فكر

مفهوم “الرشد” ومضاداته في القرآن

27 مايو, 2018

55
مشاركة

العناية بالمفاهيم القرآنية جزء ضروري من الثقافة القرآنية التي ينبغي أن يتمكن منها المسلم المعاصر لأن جزء من الإصابات التي تعرضت لها الأمة كانت في مفاهيمها، التي وجهت إليها الحداثة وما قبلها التغريب مدافعهما من أجل إحداث خلل في البناء الثقافي والتربوي في شخصية المسلم، وسوف نتناول في هذه المقالة الموجزة أحد هذه المفاهيم، وهو مفهوم “الرشد: ومضاداته في القرآن الكريم”.

والرشد لغة ضد الغيّ والضلال، والرشد: ضد السفه وسوء التدبير، وبلع أشده: بلغ كمال عقله وحسن تصريفه للأمور.[1]

والرُّشْدُ عند الفقهاء : أن يبلغ الصبي حد التكليف صالحًا في دينه مصلحًا لماله، وفي القانون: السن التي إذا بلغها المرء استقل بتصرفاته. [2]

جاء الرشد في القرآن على خمسة معان فصلتها آياته، وهذه المعان هي:

1 – الهدى والحق والإيمان (فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) [البقرة / 186]
(لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ  قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا) [البقرة 256].

(رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا) [الكهف 10 ].

وكذلك سورة الجن [2 ، 10 ، 14]، الكهف [24]، والأنبياء [51].

2 – البلوغ والأهلية للتصرف في المال وسداد الرأي، وذكرت في موضع واحد (وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ) [النساء / 6].

3 – الصلاح (وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا)[الأعراف / 146] والمقصود هنا بسبيل الرشد طريق الصلاح.

4 – العلم (قَالَ لَهُ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا) [الكهف/ 51].

5 – النفع (قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا) [الجن / 21].

الرشد في علم النفس

اهتمت نظريات علم النفس الحديث بمرحلة الرشد فيما يتعلق بالجانب العقلي، جانب نمو الإدراك والوعي للإنسان وتعرف بأنها ذروة الإنتاج الإنسان وتمتد من سن 21 – 40 عامًا، وتتسم هذه المرحلة بالاستقرار والاستقلالية واتخاذ القرارات المهمة في حياة الفرد، كما أنها ترتبط بالنمو المتكامل في الجوانب الأخلاقية والصفات الاجتماعية والعقلية والفسيولوجية. وتكوين الهوية والقيم الرئيسة لحياة الإنسان.

وتمثل مرحلة الرشد نقلة مهمة في نمو الإنسان، سواء الجسمي أو الاجتماعي أو العقلي، وهذا الأخير هو أهم ما يميز مرحلة الرشد، وتوجد مقاييس مختلفة يقاس بها نضج الفرد وانتقاله من مرحلة الطفولة والمراهقة إلى مرحلة الرشد/النضج والتي أهم ما يميزها هي النضج العقلي، والقدرات الرئيسية الأربعة لهذه المرحلة والتي تكون أكثر نضجا في مرحلة الرشد المبكر هي:[3]

1 – القدرة على إدراك تفسيرات عديدة لنفس الظاهرة أو حلولا عديدة لمشكلة واحدة.

2 – القدرة على التعامل مع احتمالات تناقض الواقع والمواقف المتصورة.

3 – القدرة على التعامل بالرموز والمفاهيم المجردة كما في الرياضيات.

4 – القدرة على استخدام الاستعارة ورموز الرموز.

الإطار العام لمفهوم الرشد

الإطار العام الذي يحده مفهوم الرشد لغويًا وقرآنيًا هو حدود الهدى والحق والصواب والصلاح والنفع والعلم والبلوغ العقلي وسلامة الوجدان.. وهذه العناصر لازمة – بل مكون أساس – لشخصية الإنسان المستخلف، وتعكس حالة الحرية، الفطرة التي يولد عليها الإنسان، والتي تتيح له الاختيار من بين متناقصين:

– (لا أملك لكم ضرًا ولا نفعًا)

– (سبيل الرشد وسبيل الغي)

– (المسلمون والقاسطون)

– (الضر والنفع) (العلم)

كما أنها تعكس حالة السعي والجهد الذي يبذله الإنسان المستخلف، وهي حالة المجاهدة الذاتية الداخلية (فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا)، والعوامل الخارجية (العوائق المادية والفكرية) التي تحول دون وصول الإنسان إلى الهدى والحق أو تحرف مساره بدعاوٍ متعددة.

