شريعة

لو كنت في زمن النبوة لنزل فيك وحي!

19 يناير, 2020

29
مشاركة
لو كنت في زمن النبوة لنزل فيك وحي!, ضابئ بن الحارث البرجمي, قصة عثمان بن عفان مع ضابئ البرجمي,

الهجاء عنف لغوي، يؤذي المهجو، وينتهك عرضه ويشوه صورته، وقد يميته حكما ومعنى، يقول ابن الونان:

وَكَمْ وَكَمْ حَطَّ الهِجَا مِنْ ماجِدٍ *** ذِي رُتْبَةٍ قَعْسَا وقَدْرٍ سَمِقِ

مِثْلِ الرَّبِيعِ وبَنِي العَجْلانِ مَعْ *** بَنِي نُمَيْرٍ جَمَراتِ الحَــــدَقِ

بل ربما يتعدى أثر الهجاء شخص المهجو إلى أهله وقبيلته، ومن الهجاء ما قتل المهجو كمدا وأماته حقيقة، على نحو ما نقل من موت الراعي النميري بسبب قصيدة جرير الفاضحة كما يقول ابن رشيق وفيها يقول جرير:

فَغُضَّ الطَرفَ إِنَّكَ مِن نُمَيرٍ ** فلا كَعبـًا بلغتَ ولا كِـــــلابا

وَلوْ وُزِنتْ شيوخ بَنِي نُمَيــرٍ ** عَلى المِيزانِ ما وَزنتْ ذُبابا..

وللباحثة فاطمة الوهيبي دراسة جميلة على قصيدة جرير هذه ينصح بالرجوع إليها.

ولأن الهجاء يعتبر عدوانا لفظيا، وإيذاء بالغا، نجد ابن حجر الهيتمي رحمه الله في كتابه  الزواجر 2/351  يعده من الكبائر، إن كان في حق مسلم، وتُرَدُّ شهادةُ الهاجِي لفسقِه، قال: “وممن صرح بأن هجو المسلم فسق العمراني في البيان حيث قال: إن هجا مسلما فسق…، والروياني في البحر حيث قال: أما إذا آذى في شعره بأن هجا المسلمين أو رجلا مسلما فسق به لأن إيذاء المسلم محرم…”.

والمتتبع لسيرة الخلفاء الراشدين يجد أنهم عاقبوا على الهجاء، بل نجد عثمان بن عفان رضي عنه يقول هذه العبارة “لَو كنت فِي زمن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم لنزل فِيك وَحي” مستعظما ما نطق به الشاعر من هجاء للقوم الذين أحسنوا إليه فبادل إحسانهم بإساءة وهو ضابئ بن الحارث البرجمي.

ومن خبره أنه كان مولعا بالصيد، ولأجل ذلك استعار من بني نهشل  كَلْبا اسْمه قُرحان وَكَانَ يصيد بِهِ الْبَقر والظباء فطال مكثه عِنْده، فطلبه أصحابه فَامْتنعَ ضابئ من رد الكلب إليهم، فَرَكبُوا إليه يطْلبُونَ كلبهم حتى نزلوا عنده وأخذُوا كلبهم، فَغَضب ضابئ وهجاهم بشعر هجاء مرا بل قذف أمهم بالكلب. فقال:

تَجشّمَ نحوي وفْدُ قُرحانَ شُقة … تَظَل بِهِ الوَجناءُ وَهِي حَسيرُ

فأردَفتهُم كلْباً فراحـــــوا كَأَنَّمَا … حَباهْم بتاج الهُرمزانِ أميــرُ

وقلَدْتهم مَا لَو رميْت مُتالِــــعاً … بِهِ وَهْوَ مُغْبر لكـــــاد يَطـــير

فَيا رَاكباً إِمَّا عرضت فبلغن … أسامَةَ عني والأمورُ تـــــدورُ

فأمُّكمُ لَا تترُكُوها وكلْبَـــــكم … فَإِن عقوقَ الْوَالِدين كَبيـــــــر…

فَلَمَّا بَلغهُمْ هذا الشّعْر وَرأوا أَنه رمى أمّهم بالكلب اسْتَعدوا عَلَيْهِ عُثْمَان بن عَفَّان رَضِيَ اللَّهُ عَنْه، وشكوه إليه وأسمعوه ما قال فيهم ليؤدبه.

