فكر

ابتهاج محمد..من الإجحاف إلى الاعتراف

21 فبراير, 2019

38
مشاركة
ابتهاج محمد..من الإجحاف إلى الاعتراف, ابتهاج محمد, الإسلاموفوبيا, العنصرية في الغرب, المسلمون في العالم, رياضيون مسلمون,

عندما يفوز رياضي ما بلقب عالمي أو ميدالية ذهبية فهذا شيء طبيعي، وعندما يفوز منتخب ببطولة ما فهذا شيء عادي، لكن عندما يقف رئيس دولة هي الأقوى في العالم ويتحدث عن رياضية مسلمة ترتدي الحجاب وهي مقبلة للمشاركة في أشهر الألعاب الدولية وهي الألعاب الأولمبية..فهذا أمر له مدلوله الثقافي والديني والإجتماعي.

 

الأمر يتعلق بالرئيس الأميركي السابق باراك أوباما والبطلة الأولمبية الأمريكية المسلمة ابتهاج محمد التي استضافتها قطر خلال الأيام الماضية لتشهد نهضتها وتقف على إنجازاتها الرياضية.

ذات يوم، وقف أوباما بين المدعوين في إحدى المناسبات الرياضية، مخاطبا إياهم قائلا: عندما يتوجه الأميركيون للمشاركة في أولمبياد ريو دي جانيرو المقبلة بالبرازيل، ستكون بينهم فتاة مسلمة ترتدي الحجاب وستلوح للمرة الأولى بالعلم بلونيه الأحمر والأبيض ونجماته الـ50 ذات الخلفية الزرقاء، ويكمل: إنها ابتهاج محمد لاعبة المنتخب الأميركي مبارزة سلاح الشيش.

لا يوجد تفسيرات كثيرة لهذا الموقف أكثر من القول أن حجاب ابتهاج محمد وزيها الإسلامي هما من أعطاها تلك الحالة الرائعة من التقدير والاحترام، وهي التي عانت كثيرا من الإجحاف بحق المسلمين. لكن ابتهاج محمد حولت كل ذلك الإجحاف بحقها كمسلمة في ممارسة تعاليمها الدينية، إلى اعتراف رسمي وغير رسمي بهذه المبادئ السمحاء التي رفضت التخلي عنها تحت أي ظرف ووفق أية قوانين أو تعليمات.لتصبح عام 2016 أول أمريكية مسلمة ترتدي الحجاب تصل إلى الألعاب الأوليمبية وتفوز بميدالية.

ابتهاج محمد، ولدت مسلمة في مدينة “ماليبوود” بولاية نيوجيرسي الأميركية في الـ5 من ديسمبر 1985، حيث أسلم والدها هيداجي ووالتها دينيس قبل ولادتها بعامين. وقد أصبحت هذه الفتاة، السودانية الأصل الأمريكية الجنسية، بطله أولمبية عندما تم تسخير كل الأمكانيات اللازمة لنجاحها وتفوقها، فقد كانت أول أميركية محجبة تشارك في الأولمبياد، لكن هذه المكانة التي وصلت إليها لم تأت هكذا، فالمسار لم يكن سهلا كما يتوقع البعض، خاصة في مجتمع أمريكي يخزن أفكارا مسبقة عن المواطنين الذين يعتنقون الدين الإسلامي.

حجابي هويتي وفخري واعتزازي

لكن ابتهاج المسلمة، كانت مبتهجة بدينها ومتمسكة بتعاليم الإسلام، ومصرة على عدم الرضوخ لأية إغراءات أو ضغوط تطلب منها التنازل عن المبادئ الدينية التي تعتنقها وتؤمن بها. بل إنها أعطت درسا للجميع في كيفية التمسك بتعاليم الدين وأساسياته، حيث تقول: لا زلت أذكر عندما تلقيت أمر استدعائي لتمثيل المنتخب الأميركي للمرة الأولى، في تلك الليلة لم أنم من شدة الفرح وبقيت أحلم.. بالتتويج ورأسي عالٍ بحجابي الغالي”. وتضيف: “عندما ذهبت إلى المعسكر فوجئت هناك بمن يطلب مني خلع الحجاب حتى أتمكن من المشاركة مع المنتخب، ساعتها جاء الرد الحاسم والقاطع والذي لن يقبل المناقشة، لن أتخلى عن حجابي ولن أخلع الزي الإسلامي فهو هويتي وفخري واعتزازي، إذا أردتم مشاركتي على هذا النحو فأهلاً ومرحباً بكم، وإذا لم تقبلوا فلن ألعب للمنتخب الأميركي، وهذا ردي النهائي، ولن أتنازل عنه حتى لو كلفني الأمر الاعتذار عن تمثيل المنتخب وهو الشرف الذي حاولت كثيرا أن أصل إليه وأناله”.