وتتضح أوجه التلاقي بين مؤشر الجانب العقلي لمرحلة الرشد بحسب -بحوث علم النفس- والمعنى القرآني الذي يقيم مرحلة الرشد بحسب القدرة على التصرف في المال، وسداد الرأي في أمور الحياة، والتي تتطلب بدورها نمو القدرات العقلية لدى الفرد ليتحقق النضج المناسب في السلوك الإنساني.

يمكن -في ضوء ما سبق- أن نحدد المبادئ والقيم الأساسية التي تحكم بناء مفهوم الرشد في القرآن، وهذه المبادئ هي: الهدى، والبلوغ والأهلية، والصلاح، والنفع

1 – “الهدى“: هو محور الكون وحركته ، ويتعلق الهدى بمبدئية التوحيد، والذي يعني أن الكون كله من الله )أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ( وإليه )إِلَيْهِ الْمَصِيرُ(، وهي حركة لازمة لاستقامة حياة الإنسان بل وكل المخلوقات حتى الجماد، والانحراف في هذه الحركة –أي الانحراف عن الهدى والإيمان- يضر كل المخلوقات وحتى الجماد.

2 – والبلوغيرتبط بأهلية الإنسان وتأهله لاستقبال فعل الاستخلاف، وإحدى مظاهره في مفهوم الرشد هو المال، ويتعلق المال والتعامل معه في القرآن بالقيام بواجب الاستخلاف، وهو –أيضا- أحد مظاهر هذا الواجب )وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ( [الحديد/7]. ومؤشر البلوغ هنا هو النضج العقلي، لذا فالعقل له مكانته المميزة في الوحي، وفي المعرفة، وفي الاعتبار، وكذلك في الإيمان بالله من خلال إدراك آثاره وآياته المبثوثة في الكون، والعقل –أيضًا- مناط التكليف في الإسلام، فلا تكليف لطفل أو مجنون.

وقد انفرد المنهج القرآني في تذكير الإنسان بالعودة إلي ذاته أو إلي شعوره كي يعلم ويعقل؛ ذلك لأن التوجيه إلي آثار العقل وآياته هو الدليل القريب إلي حقيقة الإنسان، إذا وجده الإنسان وعرف حقيقته وميزه عن الجهل وفرق بين أحكامه الصائبة وخيالات النفس، وإذا استيقظ العقل داخل الذات بالتذكرة به والتوجيه إليه ، استطاع الإنسان أن يسكن إلي نفسه ويثق بفكره ويهتدي إلي السبيل إلي كل علم وكل خير.[4]

3 – أما مبدئية “الصلاح”  فإنه يعني تحمل الإنسان لمسؤولياته تجاه الكون، أي الانتقال من حالة هداية الذات إلى هداية العالم، وهو ما يستوجب من الإنسان عملين متكاملين الأول: نقض الفساد وهدمه، والثاني طرح الهدى والإيمان مقابل هذا الفساد سواء كان هذا الفساد في الإيمان أو في طرق التفكير.

4 – “العلم” – الركن الرابع في إطار مفهوم الرشد- هو أداة العمران، وهو التفضيل الذي فضل الله به الإنسان على الملائكة فقد ذكر في حوار الملائكة مع الله حول “خلافة الإنسان” في الأرض أكثر من مرة، وهو أداة لاكتشاف الله في الكون والخلق (فَأَتْبَعَ سَبَبًا* ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا) (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ ).

والعلم هو أحد الأدوات اللازمة لحركة الإنسان في الكون وإعماره بجانب الموارد البشرية والمادية، وهو الذي يقوم باكتشاف السنن في النفس والآفاق بما ييسر للإنسان استغلال الطبيعة المسخرة في الأصل للإنسان، وبما يساهم في تحقيق غاية العمران في صورتها الإيجابية حينما يرتبط العلم بالهدى والإيمان. وليس كأداة للقهر الإنساني والحروب وصرف الإنسان عن الهدى والحياة الطيبة، كما ارتبط بالمذاهب الوضعية القائمة على المرجعية المادية وتجاوز الخالق.