فَاستدعاه عثمان رضي الله عنه وقَالَ لَهُ: مَا أعرف فِي الْعَرَب أفحش وَلَا ألأم مِنْك، فَإِنِّي مَا رَأَيْت أحدا رمى أحدا بكلب غَيْرك، وَإِنِّي لأظنك لَو كنت فِي زمن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم لنزل فِيك وَحي.

ثم رأى عثمان أن يحبسه تأديبا وزجرا له ولغيره من الشعراء عن أعراض الناس أسوة بعسنة الخليفة قبله عمر بن الخطاب رضي الله عنه وبقي ضابئ في السجن حتى مات، فغضب ابنه لذلك واسمه عمير بن ضابئ وهم بقتل عثمان رضي الله عنه وقال:

هممّت ولم أفعلّ وكدت وليتنى … تركت على عثمان تبكى حلائله

وإن كان هذا البيت ينسب أيضا لضابئ نفسه، وأنه كان قد اخفي في ثيابه مدية يريد طعن عثمان بها إذا لقيه.

وَلما قتل عُثْمَان رضي الله عنه قتله من قبل المارقين عليه جَاءَ عُمَيْر بن ضابئ فرفسه بِرجلِهِ فَكسر ضلعين من أضلاعه الشريفة رضي الله عنه انتقاما لموت أبيه في السجن، وَقَالَ: حبست أبي حَتَّى مَاتَ.

وَلما كَانَ في زمن الْحجَّاج بن يوسف الثقفي -واستعرض أهل الْكُوفَة ليوجههم إِلَى الْمُهلب للقتال معه- أتاه عُمَيْر بن ضابئ وَهُوَ شيخ كَبِير يرعش كبرا فَقَالَ: أَيهَا الْأَمِير إِنِّي من الضعْف على مَا ترى ولي ابْن أقوى على الْأَسْفَار مني أفتقبله بديلاً؟ قَالَ: نعم. فَلَمَّا ولى قَالَ قَائِل: أَتَدْرِي من هَذَا أَيهَا الْأَمِير قَالَ: لَا قَالَ: هَذَا عُمَيْر ابْن ضابئ الَّذِي يَقُول:

هممت ولم أفعل وكدت وليتنى … تركت على عثمان تبكي حلائله

وقد كسر ضلعي عثمان رضي الله عنه.

فَقَالَ الْحجَّاج: ردُّوهُ عَليّ. فَلَمَّا رد قَالَ: أَيهَا الشَّيْخ هلا بعثت إِلَى عُثْمَان بديلاً يَوْم الدَّار إِني رأى  فِي قَتلك صلاحاً للْمُسلمين، يَا حرسي اضْرِب عُنُقه.

فخاف أهل الكوفة من سيف الحجاج حتى قال قائلهم:

تخيّر فإمّا أن تزور ابن ضابئ … عميرا وإمّا أن تزور المهلّبا

هما خطّتا خسف نجاؤك منهما … ركوبك حوليا من الثّلج أشهبا

وهذه القصة أي قصة بخل ضابئ برد الكلب الذي استعاره من قومه وجرأة ابنه وسفاهته في رفس عثمان أشار إليهما ابن الونان في قصيدته الشمقمقية بقوله:

لا تَبْخَلَنْ بِرَدِّ ما اسْتَعَرْتَــــــهُ ***كَضَابِىءٍ فالبُــــــــخْلُ شَرُّ مُوبِقِ

شَحَّ بِرَدِّ كَلْبِ صَيْدٍ وهَجَـــــــا ***أرْبَابَهُ ظُلْـــــــــــــماً فَلَمْ يُصَدَّقِ

ومَاتَ في سِجْنِ ابْنِ عَفَّانَ كَمَا ***قَضَى الإلهُ مِيتَــــــــةَ المُحَزْرَقِ

