فكر

سنختلف إلى يوم القيامة..

Feature image

قبل عدة أشهر من الآن، أذكر أنني نشرت مقالاً تحدثت فيه عن المسلسل التلفزيوني الرائع حول سيرة سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأتذكر كيف دار النقاش حول المسلسل ما بين تأييد ومعارضة لفكرة تجسيد الصحابة ومن ضمنهم سيدنا عمر الفاروق رضي الله عنه وأرضاه.

 بادئ ذي بدء أقول، بأنه ليس في النقاش والاختلاف في الآراء شيء، بل هو الطبيعي أو هو المطلوب أن يكون في كثير من أمور حياتنا، بما فيها الدينية من تلك التي لم يأت نص صريح بشأنها، وربما المثال الذي بدأت به المقال، أحد تلك الأمور التي اختلف العلماء حولها منذ فترة طويلة، ما بين الحل والتحريم والكراهة..

يتبين لنا كم نحن جميعاً دون استثناء، بحاجة إلى التزود بمعرفة ألف باء الخلاف والنقاش ومن ثم الارتقاء بثقافة الحوار وتقبل الآخر، وعدم الاعتداد بالرأي والإصرار على قهر المخالف..

 وما دعاني إلى الكتابة حول هذا الموضوع مستشهداً بالمسلسل مرة أخرى، ليس المسلسل نفسه بقدر ما هي النقاشات التي دارت وما زالت تدور رحاها بالملتقيات العامة والمجالس أو شبكات التواصل المتنوعة، ليس حول المسلسل وإنما حول كثير من القضايا المستجدة في حياتنا..

 تُظهر النقاشات فعلاً حين تكون طرفاً فيها، مدى الحاجة إلى تعلم أدبيات الخلاف والارتقاء بالنقاش وتبادل الآراء ليكون الهدف هو الصالح العام، وليس تحويل النقاش إلى حرب آراء، إما أن أفوز برأيي وانتصر أو لا معنى لحياة بعدها!! بمعنى آخر، أن النقاشات عادة تتحول سريعاً الى جدال عقيم ومراء لا يفيد البتة. ولقد رأيت بأن الاستمرار في مثل تلك النوعيات من المناقشات، غالباً ما تكون سبباً في مشاحنات واحتقانات يتركها المهزوم في نفسه، انتظاراً ليوم آخر قريب، لا ليتبع الحق، بل ليرد الصاع صاعين، بل إن استطاع أن يكون الرد بأكثر من صاعين فلن يتردد مطلقاً!

 أمام تلكم الحالة، يتبين لنا كم نحن جميعاً دون استثناء، بحاجة إلى التزود بمعرفة ألف باء الخلاف والنقاش ومن ثم الارتقاء بثقافة الحوار وتقبل الآخر، وعدم الاعتداد بالرأي والإصرار على قهر المخالف..

 إن مشكلة كثيرين تكمن في فكرة قبول الرأي الآخر، والسبب في ظني هو ضيق الصدر وقصر النظر، إضافة إلى ثقافة الإلغاء أو الإقصاء التي يكون قد تعلمها أو مر بها في تجربة حياتية قاسية، دفعته إلى إعادة التجربة مع الغير، حيث يجد في التجربة نوعاً من التنفيس عنده، أو لإكمال عقدة نقص شديدة التأثير عليه، ربما يكون مصاباً بها، فلا يجد سوى تطبيق الإلغاء أو الإقصاء أو قهر الخصم، طريقة مناسبة للارتياح واستشعار قيمته أمام الغير!

 أمثال هؤلاء إن صادفتك ظروف الحياة ودخلت نقاشاً مع أحدهم، فإنه يلزمك جملة أمور أقدمها لك كنصائح من مجرب وليس منظّر.. أولها، أن تمتلك زمام أمرك وضبط أعصابك وعدم التهور بمنافسته فيما هو يخطط له.. وبدلاً من أن يهبط بك إلى دونية التفكير والمقاصد، ارتق أنت به إلى علو الأهداف و المقاصد.

 ولا يمنعك أخيرا، أن ترأف بحاله، وإن استطعت أن تعينه الى معالجة ما به من مشاعر سلبية أو عقد نقص، فقد تكون أسديت خدمة راقية وعملاً جميلاً له، قد تنبهه في قادم الأيام وتكون سبباً في تغييره نحو الأفضل والأنفع له ولحياته ومحيطه.. فكم منا من يقود أمثال أولئك لمثل تلكم التحولات.. إنه أمر بحاجة لبعض التأمل والتفاكر، وخصوصاً من رواد تويتر وأخواته..

 

 

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين

مقالات ذات صلة