فكر

عناصر تميز الإدارة في الثقافة الإسلامية

Feature image

يؤمن المسلم بأن الله سبحانه وتعالى قد ضمن له رزقه وقدره له منذ نشأته، وعليه أن يأخذ بالأسباب للحصول على هذا الرزق الحلال الطيب. يقول الله تبارك وتعالى: ﴿ وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ ﴾ (الذاريات: 22، 23).

والرزق بصفة عامة هو كل خير ونعمة سخرها الله لعباده لتعمير الأرض وعبادته سبحانه وتعالى وحده لا شريك ولا نِد له. وتعمير الأرض يستلزم الأخذ بالأسباب في كل المجالات، ومنها إدارة السلوك التنظيمي في منظمات الأعمال.

– التوجه التفاعلي في المنظمات:

ومن ذلك السلوك؛ التوجه التفاعلي للقادة في المنظمات، ودورهم في فلاح منظماتهم وتحقيقها لأهدافها في جو من البر والتقوى.

وتوجد ثلاثة عناصر لأي منظمة تريد الفلاح؛ وهي الآتي: الإيمان الحقيقي (الجانب العقائدي)، والعمل الصالح (الأخذ بالأسباب)، والنواحي الخلقية.

وهذه العوامل مجتمعة؛ هي التي تميز المنظمات التي تعمل وفقاً للمنهج الإسلامي بالمقارنة بغيرها من منظمات الأعمال في الدول الأوروبية والغربية؛ من غير المسلمين. والقائد المتميز هو الذي يستطيع وفق هذه العوامل أن يحقق الفلاح لمنظمته.

إن القائد المتميز يجب أن يكون طرفاً في شبكة من العلاقات المتعددة التي تصب في تنمية وبناء قدرات المنظمة سعياً لتحقيق أهدافها. وإدارة العلاقات مهمة رئيسية يجب أن يباشرها بكفاءة، ومن خلال تلك العلاقات يحصل القادة المتميزون لمنظماتهم على شروط أفضل مع الأطراف ذات المصلحة مع المنظمة مثل الموردين، كما يحققوا نتائج أفضل مع الموزعين، كما يمكنهم الحصول لمنظماتهم على تسهيلات ائتمانية من المؤسسات التمويلية بشروط أفضل[1].

ويؤمن القائد المتميز بأن العمل مسئولية وعلاقة تبادلية بينه وبين العاملين على مختلف المستويات داخل المنظمة.

كما يلزم القائد نفسه بمجموعة من القيم والمسئوليات التي تنبع من النهج الإسلامي القويم كي يحقق أهداف منظمته ويقدم قدوة صالحة للمرؤوسين.

كما أن كل ما توصل إليه الفكر الغربي من إجراءات في الاختيار للقائد يجب أن تكون محل اعتبار من توصيف للوظائف والاختيار والتعيين والتدريب والإشراف… وغيرها.

– أسباب الفلاح في المنظمات:

ومن أسباب الفلاح والبركة في الرزق الحلال والفوز بنعيمي الدنيا والآخرة، الآتي[2]:

الإيمان بالله عز وجل.

تقوى الله عز وجل.

حسن التوكل على الله.

الالتزام بشرع الله عز وجل.

الأخذ بالأسباب بالعمل الصالح.

الإتقان في الأخذ بالأسباب.

أداء الحقوق المشروعة من زكاة وصدقات وصلة أرحام.

الإنفاق في سبيل الله.

الشكر لاستمرار الفلاح.

التوبة والاستغفار وذكر الله.

 

– نماذج من قادة التميز:

إن الإسلام دين ونظام حياة، وعبادة وعمل مندمجين، وشمولية الإسلام ووسطيته تجعله الدين العالمي الذي يعترف باحتياجات الإنسان الروحية والمادية، المعنوية والجسدية، الأخلاقية والمصلحية. وهو دين الفطرة؛ التي فطر الله تعالى الناس عليها فهو للبشر جميعاً. والإيمان والأخلاق والعمل الصالح يؤدي إلى الفلاح في الدنيا والآخرة.

وهذا هو الاختلاف بين القادة المتميزين طبقاً للمنهج الإسلامي والقادة المتميزين في الدول الغربية غير المسلمة.

ونماذج القيادة في القرآن الكريم توضح من هو القائد المتميز. فنموذج ذي القرنين يوضح، كيفية معاقبة المخطئ، وإثابة المحسن، وإرشاد المستضعفين. يقول الله تبارك وتعالى: “وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْرًا * إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا * فَأَتْبَعَ سَبَبًا * حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا * قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُّكْرًا * وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاء الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا * ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا” (الكهف: 83 – 89).

كما أن نموذج سليمان (عليه السلام) يوضح أن القائد المتميز قائد يقظ، وجاد، وعادل، ومتواضع، وحريص على تنمية المواهب (ويوضح ذلك مواقفه مع الطير والإنس والجن)؛ حيث كان الهدهد ممثلاً عن الطير، وعفريت من الجن ممثلاً عن الجن، وموقف ممثل الإنس.[3]

ونموذج يوسف (عليه السلام) في اختيار القيادات، بالعلم والأمانة.

ومن ذلك نجد تحمل المسئولية عن نتائج الأعمال. وتقديم النصح الصادق وإبداء الرأي الأمين لرؤساء العمل، والحرص على مصالح المنظمة، والعناية والمحافظة على أموالها وأصولها وأسرارها.