ونَجْـــلُهُ مِنْ أجْـــــــلِهِ أجَـــــلُهُ ***مِنْ سَطْوَةِ الحَجَّـاجِ لَمْ يَكُنْ وُقِي

إن موقف عثمان رضي الله عنه هنا في صيانة أعراض المسلمين وحفظها لئلا تبقى مذالة يسلقها الشعراء الهجاءون بألسنة حداد، موقف موفق، وقد سنه قبله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لما تطاول بعض الشعراء في غصره على أعراض المسلمين ومن ذلك  قصته مع الشاعر الهجاء الحطيئة جرول بن أوس فقد أسرف في الهجاء ووجه قريحته لهذا الغرض حتى هجا نفسه وهجا أمه وهجا والده وهجا زوجته

ومن ذلك قوله  يَهْجُو نَفْسَهُ:

أبت شفتاي اليوم إلا تكلّما … بسوء فما أدرى لمن أنا قائله

أرى لى وجها شوّه الله خلقه … فقبّح من وجه وقبّح حامله

ولهذا أصيب الناس بذعر منه وخوف من لسانه فكانوا يهابونه ويعطونه خشية أن يتعرض لهم بسوء. ومن ذلك قصته مع الزبرقان بن بدر التميمي الذي لقيه في سنة مجدبة، فقال له الزبرقان: اذهب الى منازلنا وهناك سوف تشبع من اللبن والتمر، وسوف تكون في أحسن جوار وأكرمه، وفعل الحطيئة ورضي عن الزبرقان ومدحه ولكن خصوم الزبرقان أغروا الحطيئة بالتحول إليهم وأوغروا صدره على الزبرقان فهجاه هجاء مقذعا بقصيدة يقول فيها:

دع المكارم لا ترحل لبغيتها … واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسى

فما كان من الزبرقان إلا أن اشتكي الحطيئة للفاروق عمر بن الخطاب .. وقال لقد هجاني الحطيئة بقوله:

دع المكارم لا ترحل لبغيتها.. واقعد فإنك انت الطاعم الكاسي..

فقال له عمر: ما أعلمه هجاك، أما ترضى أن تكون طاعماً كاسياً؟!

فقال الزبرقان: “إنّه لا يكون في الهجاء أشدّ من هذا: أكل مروءاتي هي أن آكل وألبس؟ ”

فأرسل عمر إلى حسّان بن ثابت شاعر الرسول صلى الله عليه وسلم، فسأله عن ذلك، وأسمعه البيت.

فقال حسان: لم يهجه ولكن سلح عليه! فحبس عمر الحطيئة  وقال: يا خبيث لأشغلنّك عن أعراض المسلمين.

فكتب الحطيئة رسالة شعر من داخل سجنه يستعطفه ويقول فيها:..

ماذا تَقولُ لِأَفراخٍ بِذي مَــرَخٍ      حُمرِ الحَواصِلِ لا ماءٌ وَلا شَجَرُ

أَلقَيتَ كاسِبَهُم فــي قَعرِ مُظلِمَةٍ     فَاِغفِر عَلَيكَ سَـلامُ اللَهِ يا عُمَرُ…

فرق عمر شفقة على أولاه وأخذ عليه أن لا يهجو أحدا، ودفع إليه ثلاثة آلاف درهم واشترى بها منه أعراض المسلمين.

ولعمر رضي الله عنه  قصة أخرى مع الهجاء مع الشاعر النجاشي الحارثي الذي هجا بنى العجلان، بأبيات منها قوله:

تعافُ الكِلاَبُ الضَّارِياتُ لُحُومَهُمْ * وَيَأكُلنَ مِنْ عَوْفٍ وكَعْبِ بن نَهْشَلِ

فشكوه إلى عمر بن الخطّاب رضى الله عنه، وبعد محاورة لهم، واستشارة لذوي الاختصاص هدد عمر الشاعر النجاشي وقال إن عدت قطعت لسانك.

التصنيفات:

الوسوم:

مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2020

بترخيص من وزارة التنمية الإدارية و العمل و الشؤون الاجتماعية رقم 18/2019