فكر

الاستدلال في القرآن الكريم

24 يوليو, 2018

33
مشاركة

الاستدلال أحد وجوه التفكير الإنساني، وأحد الطرق المؤدية للعلم والوصول إلى الحقيقة عبر دليل أو حجة، وقد يكون هذا الدليل استقرائي مادي، أو ذهني تصوري، والأول يسمى استقراء، والثاني استنباط، وهناك أنماط من التفكير تجمع النوعين وتسمى الاستقراء الاستنباطي، أي الذي يقوم على الملاحظة بالإضافة إلى ابتاع المنهج الاستنباطي الذي يقوم على بناء مقدمات تصل إلى نتائج لازمة عنها. والاستقراء يهتم بمادة الفكر، أما استنباط فإنه يهتم بصورة الفكر. فالأول كقولنا: الحديد يتمدد بالحرارة، والثاني كقولنا: كل العرب مسلمون.

وفي اللغة، الدليل: ما صح أن يرشد إلى المطلوب، وهو الدلالة، والبرهان، والحُجَّة، والسلطان، والدليل إنما يستعمل فيما يؤدي إلى العلم [1].

وقد وعى القرآن عملية الاستدلال وآفاقها في تشكيل الوجدان الإنساني الذي لا بد أن يقوم على العلم لا الجهل والبحث لا التقليد والتجربة لا مجرد النقل، فاهتم القرآن بدفع الإنسان إلى النظر والتأمل والمراجعة والاعتبار التاريخي، وذم الظن والتقليد وأحكام الهوى التي تصدر بغير علم، وحفز النفس الإنسانية على تتبع الأسباب، والآثار للحوادث والأقوام والأشخاص وذلك من أجل الاستدلال بها على قضايا كبرى تشغل الإنسان منذ القدم وهي قضايا الخلق والوجود والمصير .

إن القرآن لم يترك الإنسان عبثًا يتيه مع التائهين، أو يهيم على وجهه عابثًا أو ماجنًا أو حائرًا تجاه هذه القضايا المصيرية الكبرى، كما أنه لم يأمره أن يسلم بالتقليد ووراثة السابقين، ولكنه خط له طريق البحث نحو الوصول إلى اكتشاف الإجابات الكبرى عن طريق عقله الذي منحه الله إياه ومن أدوات التفكير التي حض القرآن على استخدامها (الحواس- العقل-الحدس-الفطرة- التجربة..).

وللاستدلال عند الأصوليين مكانة مهمة باعتباره جزءًا من أجزاء الاجتهاد هو عبارة عن: إسناد الأحكام إلى المعاني الكلية المستنبطة من النصوص الجزئية التي أثبتها وأنشأها الشارع ابتداء؛ فمحيطه ودائرته الإظهار والكشف عن مكنون ما أودعه الله تعالى من أحكام في المعاني الكلية العامة المستخلصة من نصوصه وتكليفاته الجزئية المنصوصة.[2]

الاستدلال في القرآن

من وجوه الاستدلال في القرآن طلب البرهان/ الدليل باعتباره مصاحبًا للحكم والتصديق، فلا حكم أو تصديق بلا دليل أو برهان، وذلك في قوله تعالى {أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [ النمل/64]. { قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَٰذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي}[الأنبياء/24]. كما أن الله تعالى أرسل رسله مؤيده بالدليل المادي {قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ} [النساء/174]. {فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ} [القصص/32].

والبرهان: بيان للحجة، والبرهة مدة من الزمن، والبرهان أوكد الأدلة، وهو الذي يقتضي الصدق أبدًا لا محالة، ويقسم الراغب الأصفهاني الأدلة على خمسة أضرب:[3]

– دلالة تقتضي الصدق أبدًا.

– ودلالة تقتضي الكذب أبدًا.

– ودلالة إلى الصدق أقرب.

– ودلالة إلى الكذب أقرب.

– ودلالة إلى إليهما سواء.

ويذكر ابن عاشور في تفسير الآية  (64) سورة النمل بأن هذه الآية ابتدأت بدليل قريب من برهان المشاهدة وهو خلق السموات والأرض وما يأتي منهما من خير للناس. ودليل كيفية خلق الكرة الأرضية وما على وجهها منها، وهذا ملحق بالمشاهدات. وانتقلت إلى استدلال من قبيل الأصول الموضوعة وهو ما تمالأ عليه الناس من اللجأ إلى الله تعالى عند الاضطرار وانتقلت إلى الاستدلال عليهم بما مكّنهم من التصرف في الأرض إذ جعل البشر خلفاء في الأرض، وسخر لهم التصرّف بوجوه التصاريف المعينة على هذه الخلافة ، وهي تكوين هدايتهم في البر والبحر. وذلك جامع لأصول تصرفات الخلافة المذكورة في الارتحال والتجارة والغزو.

