شريعة

نبذة عن الحركة العلمية الشرعية في العهد الأموي

Feature image

كان العصر الأموي امتدادا لفترة الخلافة الراشدة، وهو عصر صغار الصحابة رضي الله عنهم الذي بدأ من ولاية معاوية بن أبي سفيان – رضي الله عنه – سنة 41 هـ إلى الوقت الذي عرضت فيه بوادر الضعف في الدولة الأموية وذلك في أوائل القرن الثاني الهجري.

لقد كانت الحياة العلمية على اختلاف أنواعها سائرة سيراً حسناً، ولم يأل الخلفاء والأمراء جهدا في تشجيع مسيرتها وتعزيزها، واعتنوا بحسن خدمتها وإيضاحها مما جعل عصرهم عصرا تنتعش فيه دولة العلم، وحظوا بصحبة كثير من الصحابة ونخبة علماء التابعين، واستفادت الدولة منهم وأفادوا، وكانوا يكرمونهم ويؤيدونهم في دفع نشاط الحركة العلمية، فتنوع الإنتاج العلمي يومئذ تنوعاً واسعا في مختلف العلوم: من تفسير وحديث وفقه وعربية وغيرها، وكل علم في رقي وتكامل وظهرتظاهرة بذور التدوين العلمي في معظم العلوم، وتبينت مشاهدها ومدارسها.

وفي علم التفسير: كان على رأس علمائه الصحابي أبو العباس عبد الله بن عباس، وتتلمذ على يديه رضي الله عنه جلة التابعين.

يقول الإمام ابن تيمية رحمه الله: وأما التفسير فإن أعلم الناس به أهل مكة لأنهم أصحاب ابن عباس.[1]

وقد ترك ابن عباس عدداً من الطلاب كان لهم أثر كبير في نشر العلم، حيث أنشأوا عدة حلقات للدراسة كان الطابع الغالب عليها هو طابع الجد في دراسة القرآن الكريم، وكان كل واحد منهم مدرسة مستقلة بنوع خاص في علم التفسير.

كما تراه في واقع سعيد بن جبير رحمه الله، الذى رزق علم القرآن وكان مرجعا في التفسير والقراءات.

فعن ميمون بن مهران رحمه الله قال: قد مات سعيد بن جبير وما على الأرض أحد إلا وهو محتاج إلى علمه.[2]

وقال إسماعيل بن عبد الملك: “كان سعيد بن جبير يؤمنا فى شهر رمضان فيقرأ ليلة بقراءة عبد الله بن مسعود، وليلة بقراءة زيد بن ثابت، وليلة بقراءة غيره، وهكذا أبداً”[3]

وكان أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان سأل سعيدا بن جبير أن يكتب إليه بتفسير القرآن، فكتب، وبقي ذلك التفسير فى ديوان الدولة يستفيد منه الناس.

ولازم مجاهد ابن عباس وعرض عليه القرآن ثلاث عرضات من أوله إلى آخره، يوقفه عند كل آية، فيسأله عنها وعن وقت نزولها وأسباب النزول، فيحفظ ذلك ويكتبه،[4] وروى ابن أبي مليكة، قال: رأيت مجاهدا سأل ابن عباس رضي الله عنهما عن تفسير القرآن ومعه ألواحه، فقال ابن عباس رضي الله عنهما: اكتب، حتى سأله عن التفسير كله.[5]

كما اشتهر في تلك الفترة من بين أعلام علماء التفسير زيد بن أسلم الذي كان له كتاب في التفسير وعنه أخذ مالك.

وأبو العالية رفيع بن مهران الرياحى الذي روى عن أُبيّ بن كعب نسخة كبيرة فى التفسير.[6]

ومحمد بن كعب القرظي الذى كان من المقربين إلى الخليفة عمر بن عبد العزيز رحمه الله لمعرفته السابقة به حين كان عاملاً على المدينة. فلما ولي الخلافة كان يذهب إليه، ويتحدث معه في الزهد والقصص والتفسير الذي اشتهر به.[7]

ويلاحظ في هذا العصر بداية شيوع ثقافة تدوين تفسير القرآن بلا التحرج، وكثرت صحف التفسير من حينه، مع تميزها بالخلو من الأقوال الباطلة غالبا، والعناية بالآثار المسندة، والتركيز على بيان معاني مفردات القرآن الكريم من خلال أقوال العرب وأشعارهم، وإبراز جوانب كثيرة من علوم القرآن كالقرآءات والناسخ والمنسوخ وأسباب النزول وغيرها،وقلة الاختلافات في التفسير.

علم الفقه: رسم العصر الأموي ضرورة المرجعية العلمية الأصيلة الموثوقة التي تعرض عليها النوازل والقضايا المفتقرة إلى تحقيق المناط الخاص، وتمثلت ذلك في واقع المدينة النبوية بالوضوح، فإنها تفوقت بأئمتها الفقهاء السبعة الشهيرة: سعيد بن المسيب (ت 94 هـ) وسليمان بن يسار (ت107 هـ) وسالم بن عبد الله (ت 106 هـ) والقاسم بن محمد (ت 120 هـ) وعروة بن الزبير (ت 94 هـ) وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود (ت بعد 90 هـ) وخارجة بن زيد بن ثابت (ت 100 هـ)

ولما كان اجتهاد هؤلاء الفقهاء اجتهادا جماعيا لهيئات الفتوى قدمهم المسلمون على غيرهم في جل المسائل العلمية ويثوبون إليهم عند حلول الخطوب والمعضلات والوقائع المستجدة، وكاد يكون قولهم بمثابة الاجماع، لا سيما وهم يمثلون حلقة الوصل الرئيسة بين جيل الصحابة وبين جيل أئمة المذاهب الفقهية على اختلاف بلدانهم.