تقول ابتهاج عن تلك المشاركة: “أريد أن أنافس ضمن الأولمبياد وأمثل الولايات المتحدة حتى أثبت أنه لا يوجد أي عائق يحول بين المرء وبلوغ هدفه”، وأضافت: “لا العرق ولا الدين ولا الجنس، قادرة على تحطيم أي حلم، أريد أن أكون مثال المثابرة التي تجعل المستحيل ممكنا”.

وفي النهاية، لم ترضخ ابتهاج، لكن المسؤولون عن المنتخب الأمريكي رضخوا لرغباتها وانصاعوا لإصرار على عدم التخلي عن دينها في سبيل أي مجد أو نجاح أو تفوق. وهي تشكر الله دائما لأنها “تمكنت من العثور على رياضة احتضنت معتقداتها الدينية وحققت رغبتها في ارتداء الحجاب”، حيث تقول :”قادتني رغبتي في ارتداء الحجاب إلى رياضة أحببتها، ولولا ذلك لما كان من المحتمل أن أكتشفها أبدا”.

مواقف..إصرار واعتذار

لم يكن هذا الموقف هو الوحيد الذي أثبت مدى تمسك ابتهاج بحجابها وزيها الإسلامي،حيث طلب منها ،وهي بطلة أولمبية، أثناء المشاركة في مؤتمر رياضي أن تخلع حجابها لالتقاط صورة بطاقة الدخول، وعندما رفضت أعطوها بطاقة أخرى تحمل اسم شاب وليس فتاة موضوعا بجانبه صورتها بالحجاب. لكن عندما سمع المسؤولين عن تنظيم المؤتمر بذلك قاموا بطرد المتسبب في الحادثة وقدموا لها اعتذارا رسميا نشرته بعض وسائل الإعلام.

كما أن لهذه البطلة الأولمبية المسلمة مواقف عدة، مكنتها من الدفاع عن معتقداتها ودينها الإسلامي، من دون أن تعتدي على حرية الآخرين، أو تنال منهم، لكنها كانت دائما تدافع عن الحق، وترفض الظلم والتجني على أي كان مهما كان دينه أو عرقه أو أصله.

ويسجل لها في هذا الشأن وقوفها إلى جانب الملاكم الروسي حبيب نورمحمدوف ودفاعها عنه ضد الهجوم اللفظي على ديانته ووالده من منافسه الأيرلندي كونور ماكغريغور الذي نقلت كل القنوات الفضائية في العالم كيف كان يسخر من حبيب كمسلم، ويهينه على الهواء مباشرة في مؤتمر صحفي قبل مواجهته له في نزال على لقب بطل العالم للوزن الخفيف للفنون القتالية المختلطة. لكن الملاكم الداغستاني أعطى درسا لنظيره الإيرلندي وفاز عليه بعد أن انتهى النزال باستسلام ماكغريغور في الجولة الرابعة بعد أن قام حبيب بخنقه ليجبره على الاستسلام مثلما وعد المقاتل الروسي قبل النزال.

رياضة وتجارة..وباربي أيضا

إضافة لنشاطها في المجال الرياضي في رياضة المبارزة، أسست ابتهاج محمد متجرها الإلكتروني”لويلا Luella للأزياء” في عام 2014 وقد ساعدها أخوها في التواصل مع المعامل في لوس أنجلوس حيث يصنعون الملابس. وفي نهاية المطاف أصبحت تصمم منتوجاتها الخاصة بشكل مستقل بالتعاون مع أخت لها. وهي تعتزم أن تعطي عملها التجاري وقتها الكلي عندما تتعاقد من المجال الرياضي.