فالله تعالى لجأ في محاورة الكافرين لاستدلال قبل أن يطالبهم به، والاستدلال بالواقع المشاهد أي الاستدلال الاستقرائي لينتقل به إلى الاستدلال الاستنباطي على وجوده تعالى وألوهيته، فانتقل جل شأنه من مقدمات معاينة وملموسة إلى نتيجة غير معاينة وغير ملموسة بالعين المجردة، وهذا هو جوهر الاستدلال الاستقرائي أي الانتقال من المعلوم (المقدمات الجزئية) إلى المجهول (النتائج /التعميمات).

وسائل الاستدلال في القرآن وأدواته

(السير + النظر = الاعتبار)

يمكننا أن نطرح هذه المعادلة القرآنية في توجيه الإنسان إلى الاستدلال بمعناه الحضاري والمعرفي والتاريخي هذه المعادلة تتضمن الصيغة التالية: السير + النظر = الاعتبار فالسير والنظر، يؤديان إلى الاعتبار وتحصيل العبرة لأولي الألباب {إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب} [آل عمران/190] أي ذوي العقول الراجحة التي استخدموها بما يؤدي بهم إلى معرفة حقه ، بحال ومصير الإنسان في ضوء الحوادث الواقعة تارة، أو تؤدي به إلى تعديل تصوراته صوب الخالق جل وعلا. ويسبق السير النظر، فلا نظر لقاعدة أو راكن عن سبق الكون في الرغبة عن الاكتشاف وإعمال العقل فيما يبني المعارف والعقائد الحقة لدى الإنسان.

    وقد ذكر السير  في (14) موضعًا في القرآن -اقترن وسبق- النظر في (12) موضعًا، هي: [آل عمران/ 137]، [الأنعام/11]، [يوسف / 109]، [النحل / 36]، [النمل / 69]، [العنكبوت / 20]، [الروم / 9]، [الروم / 42]/ [فاطر / 44]، [غافر/ 21]، [غافر / 82]، [محمد / 10].

وقد تنوعت مجالات السير والنظر في القرآن منها:

1 – النظر في أحوال الأمم السابقة.

2 – النظر في سنن التاريخ ومصائر المستبدين والضالين والطواغيت.

3 – اكتشاف سنن الله في الخلق.

4 – الوعي بحقيقة القوة البشرية في مقابل قدرة الله غير المحدودة.

5 – الوقوف على سنن قيام الحضارات وسنن انحطاطها وسقوطها.

إن الاعتبار بالسير والنظر وحصول المعرفة بالدليل والآثار الملموسة، عامل أساس في تطور حركة العقل البشري بما يسمى اليوم في العلم الحديث بمبدأ “التراكمية” الذي يجعل المعرفة والعلم في طريق مستقيم يتجنب من الأخطاء التي وقع فيها ويتجنب عوامل الضعف التي وقع فيها العقل البشري سابقًا، ويبني على عوامل القوة مصيره وحاضره ومستقبله، لتقليل عوامل الانحراف وتعزيز عناصر البناء، بما يحقق توفير الجهد والوقت اللازمين للبناء العلمي والحضاري.

يذكر صاحب تفسير المنار حول مقاصد آيات السير والنظر في القرآن قوله”… لقد كان لآثار الماضيين مما عَثر عليه الباحثون واكتشفه الدارسون دور في صقل المواهب، وتأكيد المعارف الصحيحة وبيان القيم والزائف منها، ولا تزال تجارب وخبرات السابقين تكشف للاحقين أخطاءهم وتريهم سلبيات أعمالهم وتقودهم نحو الأفضل والأحسن حتى عقل اللاحقون وفقهوا كثير من أصول ومقومات الحضارات السابقة. ولقد كان تفاوت الأمم واستعدادها للتقبل والاعتبار عاملاً من عوامل تقدم أمم ونكوص أمم أخرى، ومن هنا كان من أتى به القرآن من هدى وإرشاد ومن دعوة إلى التأمل والتدبر والسير في الأرض والنظر في التاريخ عوامل بناء في المجتمعات وسننًا في قيام الحضارات[4].


[1] ابن خلف الباجي: إحكام الفصول في أحكام الأصول، ص 47.
[2] عمر المحمودي: مفهوم الاستدلال عند الأصوليين وتطور دلالته، شبكة ضياء للدراسات. https://diae.net/49098/#_ftnref9
[3] الراغب الأصفهاني: مفردات ألفاظ القرآن، ص121.
[4] محمد رشيد رضا: تفسير المنار، الجزء الثاني.
التصنيفات:

الوسوم:

مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2018