شريعة

الإفطار في رمضان بسبب “فيروس كورونا”

13/04/2020

Feature image

يثار التساؤل حول جواز إفطار المسلمين في رمضان القادم بسبب “فيروس كورونا” ، استنادا إلى أن الإنسان بحاجة إلى شرب المياه دائما، وذلك لأن انتقال الفيروس يكون غالبا عند جفاف الحلق.

وقد تسابقت هيئات الإفتاء والمفتون في مصر إلى الإدلاء بالرأي في ذلك، وانقسمت دوائر الإفتاء في مصر، بين قائل بالجواز وقائل بالمنع ومتوقف.

ومن المائلين إلى القول بجواز الإفطار الدكتور علي جمعة، مفتي مصر الأسبق، الذي رأى أن الأمر يرجع فيه إلى الأطباء، لأنهم الأعلم بالواقع.

وأنه يجب اتباع إرشادات الأطباء إذا رأوا الإفطار في رمضان للوقاية من “فيروس كورونا”، وذلك بنصحهم بشرب المياه بشكل مستمر.

وهو ما قال به مستشار مفتي مصر وأمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية الدكتور مجدي عاشور.

واستند علي جمعة في فتواه على ما يلي:

1- أن الأمر يتعلق بالطب، والواجب اتباع أهل الاختصاص، لأنه جزء من فهم واقع المسألة.

2 – أن عدم الأخذ برأي الأطباء فيه ضرر على صحة الإنسان، فتكون مخالفتهم محرمة، ومخالف الأطباء عاص، بل هو في حكم المنتحر!

3 – إذا كان الصيام سيؤدي إلى الضرر يكون حراما، ويعاقب فاعله، ولا ثواب عليه.

في حين توقفت دار الإفتاء المصرية، ونفعت أن يكون قد صدر منها أي فتوى في الشأن، وأنها متوقفة حتى تطلع على آراء الأطباء في ذلك الشأن.

على أنه من العجيب توصيف الدكتور علي جمعة أنه في حال نصح الأطباء بالفطر أن مخالفهم يأخذ حكم المنتحر، وهو شذوذ في الفتوى، فالقياس على الانتحار قياس مع الفارق.

لجنة الفقه والفتوى بمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر: وعلى خلاف رأي علي جمعة، فإن لجنة الفقه والفتوى بمجمع البحوث الإسلامية – أعلى سلطة دينية في مصر- فقد رأت اللجنة أنه يحرم على المسلمين الإفطار في رمضان بسبب التخوف من “فيروس كورونا”.

واستندت اللجنة إلى رأي عدد من الأطباء المتخصصين في الفيروسات والعدوى ومنظمة الصحة العالمية، وأن الجميع أكد عدم وجود دليل علمي على وجود ارتباط بين الصيام والإصابة بالفيروس، وأنه بناء على ذلك، فإن أحكام الصيام تبقى على حالها من وجوب الصيام وحرمة الإفطار، إلا أصحاب الأعذار الذين رخص لهم في الإفطار من المرضى الذين لا يقدرون على الصيام، وغيرهم من أصحاب الرخص.

مركز الأزهر العالمي للفتوى الالكترونية: وممن نفى رخصة الصيام بسبب “فيروس كورونا” وأوجب الصيام مركز الأزهر العالمي للفتوى الالكترونية الذي أفتى أنه ” لا يجوز للمسلم أن يُفطِرَ رمضان إلَّا إذا قرَّر الأطباء وثبت علميًّا أن الصِّيام سيجعله عرضةً للإصابة والهلاك بـ “فيروس كُورونا”، وهو أمر لم يثبت علميًّا حتى هذه اللحظة”.

وقد استندت فتوى مركز الأزهر العالمي للفتوى الالكترونية إلى سؤالين وجها إلى منظمة الصحة العالمية – المكتب الإقليمي للشرق المتوسط:

الأول: هل شرب الماء يخفف من التهاب الحلق؟ وهل يقى من العدوى بمرض “فيروس كورونا” (كوفيد-19)؟

فأجاب: من المهم شرب الماء للحفاظ على مستوى الرطوبة فى الجسم مما يحفظ الصحة العامة، ولكن لا يقى شرب الماء من العدوى بمرض كوفيد – 19

الثاني: هل تساعد الغَرْغَرَة بغسول الفم على الوقاية من العدوى بفيروس كورونا المستجد؟
فأجاب: «لا، لا توجد أى بيِّنة على أنَّ استخدام غسول الفم يقى من العدوى بفيروس كورونا المستجد.. هناك بعض العلامات التجارية لغسول الفم قد تقضى على جراثيم معينة لبضع دقائق فى اللُّعَاب الموجود بالفم، لكن لا يعنى ذلك أنها تقى من العدوى بفيروس كورونا المستجد – 2019م

