانب ذلك، يوضح الأستاذ منير شفيق أن مما يترتب على إيلاء أهمية كبيرة جدًّا لدور “العامل الخارجي” ووضعه في موقع المعوِّق رقم1 في حل مشكلات التغيير والنهوض؛ أن تثار مشكلة ميزان القوى الدولي، ومتى يصبح من الممكن اختراقه والخلاص من رِبقَته وتحكُّمِه.

هاتان رؤيتان متقابلتان فيما يتصل بالعلاقة بين العاملين الداخلي والخارجي، وتأثيرهما على المعوقات الراهنة؛ ومن ثم، على الوعي والجهد المطلوبين.. وآمل أن تكون لنا عودة معهما بشيء من التأمل.


([1]) “مالك بن نبي والوضع الراهن، محمد شاويش، ص: 12- 15، و109، دار الفكر، ط1، 2007م. باختصار وتصرف يسير.
([2]) “التجزئة والدولة القُطرية.. قراءة استطلاعية”، منير شفيق، ص: 7- 17، ط1، دار الشروق، 2001م. باختصار وتصرف يسير.
التصنيفات:

الوسوم:

مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2017