نشأت المذاهب الفقهية الأربعة في أحضان فقه الصحابة وعلومهم، وتمتد جذورها إلى منهاجهم في طريقة التفقه في الدين والتعرف على الأحكام الشرعية، وفي الاجتهاد في تفسير النصوص أو الاستنباط منها، أو تمثيلها في جانب العمل، فالصحابة – رضي الله عنهم – ‌”مثلوا ‌الوقائع بنظائرها، وشبهوها بأمثالها، وردوا بعضها إلى بعض في أحكامها، وفتحوا للعلماء باب الاجتهاد، ونهجوا لهم طريقه، وبينوا لهم سبيله “ .

ثم انتظم علماء التابعين بهذا المنهج فكان أئمة المذاهب الفقهية الأربعة المتبوعة اليوم، المدونة آراؤهم في الكتب، المنتشرة في الآفاق، من تلاميذ مدارس الصحابة، نهلوا من علومهم وتخرجوا من مدارسهم، وصف ابن القيم هذه الصلة، فقال: عامة الدين والفقه والعلم انتشر في الأمة عن أصحاب ابن مسعود، وأصحاب زيد بن ثابت، وأصحاب عبد الله بن عمر، وأصحاب عبد الله بن عباس؛ فعلم الناس عامته عن أصحاب هؤلاء الأربعة؛ فأما أهل المدينة فعلمهم عن أصحاب زيد بن ثابت وعبد الله بن عمر، وأما أهل مكة فعلمهم عن أصحاب عبد الله بن عباس، وأما أهل العراق فعلمهم عن ‌أصحاب ‌عبد ‌الله ‌بن ‌مسعود”[1].

وقد نال الفقه في عصر التابعين الحظ الوافر من علوم الصحابة رضوان الله عليهم من خلال تنقل الصحابة في الأسفار وتمصير المدن الإسلامية الجديدة آنذاك، وكان الصحابي يحمل ما كان معه من العلوم والفقه الذي ورثه عن النبي .

والصحابة في خلافة عثمان تفرقوا في المدن الإسلامية بعد أن أذن لهم الخليفة بذلك، فمنهم من بقي في مدن الحجاز خصوصا المدينة المنورة ودار هجرة النبي صلى الله عليه سلم، ومنهم من راح إلى الكوفة ومدن العراق الأخرى، وانقسمت مدارس تكوين الفقه بعد ذلك في هذه الأمصار حسب طريقة العلم ومنهاج التحصيل، إلى مدرسة أهل الحديث (أهل الحجاز)، ومدرسة أهل الرأي (أهل العراق).

حظيت العراق بقسط كبير في تكوين الفقه في فترة التابعين لأن عدد الصحابة الذين دخلوا الكوفة ومدن العراق يزهو على ثلاثمائة صحابي، حتى يقال إن المدن التي استوطنها الصحابة، ما منها واحدة تزاحم المدينة المنورة على الفقه وعلوم السنة مثل العراق بسبب عدد الصحابة الذين وفدوا إليها واستقروا بها.

ودخلها بعضهم إلى العراق زيارة أو استيطانا أول ما انتقلت الخلافة إلى العراق في زمن علي بن أبي طالب، وقد عاش فيها قبل ذلك ابن مسعود، وسعد بن أبي وقاص، وعمار بن ياسر، وأبو موسى الأشعري، والمغيرة بن شعبة، وأنس بن مالك، وحذيفة، وعمران بن حصين، وكثير من الصحابة الذين كانوا من حزب علي ومعه كابن عباس، ولهذا لم يزاحم أهل الحجاز علي زعامة الفقه إلّا علماء العراق دون الشام ولا مصر ولا أفريقية أو غيرها[2].

فكان أهل الحجاز ويطلق عليهم مدرسة المدنية، أو مدرسة أهل السنة والأثر، ورئيسهم سعيد بن المسيب، تفرعوا فيما بعد إلى مالكية وشافعية وحنابلة وغيرهم، وكانوا يرون التمسُّك بالأثر، والتقليل من القياس.

أما أهل العراق فكانوا يميلون للرأي، وهو ما عرف بالقياس فيما بعد ورئيسهم حامل لوائه هو إبراهيم النخعي أحد تلاميذ ابن مسعود، ولهذا يقال لأصحاب الرأي عراقيون، وبعد زمن أبي حنيفة صار يقال لهم الحنفية[3].