عن ابن المبارك قال: كان فقهاء أهل المدينة سبعة…إذا جاءتهم المسألة دخلوا فيها جميعًا، فنظروا فيها، ولا يقضي القاضي حتى يرفع إليهم، فينظرون فيها، فيصدرون.[8]

وكان زيد بن أسلم رحمه الله من مشاهير الفقهاء بالمدينة؛ وهو أحد الفقهاء الذين دعاهم الوليد بن يزيد رحمه الله إلى دمشق ليسمع فتاواهم في قضايا فقهية.[9]

وتشير الأخبار إلى أنه كان من المألوف في العصر الأموي تبادل الرسائل في المسائل الفقهية، ويبدو أن بداية تأليف كتب الفقه المصنفة حسب الأبواب الفقهية كان في أواخر القرن الأول الهجري، إذ يذكر ابن قيم الجوزية رحمه الله: أن مصنفاً للزهري في الفقه كان في ثلاثة أسفار، وأن فتاوى الحسن البصري كانت في سبعة أسفار مرتبة على أبواب الفقه”[10].

ومن تلك الفترة برز فقهاء مهّدوا لمدرسة الرأي، منهم علقمة بن قيس والأسود بن يزيد، وكان على رأس هؤلاء: ربيعة بن أبي فروخ، وكان الناس يلجأون إليه عند عدم وجود نص، فسمي ربيعة الرأي،[11] تقديراً له، ولذلك قال مالك: ذهبت حلاوة الفقه منذ مات ربيعة.[12]

ويتجلى من هذا أن العصر الأموي هو عصر البناء والتأسيس لنشأة المدارس الفقهية الكبرى، وخاصة في المدينة النبوية والكوفة التي كانت النواة الأولى لمدارس الفقه، إذ عليهما يدور جل فقه الصحابة كما تراه في كتب تاريخ التشريع الإسلامي، وسمي الحجازيون بأهل الحديث لوضوح شدة اهتمامهم بالأثر من الرأي والنظر وكراهيتهم للمسائل الافتراضية لم تقع بعد، وعرف العراقيون بأهل الرأي لاستكثارهم من القياس ومهاراتهم فيه مع قلة العناية بالروايات نظرا لبعد العراق عن منبع الوحي. فهاتان المدرستان هما السلم التدريجى لتأسيس المذاهب الفقهية.

علم اللغة العربية: كانتعلوم العربية من أسرع العلوم في النهوض في العصر الأموي، نظرا لحدوث الاتصال الثقافي الواسع المؤثر بين العرب وبين الأمم التي دخلت شعوبها في الإسلام بعد الفتوحات الاسلاميه وشدة احتياجها إلى تعلم الدين، ولضرورة إيجاد صلة التواصل والتعارف والتفاهم بين الرعاة والرعية، مما جعلت اللغة العربية أن تسود سيادة مطلقة تجري بها المخاطبات والمكاتبات، فدعت الحاجة إلى وضع بعض ضوابط وقواعد نحوية – على يد أبي الأسود – لضبط الألسن واستقامتها، وصيانة اللغة من اللحن والعجمة في العربية الأصيلة، ووضع التشكيل والتنقيط والإعجام للحروف، ثم شاركه فيه إلى مستوى الكمال يحيى بن يعمر، ونصر بن عاصم بأمر وتوجيه من الحجاج بن يوسف الثقفي، ونبغ مبتكرون في كثير من ضروب الشعر كأمثال جرير والفرزدق وغيرهما، وكما أسهمت حركة تعريب الدواوين إسهاما كبيرا فى تضاعف الاهتمام باللغة العربية وتعلمها مما أدت إلى ظهور مدرسة جديدة في الساحة؛ وهي مدرسة طبقة كتاب الدواوين والرسائل الفنية وعلى رأسهم عبد الحميد الكاتب الأديب.

هذا، وقد احتضنت الحركة العلمية في مسيرتها الطيبة ميادين أخرى ذات أهمية قصوى نالت محل العناية والإقبال كذلكا في تلك الحقبة مثل: السيرة والأنساب والمغازي  دليلا على مدى حركة علمية ناشطة، وكان للدولة الأموية في ذلك – بعد الله – فضل عظيم ودور حاسم في ترقية العلم وأهله.


[1] مجموع الفتاوى. 13/347
[2] سير أعلام النبلاء. 4/325
[3] وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان. 2/371
[4] الحركة العلمية في بلاد الحجاز في العصر الأموي. نقلا عن حلية الأولياء 3/279 ، وتاريخ دمشق 16/127
[5] – التفسير والمفسرون 1/79
[6] – ينظر: المصدر السابق 1/87-88
[7] الحركة العلمية في بلاد الحجاز في العصر الأموي.
[8] كوثَر المَعَاني الدَّرَارِي في كَشْفِ خَبَايا صَحِيحْ البُخَاري 2/49
[9] الحركة العلمية في بلاد الحجاز في العصر الأموي نقلا عن تاريخ الإسلام. 5/251
[10] المصدر السابق. نقلا عن إعلام الموقعين. 1/26
[11] ينظر الحركة العلمية في بلاد الحجاز في العصر الأموي. نقلا عن البيان والتبين للجاحظ، 1/102
[12] سير أعلام النبلاء 6/91

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين

مقالات ذات صلة