كما تسهم أيضا منذ عام 2002 في مؤسسة “بيتر ويسبروك” غير الربحية في نيويورك التي تعمل على مساعدة شباب الأحياء الفقيرة خصوصا عبر الرياضة، كما أنها تستعمل لعبة المبارزة لمساعدة شباب الأحياء الداخلية الفقيرة في المدن على تطوير مهارات تمكنهم من تأمين معيشتهم. كما لا تخفي ابتهاج اهتمامها بمجالات أخرى كاللغات والدين إضافة إلى ولعها بكرة القدم، وهي حاصلة على شهادة البكالوريوس في العلاقات الدولية والدراسات الأميركية الأفريقية، كما درست اللغة العربية كمادة فرعية.

وفوق هذا كله، واحتفاء بهذه البطلة الأولمبية، أطلقت شركة “ماتيل”، وهي شركة متخصصة لاستيراد ألعاب الأطفال وأنظمة ألعاب الفيديو، دمية “باربي ابتهاج” المُحجبة وذلك تكريما للاعبة المبارزة بالشيش الأمريكية المسلمة ابتهاج محمد.

ونشرت ابتهاج عبر حسابها الرسمي على “إنستغرام” صورة لها مع الدمية، وأرفقتها بتعليق: “أخيرا، أنا سعيدة لأعلن أنه بإمكانكم الحصول على دمية Barbie ابتهاج منذ اليوم “. وجاءت الدمية مشابهة للبطلة الأولمبية، حيث ارتدت الحجاب والخوذة وحذاء رياضيا، وبدلة لاعبي رياضة المبارزة، وبيدها السيف.

حرص قطري

ولأن قطر تحرص على الاهتمام بالرياضة، فهي تحرص أيضا على الاستفادة من تجارب الآخرين، لذلك فقد كانت ابتهاج محمد ضيفة في العاصمة الدوحة أثناء الاحتفالات باليوم الرياضي، كشاهد ودلالة على اهتمام قطر بالرياضة وإثراء الحركة الأولمبية، خاصة إذا تعلق الأمر ببطلة أولمبية مسلمة ألهمت بنجاحها الكثيرين في مختلف أنحاء العالم، و كانت واحدة من شخصيات مجلة “Time” المائة الأكثر تأثيرا في العالم.

وأثناء تواجدها بقطر، تحدثت ابتهاج عن مسيرتها الرياضية، وسلّطت الضوء على التحديات التي واجهتها بوصفها امرأة محجبة خاضت الألعاب الأولمبية، وكيف تمكنت من التغلب عليها، والمضي قدماً في تحقيق الإنجازات. وقالت ابتهاج: “أسعى دوماً لأن أكون مصدر تحفيز للآخرين نحو إحداث التغيير الإيجابي، ومن خلال هذه المحاضرة أُتيحت لي فرصة استخدام هذه المنصة من أجل القيام بذلك”.

وبعد مغادرتها قطر كتبت ابتهاج عبر حسابها في تويتر :”لقد زرت مناطق ومؤسسات كثيرة في قطر،لمعرفة المزيد عن رؤية قطر الجريئة باعتبارها الدوحة المضيفة لكأس العالم 2022. ستكون هذه هي أول بطولة لكأس العالم في الشرق الأوسط ، وأتطلع إليها تاركة بصمة دائمة وإيجابية على المنطقة”.

وفي حديثها عن رحلتها كلاعبة أولمبية، قالت للجمهور القطري الذي جاء ليسمعها: “واجهت كثيرا من الصعوبات ليس فقط في المجتمع الرياضي وتحديدا في مجال المبارزة، وإنما أيضا في أوساط أسرتي”. كما قدمت ابتهاج نصيحة للأجيال قائلة: “أتمنى أن تكون أحلامكم أكبر بكثير من أحلامي، من المهم أن نقود حياتنا بالإيمان، ليس فقط في مرحلة الطفولة وإنما مدى الحياة”.