ومن ناحية أخرى فإن مكانة الخلافة الإنسانية تعتمد أساساً على “العلم” الذي علمه الله لآدم، فلم يكن من الممكن أن يعطي الخلافة الجاهل، ولقد ذكرت – في حوار الله مع الملائكة -كلمة خليفة مرة واحدة، بينما ذكر مشتقات العلم سبع مرات، وكانت مقدمات إلهية لاختيار الإنسان خليفة على الأرض يبلغ رسالات الله وأوامره ونواهيه.

5 – أما مبدئية النفع فهي فعل رئيس في تحقيق غاية العمران في الكون التي هي ملازمة لتحقيق فعل “العبودية” وغاية الخلق، والتي هي – أيضًا – وظيفة الاستخلاف (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [ الذاريات/56].

فالنفع مبدأ رئيس وقيمة للعمران بصفته الملازمة له وهي “المكوث” في الأرض، فالنافع دائمًا يمتد أثره في البناء الإيجابي ويفيد الإنسان في وراثة الأرض وتعميرها، على نقيض الفساد الذي يقف عائقًا أمام حركة الكون والمخلوقات في سيرها إلى الله تعالى (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ) [الرعد/17].

 مضادات الرشد

يطرح القرآن على متصل الرشد مضاداته أو مقابلاته لجذبية البيان وتثبيت المعنى المراد توضيحه، فأسلوب التقابل من الأساليب التي اعتمدها القرآن في بناء الهوية القرآنية لدى المؤمنين. والمقابلة في اللغة بمعنى التضاد، ويعرفها الباقلاني بقوله ” المقابلة هي أن يوفق بين معان ونظائرها والمضاد بضده”[5]

فالهدى –كإطار لمفهوم الرشد- يقابله/يضاده: الضلال أو الغيِّ (قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ).

والغيُّ من يغوي غَيًّا غواية: انْهَمَكَ فِي الْجَهْلِ وَهُوَ خِلَافُ الرُّشْدِ، والغيُّ – أيضًا – واد في جهنم (فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا) أي جزاء الغي أو يدخلون وادي الغي في جهنم.[6]

والبلوغ العقلي أو السداد في الرأي والتصرف، يقابله/يضاده السفه: أي الذين يسيئون التصرف لجهلهم أو نقص عقولهم (وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ). وهذا المعنى أيضًا – السفه- مضاد لمفهوم العلم : سفَه نَفْسَه: حملها على السَّفَه أي الخِفَّة والطَّيش، فكأنه حمل نفسه سفيها، وهو ما يبدو واضحًا في قوله تعالى (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ) أي جهلاً وحمقًا.

و”النفع” – الركن الرابع لمفهوم الرشد- يقابله/يضاده الضرر، و الضَّرَرُ من الضُّر وهو : سوء الحال إما في نفسه لقلة العلم والفضل والعفة، وإما في بدنه لعدم جارحة ونقص، وإما في حالة ظاهرة من قلة مالٍ وجاه. وجاء الضرر مقابل للنفع في مواضع شتى:

(يَدْعُو لَمَن ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ) [الحج/13].

(وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا) [الفرقان/3].

وأما “الصلاح” فيقابله “الفساد”، والفساد : خروج الشيء عن الاعتدال ويستعمل في النفس والبدن والأشياء الخارجة عن الاستقامة.[7] وجاء الفساد مقابلاً للصلاح في مواضع شتى من القرآن: (إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ) [يونس/80] . (اللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ).

 


[1] إبراهيم احمد عبد الفتاح: القاموس القويم للقرآن الكريم، باب الراء.
[2] مجمع اللغة العربية: المعجم الوسيط: مادة رشد.
[3] عادل عز الدين الأشول: علم نفس النمو من الجنين إلى الشيخوخة، القاهرة، مكتبة الأنجلو المصرية، ص 614.
[4]راجح عبد الحميد: نظرية المعرفة بين القرآن والسنة، ص (161).
[5] الباقلاني: إعجاز القرآن، ص 28.
[6] القاموس القويم.
[7] مفردات ألفاظ القرآن.
التصنيفات:

الوسوم:

مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2018