شريعة

معايير الجودة في طالب العلم الشرعي

معايير الجودة في طالب العلم الشرعي

يعد البعض الطالب هو الحلقة الأضعف في منظومة التعليم، غير أنه مما لا شك فيه أنه هو الحلقة الأهم، فرغبة الطالب وإقباله على نوع التدريس الذي يريده له أثر كبير في إجادته له وتحصيله.

ومن هنا، فإن اختيار الطلاب في نوع الدراسة بناء على الدرجات التي يحصلون عليها في الشهادة الثانوية وحده دون مراعاة للميول العلمية مما ينبغي إعادة النظر فيه، بحيث يجمع بينهما، كما هو معمول به في بعض الدول غير العربية.

كما أن دور طالب العلم في العملية التعليمية اليوم مختلف عما كان من قبل، فالتعليم التشاركي والتعلم الذاتي والتعلم النشط وغيرها من الاستراتيجيات التي تقوم على أن يبذل الطالب جهدا كبيرا في تحصيل طلب العلم، أمر ضروري؛ لأن طالب العلم هو المحصل للعلم، وهو المقصود بالتعلم.

ومن أهم معايير الجودة في طالب العلم ما يلي:

التخصص على قدر الحاجة:

على أنه من الأهمية بمكان أن يكون تقسيم الطلاب في التخصصات على قدر حاجة الناس إليها، فحاجة الناس إلى العلوم مختلفة، فهم أحوج ما يكونون إلى علمي العقيدة والفقه وقواعد اللغة  أكثر من غيرها، وحاجتهم إلى علم العروض، أو النقد الأدبي، أو المنطق، أو الفلسفة أقل، وليس هذا تقليلا من شأن بعض العلوم على حساب بعض، لكن المقصود هو ” المخرجات” التي يحتاجها المجتمع، فكما أن حاجة الناس تنقسم إلى مراتب ثلاثة، هي: الضرورة والحاجة والتحسين، فكذلك حاجتهم إلى العلوم، فمنها ما هو ضروري ومنها ما هو حاجي ومنها ما هو تحسيني، فكان من اللازم مراعاة ” الأوزان النسبية” للعلوم على قدر الحاجة إليها.

معايير المدارسة:

وقد وضع العلماء معايير لجودة المدارسة والعناية من قبل الطالب، ومن أهمها:

  1. النية الحسنة في طلب العلم.
  2. حسن الاستماع.
  3. الفهم.
  4. جودة الحفظ.
  5. العمل بما علم.
  6. إذاعته ونشره لغيره.

ومما ورد في تلك المعايير ما أخرجه أبو عمر بن عبد البر بسنده إلى علي بن الحسن بن شقيق قال: سمعت عبد الله بن المبارك  يقول: “أول العلم النية، ثم الاستماع، ثم الفهم، ثم الحفظ، ثم العمل، ثم النشر”[1].

وعن عبد الملك بن قريب الأصمعي (ت 216هـ‍. أو بعدها) قال: “أول العلم الصمت، والثاني: حسن الاستماع، والثالث: جودة الحفظ، والرابع: احتواء العلم، والخامس: إذاعته ونشره”

وعن الضحاك بن مزاحم (ت 106هـ‍.) قال: “أول باب من العلم: الصمت، والثاني استماعه، والثالث: العمل به، والرابع: نشره وتعليمه”[2].

وقال ابن القيم: “للعلم ست مراتب أولها حسن السؤال، الثانية حسن الإنصات والاستماع، الثالثة حسن الفهم، الرابعة الحفظ، الخامسة التعليم، السادسة وهي ثمرته وهي العمل به ومراعاة حدوده” [3]

و قال الإمام محمد بن مسلم بن شهاب الزهري: “إن للعلم غوائل، فمن غوائله أن يترك العمل به حتى يذهب، ومن غوائله النسيان، ومن غوائله الكذب فيه، وهو شر غوائله”[4]

تقييد العلم بالكتابة:

ومن الوسائل المعينة على التحصيل تقييد العلم بالكتابة، وعدم الاكتفاء بالسماع من المعلم، وقد كان هذا نهج السلف الصالح في طريقتهم للتعلم.