الاختلاف بين مدرسة المدنية ومدرسة الكوفة

توسع الاختلاف بين المدرستين في العصور التي جاءت بعد الصحابة، في فترة تدوين مذاهب الفقه، بل تعمق أكثر في أخرة خلافة بني أمية حين ظهرت الفرق والملل المبتدعة، حتى كان أصحاب كل مدرسة يعيب على الآخر، وينتقص منهجه في الإفتاء.

ومما يلزم التنبه له أن أغلب أقوال أهل الحجاز في الرد والتحامل على أهل العراق، وإطلاق الحكم على منع الرأي في الدين، بسبب التوسع الظاهر عند العراقيين في الأخذ بالرأي، وغير ذلك..

والأخذ بالرأي في الدين غير مذموم في أصله، وإنما يحمل بالأحرى على الرأي المذموم المبني على الهوى والتشهي، والتحزب الخارج عن هدي الإسلام، المعارض لأصول ومقاصد الشريعة الإسلامية، بل هذه الأقوال الجارحة إنما تنطبق وصفا وحقيقة على الملل والفرق المبتدعة الذين كانوا يعتمدون الرأي والهوى في الحكم، وهم في الغالب لا ينتسبون إلى الصحابة ولا يقيمون لمناهجهم وزنا.

لهذا السبب لا يجوز صرف الأقوال في ذم الرأي في هذا السياق إلى مذهب أهل السنة في العراق، وقد ثبتت صلته بالصحابة والتابعين المجتهدين المقيمين في أراضي العراق.

فقد خرجت لنا مدرسة العراق خيرة علماء الفقه والحديث في عصر التابعين الذين ورثوا علم النبي والصحابة رضوان الله عليهم، وتأثروا بمنهج فقهاء الصحابة، وهذا ما أشار إليه العلامة مصطفى الزرقا: “إن المتتبع للحركة القهية منذ عهد الخلفاء الراشدين يبدو له أن البذرة الأولى التي نبتت منها المدارس الفقهية ثم تكونت المذاهب كانت ظهور اتجاهين بين الصحابة في فهم النصوص التشريعية .. الاتجاه: الوقوف في فهم النص وتفسيره [… ]دون نظر في علته وبواعثه والظروف التي ورد فيها ومعرفة غرض الشارع .. الاتجاه الآخر إعمال الرأي والبحث عن علة النص وحكمته وغرض الشارع منه لتطبيقه بالصورة التي يتحقق فيها ذلك الغرض في ظل المقاصد العامة للشريعة..

فبعض الصحابة ظهر منهم الميل إلى الاتجاه الأول تحرجا من أن تخطئوا تطبيق أوامر الرسول ونواهيه. وبعض آخر – ولا سيما الذين عهد إليهم بحمل المسؤوليات – ظهر منهم الميل إلى الاتجاه الثاني. “[4]

عمر بن الخطاب رضي الله عنه ومذهب أهل الرأي    

ويمكن أن نستشف أصول مدرسة أهل العراق وعلاقتها بفقه الصحابة والمقاربة بينها وبين فقه عمر بن الخطاب رضي الله عنه،  فقد كان عمر الخليفة الثاني ” أكثر الصحابة فقها للنص، واجتهادا في فهمه، وإقداما على إبداء الرأي فيه، والمشكلات التي اعترضت الصحابة واجتهدوا فيها، تعطي لعمر بن الخطاب رضي الله عنه هذه الميزة في أكثر من موضع، وإن كان قد حرص على استشارة الصحابة والتريث في الأمور فعن الشعبي قال: كانت القضية ترفع إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فربما تأمل في ذلك شهرا، ويستشير أصحابه، واليوم يفصل في المجلس مائة قضية.

وسار عبد الله بن مسعود رضي الله عنه على طريقة عمر، وتأثر به آرائه، وروى عنه أنه قال: إني لأحسب عمر ذهب بتسعة أعشار العلم. وجاء في “أعلام الموقعين” أن ابن مسعود كان لا يكاد يخالف عمر في شيء من مذهبه، وأنه قال: “لو أن الناس سلكوا واديا وشعبا، وسلك عمرا واديا وشعبا، لسلكت وادي عمر وشعبه”[5].