سيرة ذاتية..فخر وعنصرية

ولتنقل ابتهاج تجربتها للأجيال أصدرت فى أواخر يوليو الماضي، كتابا يحكى سيرتها الذاتية في ٢٨٨ صفحة، يحمل عنوان: “فخورة: كفاحي من أجل حلم أمريكى غير محتمل”، تقول فيه: “رغم أن فوزى بالميدالية البرونزية فى الألعاب الأوليمبية ريو دى جانيرو عام ٢٠١٦، جاء بجهد كبير، إلا أنه خطوة أولى في رحلة أكثر أهمية”. وتضيف: “كان من السهل علىّ الاستسلام للتحديات الرهيبة التى أواجهها، من العنصرية والإسلاموفوبيا، ويدفعنى ذلك للاكتئاب، لكن هذا لم يؤثر علىّ، وقررت الكفاح من أجل الفوز، وفى كل مكان واتجاه سعيتُ للحصول على الاحترام فى طريقى لأكون رياضية من الطراز العالمى”.
لم تنته التحديات أمام ابتهاج، ما جعلها دائما تتذكر المواقف التى تعرضت فيها لمواقف معادية وعنصرية ضدها بسبب إسلامها وحجابها، حتى إنها عانت داخل الفريق الأمريكى نفسه، فتقول فى كتابها: “شعرت وكأنى مواطن من الدرجة الثانية من قبل مدربى وزملائى”.

وتتابع فى كتابها: “سأواصل القتال، لأن الجائزة هذه المرة ليست الذهب فقط، بل دولة تحترم كل مواطنيها، وهو ما سيكون وسيتحقق إن شاء الله”، موضحة: “(إن شاء الله) لأولئك الذين لا يعرفونها هى جملة باللغة العربية، نحب كمسلمين الإفراط فى استخدامها”.

وتعلق مجلة “نيوزويك”، الأمريكية، على تلك الفلسفة التى تنتهجها ابتهاج: “دفعتها إلى التفوق في تحدٍ بعد تحدٍ، فمنذ طفولتها وهى مجتهدة حتى أصبحت الطالبة الأمريكية الإفريقية الوحيدة فى مدرستها بنيو جيرسى، بالإضافة إلى كونها مسلمة”.

سيف وحجاب وحج

لم تستطع ابتهاج محمد أن تخفي سعادتها الغامرة بعد إتمامها لرمي جمرة العقبة الكبرى في مشعر منى، وهي التي كانت حريصة على أداء مناسك الحج.

وعادة ما تعود ابتهاج بالحديث عن الأجواء التي عاشتها في الحج بالقول: “لن أنسى طيلة حياتي هذه اللحظات التي عشتها في المشاعر المقدسة ما بين مكة والمدينة، فقد دهشت حقا من المنظر البديع والجميل للمسجد الحرام بالتوسعة الكبيرة التي مكنت الكثير من المسلمين من أداء الصلوات والسعي والطواف بيسر، ولن أنسى أيضا مشاعر الطمأنينة والأمن والأمان التي عشتها في المدينة المنورة”.

وتضيف: “رغم سعادتي بعد أن أتممت مناسك الحج فإنني أشعر بالحزن نوعا ما، بسبب أنني أغادر مكانا شعرت فيه بروحانية لم تمر علي من قبل”.

وعندما عادت ابتهاج لبلدها من رحلة الحج كتبت في تويتر: لا استطيع الانتظار لأخبركم بكل شيء عن تجربة الحج..كانت رحلة رائعة ولحظات صادقة من الدعاء..أدعو الله أن يستجيب لكم جميعا..ويدعوكم للحج”. وأضافت في تغريدة أخرى:”لا يمكن للكلمات أن تعبر عن السعادة التي تغمر قلبي، وقد حصلت على فرصة أتيحيت لي للتواجد في مكة المكرمة. أرجو أن تكون كل جهود الحجاج مقبولة ، وآمل أن يدعوك الله للحج قريباً”.

 

التصنيفات:

الوسوم:

المصدر: تقرير من مصادر متعددة
مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2019

بترخيص من وزارة التنمية الإدارية و العمل و الشؤون الاجتماعية رقم 18/2019