– إعداد القادة الإداريين:

ويباشر القادة المتميزون تفاعلهم بدرجات متفاوتة مع العاملين (العملاء الداخليين بمفهوم إدارة الجودة الشاملة)، والعملاء (الزبائن)، وكل المتعاملين مع المنظمة (موردين – موزعين – المسئولين في منظمات التمويل – المسئولين الحكوميين في الجهات ذات الصلة – أصحاب رأس المال[4]).

وفي جميع الأحوال يهدف القادة المتميزون إلى تعظيم ثروة المنظمة والموازنة بين مصالح جميع الأطراف ذات الصلة وتعظيم فرص المنظمة في تحقيق أهدافها الاستراتيجية، وتحييد التهديدات الخارجية وتجنبها.

إن القادة المتميزين قد حباهم الله تعالى قدرات فكرية ومهارات عقلية يوظفونها في خدمة المنظمات التي يعملون بها. والأهم أنهم يوظفون العلم والتطورات التقنية في توجيه العاملين معهم من أجل تحقيق أهداف المنظمة.

الجدير بالذكر؛ أن القادة لا يوجدوا من فراغ، بل هم نتيجة حصيلة من الإعداد والتدريب والتنمية المتواصلة قامت بها مؤسسات التعليم، والمنظمات التي ينتمون إليها. ومن مؤشرات تفوق المنظمات أنها تطلق الطاقات الإبداعية وتذلل العقبات أمام العاملين وتوفر البيئة الصالحة لإطلاق تلك الطاقات؛ وتمكين العاملين بها حتى يمكنهم إثبات ذواتهم. وأيضاً فإن القادة المميزون يكررون ما أتيح لهم من إمكانيات وفرص التمكين للقادة الواعدين بالتدريب والتنمية وإيجاد البيئة الصالحة لإطلاق طاقاتهم.

والنقطة الهامة هنا أن مواصفات وقدرات قادة التميز لا تجعلهم بشر من طينة مختلفة، ولكنهم بشر عاديون؛ قد أتيحت لهم الظروف المناسبة التي ساعدتهم على التميز وسمحت لهم بتفعيل قدراتهم ومهاراتهم.

– صفات قادة التميز:

إن القادة في المنهج الإسلامي هم أناس لهم القدرة على التأثير في الآخرين. فالقائد يؤثر في الآخرين من خلال إعمال العقل والمحبة والتعاطف، وأن يستثمر المشاعر الطيبة الموجودة عند كل البشر بدرجات متفاوتة. يقول الله تعالى مخاطباً رسوله صلى الله عليه وسلم: “فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ” (آل عمران: 159).

ومن هذه الآية الكريمة، يمكن الاستدلال على صفات التميز التي يجب على القادة في كل المنظمات أن يتأسوا برسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يتحقق لهم النجاح، وهي: الرحمة والتعاطف، والإحاطة بمتطلباتهم ومحاولة حل مشاكلهم، والرأفة وتجنب القسوة، وجمع الشمل وتزكية روح الجماعة، والعفو عن الأخطاء، والاستغفار لهم على أخطائهم، وطلب آرائهم في حل المشكلات مع اتخاذ القرارات بعد التشاور مع العاملين، والاعتماد على الله سبحانه وتعالى في كل الأمور مع الأخذ بالأسباب.

– الفرق بين التميز في الإسلام والتميز في المنظمات الغربية:

والسؤال الهام هنا: إذا كان المنهج الإسلامي يقوم على التوجه الإلهي والسنة النبوية المشرفة، لماذا يوجد قادة متميزين من غير المسلمين؟

والإجابة أن هؤلاء المبتكرين والمخترعين والذين قدموا للعلم وللإنسانية خدمات واكتشافات وأداء متميز في كافة المجالات العلمية مثل الطب والتدريس والاستشارات وغيرها من الأنشطة ولم يتعرفوا عن الإسلام وتعاليمه السمحة. فإن تفسير ذلك أنهم قد اعتمدوا على العمل الجاد، كما أن معاملاتهم قد تكون على درجة كبيرة من حسن الخلق، ولكنهم افتقدوا إلى الجانب الأول في الفلاح وهو جانب العقيدة والإيمان. ولذلك نجد أن عوامل الفشل تكمن داخل المنظمات البعيدة عن المنهج الإسلامي الرباني. ودليل ذلك أن عوامل الفساد نجدها في منظمات غربية وأمريكية كثيرة، رغم الشكل الخارجي أنها متقدمة وناجحة.

وهناك أوجه اختلاف أخرى، خاصة فيما يتعلق بمظاهر الصعوبة في إدارة السلوك التنظيمي؛ والتي تتعلق بتأثيرات الطبيعة البشرية، وأهمية التنسيق بين عناصر النظام السلوكي، والتناقض بين الفرد والتنظيم. ولذلك نؤكد أن تميز القادة في الإسلام، لم يكن امتداداً للأنظمة الأجنبية السابقة، بل كان على نمط القادة الإسلاميين الذين نشروا الإسلام بتعاملاتهم وأخلاقهم في الأسواق وفي كل المواقع.

 


[1] علي السلمي، إدارة السلوك التنظيمي Managing Organizational Behavior (القاهرة: دار غريب للطباعة والنشر والتوزيع، 2004م)، ص ص 722 – 725
[2] حسين حسين شحاتة، أسباب البركة في الأرزاق (القاهرة: المؤلف، 2011م)، ص ص 17 – 25
[3] أنظر في ذلك: محمد المحمدي ماضي، استراتيجية التغيير التنظيمي – مدخل إسلامي مقارن (القاهرة: دار النشر للجامعات، 2000م)، ص ص 157 – 163.
[4] أصحاب رأس المال هم ملاك المنشأة أو حملة الأسهم، والمقرضين للمنشأة.

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين

مقالات ذات صلة