وإبراهيم النخعي التابعي الكبير فقيه العراق، كان أبصر بفقه ابن مسعود، ومفتي أهل الكوفة، انتهى إليه فقه ابن مسعود رضي الله عنه، وتشبث به كما حكى عن نفسه: أنه كان لا يعدل بقول عمر وابن مسعود إذا اجتمعا، فإذا اختلفا كان قول عبد الله أعجب، لأنه كان ألطف”. روى إبراهيم النخعي عن تلاميذ ابن مسعود، أمثال عمه علقمة بن قيس النخعي، وخاله الأسود النخعي، ومسروق بن الأجدع وغيرهم، ونقل فقههم.

ثم انتهت رياسة هذه المدرسة إلى ابن أبي ليلى، وابن شبرمة وشريك القاضي وأبي حنيفة رحمهم الله أجمعين.

التقريب بين أهل الحديث وأهل الرأي

إن الاختلاف بين المدرستين في عصر التابعين كان في وقت محدود جدا تزامن مع نشأة الفقه في مرحلة التأسيس في هذا العصر، بسبب الأحداث المتوالية واتساع الاختلاف بين الفقهاء كما سبق، ولكن الأمر لم يستمر على هذه الحالة طويلا؛ فقد انتشرت رواية الحديث الذي هو مادة الفقه بعد ذلك، وسرت فتاوى الفقهاء من الأمصار في الآفاق، واستقر الأمر بين المذهبين على قبول الرأي الصحيح الذي هو القياس أحد مصادر الفقه الإسلامي.

يقول أبو زهرة: “لكن الفارق لم يستمر طويلا بين أهل الرأي وأهل الحديث، فإن الطبقة التي جاءت بعد الأئمة أصحاب المذاهب وتلاميذهم قد تلاقوا مهما يختلف أساتذتهم، فالإمام محمد من أصحاب أبي حنيفة يرحل إلى الحجاز ويدرس موطأ مالك، والشافعي يتلقى عن محمد ين الحسن فقه أهل الرأي. وأبويوسف نفسه يؤيد آراء كثيرين من أهل الرأي بالأحاديث، ولذا نجد كتب الفقه المختلفة مملوءة بالرأي والحديث معا، مما يدل على تلاقيهما وإن اختلف الفقهاء كثرة وقلة في الأخذ بأحدهما دون الآخر”.[6]

نشطت خلال القرن الثاني ولغاية منتصف القرن الرابع حركة التأليف وجمع الآراء الفقهية للعلماء،  وظهر تدوين الفقه تدوينا علميا مذهبيا، وكان من أقدم كتب على المذاهب الفقهية كتاب أبي يوسف القاضي التلميذ الأكبر للإمام أبي حنيفة، قال ابن النديم: له من الكتب في الأصول والأمالي كتاب الصلاة، كتاب الزكاة، إلى آخر كتب الفقه، .. كتاب اختلاف الأمصار، كتاب الرد على مالك بن أنس،  كتاب رسالته في الخراج إلى الرشيد. كتاب الجوامع ألفه ليحيى بن خالد يحتوي على أربعين كتابا ذكر فيه اختلاف الناس والرأي المأخوذ به”[7]. ولم يصل إلينا منها إلا كتاب الخراج.

وهكذا جمعت المذاهب الفقهية، وقام بعض المجتهدين بشرح آرائهم الفقهية كما فعل محمد بن الحسن الشيباني يروي آراء شيخه أبي حنيفة، ووضع الإمام مالك الموطأ في تقرير الأحكام، وأملى الشافعي كتابه “الأم”، وأبح الفقه مسطورا في الكتب، مدركا بالأبواب والفصول. ومن هنا تكونت المذاهب الفقهية الأربعة وتمايزت آراء أئمة المذاهب.


[1]  ابن القيم: أعلام الموقعين (1/17)، دار الكتب العلمية – ييروت، تحقيق: محمد عبد السلام إبراهيم، الطبعة: الأولى، ١٤١١هـ – ١٩٩١م.

[2]  الفكر السامي (1/383).

[3]  الفكر السامي (1/383).

[4]  المدخل الفقهي العام (186)

[5]  تاريخ التشريع الإسلامي، مناع القطان (289).

[6]  الملكية ونظرية العقد (31).

[7]  الفهرست (253)