وعقب مركز الأزهر العالمي للفتوى الالكترونية: ” وإذا أراد الصائم لأى سببٍ آخر أن يجعل فمه رطبًا، فقد سَنَّ له الإسلام المضمضة حال الوضوء، فيستعين بها على ترطيب فمه؛ شريطة ألَّا يُبالغ فى ذلك؛ كى لا يدخل الماء إلى جوفه فيبطل صومه؛ وذلك لما جاء عن سيدنا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ هَشَشْتُ فَقَبَّلْتُ وَأَنَا صَائِمٌ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ صَنَعْتُ الْيَوْمَ أَمْرًا عَظِيمًا، قَبَّلْتُ وَأَنَا صَائِمٌ، قَالَ: «أَرَأَيْتَ لَوْ مَضْمَضْتَ مِنْ الْمَاءِ وَأَنْتَ صَائِمٌ» قُلْتُ: لا بَأْسَ بِهِ، قَالَ: «فَمَهْ» [أخرجه أبو داود]، فقوله: «أَرَأَيْت لَوْ مَضْمَضْت مِنْ الْمَاء»: فِيهِ إِشَارَة إِلَى أن مجرَّد المضمضة حال الصوم ليس فيها شيء إذا لم يدخل الماء فى جوف الصائم”. ا.هـ

بيان حكم الصيام

ومن المعلوم شرعا أن الصيام واجب على كل مسلم بالغ عاقل قادر مقيم، كما قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ . أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 183، 184].

ودلالة الآية الأولى العموم، وخصصت الآية الثانية الآية الأولى، فرخصت للمرضى والمسافرين وأصحاب الأعذار، ومن سواهم يجب عليهم الصيام ويحرم عليهم الإفطار.

ويأتي التساؤل هنا:

1- هل التخوف من الفيروس يلحق الأصحاء بالمرضى أصحاب الأعذار؟

2- هل المرضى بهذا الفيروس يكونون من أصحاب الأعذار، فيصح لهم الفطر، وما حكم الأيام التي أفطروها؟

أما الصنف الأول من الأصحاء الذين لم يصابوا بالمرض، فليس لهم الإفطار، لأنهم ليسوا أصحاب عذر، وأن مجرد التخوف لا يحولهم إلى أصحاب أعذار.

كما أنه لا يجوز نقض أصل العبادة بالمظنة، وذلك بخلاف منع الصلاة في المساجد، فلم يقل أحد من الفقهاء أنه يجوز للإنسان أن لا يصلي مطلقا، بل يصلي في البيت وليس في المسجد خشية الانتقال، ففرق بين صلاة الجماعة وبين أداء الصلاة ذاتها.

وكذلك الشأن في الصيام، لا يجوز نقض أصل العبادة، بل يجب على المسلم البالغ العاقل القادر المقيم غير المسافر أن يصوم.

كما ثبت من خلال منظمة الصحة العالمية أن ” شرب الماء لا يقي من الإصابة بفيروس كوفيد -19، وعليه فلا يجوز للأصحاء أن يفطروا.

بل إن أحد الأطباء غير المسلمين هو الدكتور أريك بيرج والذي يعمل كأستاذ مساعد بجامعة “هاورد”، كما فاز بجائزة برنامج راديو حول الصحة سنة 2005م، قال: “الصيام لعدد ساعات طويلة يساهم في دخول الجسم في طور الالتهام الذاتي، والذي من أهم أهدافه تنظيف الميكروبات والبكتيريا والفيروسات والطفيليات من الجسم، قد يساعد الصيام المطول في زيادة الخلايا الجذعية المادة الأولية لنظام مناعة جديد وقوي.
وأشار إلى دور فيتامين د في مكافحة “فيروس كورونا”، مؤكدا أن من يعانون من نقص كبير بمستويات فيتامين (د) يعانون من مستوى إجهاد وتوتر كبير وقوة الجهاز المناعي منخفضة”.

أما مرضى الفيروس، فإنه يجوز لهم الفطر بناء على الرخصة التي تبيح لهم، كما في قوله تعالى: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ)، وذلك أن هذا المرض يتطلب شرب المياه باستمرار، مع أخذ الدواء، مع الوضع في الاعتبار أنه ليس كل مرض مبيح للفطر، بل المقصود من الآية:  فمن كان منكم مريضا مرضا يمنعه من الصيام، وليس مطلق المرض.

فلهؤلاء المرضى الذين يشق عليهم الصيام – بما في ذلك مرضى كورونا- الفطر، وبعد الشفاء؛ يجب عليهم القضاء لقوله تعالى: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ).

كما يمكن لكل أصحاب الأعذار الذين يتخوفون من الإصابة بالمرض الفطر، لكن لا يكون التخوف من المرض وحده كاف لإباحة الفطر، فمثلا، المسافر يجوز له الفطر، وإن كان الأولى صيامه، فيجوز له هنا الفطر، لأن له رخصة في الأصل، وكذلك أصحاب الأعمال الشاقة، الذين يصعب عليهم الصيام ولا مصدر للكسب لهم إلا هذا، وكذلك كبار السن، والحامل والمريض، وكل من في حكمهم من أصحاب الأعذار، فيكون الإفطار في حقهم هنا أولى، من جهة أنه اجتمع سببان؛ رئيس، وهو العذر الشرعي، وتابع، وهو “فيروس كورونا”، فيقوي الأخذ بالرخصة الشرعية.

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين

مقالات ذات صلة