فكر

استراتيجية الإكتفاء الذاتي..الطريق نحو الإستقلالية

Feature image

الاكتفاء الذاتي هو قدرة الدولة على تحقيق كافة احتياجاتها من المواد الغذائية والطبية وغيرها من الاحتياجات ذات الأهمية الأساسية في حياة الناس ، وتعتبر استراتيجية الإكتفاء الذاتي من أهم الخطوات نحو الإستقلالية عن العالم الخارجي ، وقد عانت الكثير من الدول من مشاكل اقتصادية مزمنة بسبب عدم نجاحها في تحقيق الاكتفاء الذاتي ومرد هذه المشاكل بالأساس هو زيادة حجم النفقات على شراء المواد الغذائية والأدوية لتغطية السوق المحلية.

 

في المقابل استطاعت الدول التى حققت اكتفاءها الذاتي من الغذاء والدواء عبر استرتيجيات وسياسات فعالة من تخفيف العبيء على ميزانيتها وخلق فرص عمل وزيادة النشاط الاقتصادي عبر مشاريع الإكتفاء الذاتي. كما تمنح سياسات الاكتفاء الذاتي فرصة للدلة من أجل الاستفادة مما تتمتع به منثروات طبيعية كالأراضي الزراعية ، والمياه الجوفية و غيرها من عوامل الإنتاج التى تحتاج إلى  الإرادة والرؤية الثاقبة والسياسات الفعالة من أجل الاستفادة منها في خدمة أهداف التنمية وتطوير حياة الفرد والمجتمع. إن الإكتفاء الذاتي هو صمام أمان الدول في ظل عالم مضطرب مشتعل بالأزمات السياسية والاقتصادية التى تحدث فجأة، لذلك حرصت العديد من الدول على رسم خطط وسياسات تنموية تهدف إلى تحقيق الإكتفاء الذاتي وانفقت استثمارات كبيرة من أجل إنجاح هذه الاستراتيجية.

تركز هذه المقالة على أهمية استراتيجيات الإكتفاء الذاتي ودور هذه الاستراتيجيات في تحقيق أهداف التنمية وتحقيق الاستقلالية للدول.

الاكتفاء الذاتي حصن ضد الأزمات

يعتبر تحقيق الاكتفاء الذاتي خطوة جوهرية في سياسات الدول ، ذلك لما تسهم به هذه السياسة في توفير الأمن الغذائي للسكان وتحصينهم من الأزمات والمشاكل الناجمة عن الهزات الاجتماعية والحروب وغيرها مما يتسبب في ارتفاع أسعار الغذاء في السوق الدولية ، وقد شهدت سنة 2008 أزمة غذاء حادة نتيجة للأزمة المالية التى شهدها الاقتصاد العالمي. وأدت هذه الأزمة إلى ارتفاع كبير في أسعار المواد الغذائية والأدوية وقد عانت الدول التى تعتمد على الخارج في استيراد هذه المواد معاناة كبيرة حيث زادت نسبة النفقات على استيراد الغذاء والدواء بشكل كبير ، وتسبب ذلك في زيادة العبئ على ميزانية هذه الدول.

استطاعت الدول التى حققت نجاحات في سيساة الاكتفاء الذاتي من تطويع الأزمة وكان تأثيراتها بارتفاع أسعار الغذاء محدودة جدا ، لأنها اتبعت سياسة الاعتماد الذات وتحقيق الاكتفاء الذاتي من احتياجاتها محليا وعبر أيادي وطنية وفق سياسات قوية وفعالة. ليس هذا فحسب بل إن الاعتماد على المصادر الطبيعية والبشرية الداخلية في تحقيق الاكتفاء الذاتي يشكل حصنا منيعا للدول في حالة الأزمات وأمام سياسات الابتزاز التى قد تتعرض لها من بعض الدول المنتجة للغذاء. إن صناعة الوعي بأهمية تحقيق الاكتفاء الذاتي للدول يعتبر أهم خطوة نحو استقلالية هذه الدول وقدرتها على رسم مستقبل أكثرا أمانا لها ولشعبها.

 كيف نحقق الإكتفاء الذاتي

هناك مجموعة من الأسس والقواعد التى يجب اعتمادها من طرف الدولة الراغبة في تحقيق الإكتفاء الذاتي الوطني من هذه الأسس  بناء اقتصاد مستقل غير مدين ولا يعتمد على سياسات المنح والمساعدات الخارجية، إن قدرة الاقتصاد على النمو والتطور بعيدا عن الديون الخارجية هو مؤشر قوي على قوة الاقتصاد واستقلاليته ، ومن بين الأسس التي تساعد على تحقيق الإكتفاء الذاتي أيضا ما يعرف بسياسة “التنويع” وهي قدرة الدولة على توزيع مصادر الدخل من القطاعات الأكثر انتاجا نحو القطاعات الأقل انتاجا من أجل دعم هذه الأخيرة ومساعدتها على التحسين في أدائها للمساهمة في تحقيق أهداف النمو الاقتصادي.

إن الاختلال الذي يسببه عدم اتباع استراتيجية “التنويع” يسبب خللا في اقتصاد الدولة ينتهي بما يعرف ب “Dutch Disease  ” وهو أحد الاختلالات التى تصيب الاقتصاد وتنهكه. كما تشمل الأسس التي يقوم عليها بناء الإكتفاء الذاتي القدرة على الاستفادة من الموارد الطبيعية للدولة وذلك من خلال سياسات تشغيل فعالة وقوية إضافة إلى تدفق الاستثمارات في المشاريع التى تعتمد تشغيل الموارد الطبيعية خاصة الأراضي الزراعية.

تجدر الإشارة هنا إلى أن بناء العنصر البشري وتكوينه وتزويده بالتقنيات الحديثة يعتبر عنصرا مهما في سياسة الإكتفاء الذاتي فالدور التكاملي بين المصادر البشرية والمصادر الطبيعية هو ما يشكل القوة القادرة على تحقيق أهداف السياسات  التنموية وفي طليعتها سياسة الإكتفاء الذاتي. وهكذا فإن العقلانية في تسيير الموارد الطبيعية والبشرية يخلق اقتصادا قويا ومتماسكا وقادرا على الانتاج وتحقيق الاستقلاية للدول.

استطاعت دول عديدة تحقيق الإكتفاء الذاتي في مجال الغذاء والدواء محققة بذلك أحد أهم أهداف التنمية المستدامة ، ومكن هذا الإنجاز هذه الدول من الاعتماد على مصادرها الطبيعية وثروتها البشرية في خلق مشاريع اقتصادية منتجة تسهم في تغطية حاجيات السوق المحلية من المواد الأساسية كما توفر فرص عملا لقطاعات واسعة من الناس.

إن الاهتمام الذي أولته هذه الدول من خلال سياساتها واستراتيجيتها التنموية التى شملت دعم قوي وفعال للقطاع الخاص حيث يشكل هذا القطاع دورا بارزا في تحقيق أهداف استراتيجية الإكتفاء الذاتي. بهذا النجاح حققت هذه الدول مجموعة من الأهداف في طليعتها الاستقلالية عن العالم الخارجي في مجال الغذاء والدواء كأساسيات للحياة ، كما ساهمت مشاريع الإكتفاء الذاتي في خلق قيمة مضافة لاقتصادات هذه الدول ومنحته فرصة تنافسية أقوى.

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين

مقالات ذات صلة