قال أبو المليح الرقي: ” يعيبون علينا أن نكتب العلم وندونه، وقد قال الله تعالى: «علمها عند ربي في كتاب»[5] .

قال الخليل بن أحمد: «ما سمعت شيئا، إلا  كتبته، ولا كتبت شيئا إلا حفظته ولا حفظت شيئا إلا انتفعت به» [6]

قال الإمام أحمد بن حنبل: «إذا يخطئون إذا تركوا كتاب الحديث , قال ابن حنبل حدثنا قوم من حفظهم وقوم من كتبهم فكان الذين حدثونا من كتبهم أتقن»[7].

قال عبد الله بن المعتز: الكتاب والج للأبواب , جريء على الحجاب , مفهم لا يفهم , وناطق لا يتكلم , وبه يشخص المشتاق إذا أقعده الفراق , فأما القلم فمجهز لجيوش الكلام , يخدم الإرادة ولا يمل الاستزادة , ويسكت واقفا , وينطق سائرا على أرض بياضها مظلم , وسوادها مضيء , وكأنه يقبل بساط سلطان , أو يفتح باب بستان [8]

 وقد أحمد بن إسماعيل:

يا طالب العلم إذا … سمعته من الثقه

فاكتبه محتاطا ولو … بخنجر في حدقه

فرب علم فات من … ضيعه أن يلحقه [9]

دوام الطلب:

فطلب العلم لا يتعلق بسن أو انتهاء من مرحلة معينة، بل هو منهج حياة.

وروي أن المسيح عليه السلام قيل له: إلى متى يحسن التعلم؟ قال: «ما حسنت الحياة»[10]

وقد قال مالك بن أنس: «لا ينبغي لأحد يكون عنده العلم أن يترك التعلم»[11]

عن يونس بن يزيد قال: قال لي ابن شهاب، يا يونس، «لا تكابر العلم؛ فإن العلم أودية , فأيها أخذت فيه قطع بك قبل أن تبلغه ولكن خذه مع الأيام والليالي، ولا تأخذ العلم جملة؛ فإن من رام أخذه جملة ذهب عنه جملة ولكن الشيء بعد الشيء مع الليالي والأيام»[12].

الذاتية وبذل الجهد الفردي:

من واجبات طالب العلم أن لا يقف عند حد التلقي فحسب، بل عليه أن يذل جهدا في تحصيل طلب العلم مع جهد المعلم.

وقد وضع الشيخ عبد القادر بن أحمد بن بدران طريقة مفيدة للطالب في طلب العلم وهي :

الخطوة الأولى: أن يأتي الطالب على جملة كافية من المتن، ثم ينشغل بحلها وفهمها دون النظر إلى شرحها.

الخطوة الثانية: قراءة شرح الجملة من الشرح؛ امتحانا للفهم الأول، وتصحيح ما كان فيه من خطأ.

الخطوة الثالثة: اختبار الطالب فهمه للشرح على نحو ما فعل مع المتن.

الخطوة الرابعة: الرجوع للحاشية لاختبار صحة فهم الشرح.

الخطوة الخامسة: الاشتغال بتصوير المسألة وحفظها حفظ فهم وتصور لا حفظ تراكيب وألفاظ.

الخطوة السادسة: كتابة المسألة بعبارات من الطالب دون الالتزام بتراكيب المؤلف.

الخطوة السابعة: مراجعة الشيخ وقراءة ما كتبه الطالب عليه حتى يمتحن فهمه ويتحصل ما يزيده الشيخ عليه.

يقول ابن بدران: ” وكنا نرى أن من قرأ كتابا واحدا من فن على هذه الطريقة سهل عليه جميع كتب هذا مختصراتها ومطولاتها، وثبتت قواعده في ذهنه، وكان الأمر على ذلك”[13].

وقال الشيخ عبد الحميد بن باديس مبينا دور الطالب في التحصيل : “فهم قواعد العلم وتطبيقها حتى تحصل ملكة استعمالها، هذا هو المقصود من الدرس على الشيوخ، فأما توسيع دائرة الفهم والاطلاع، فإنما يتوصل إليها الطالب بنفسه بمطالعته للكتب ومزاولته للتقرير والتحرير. ثم إن الدروس إنما تحصل فيها قواعد بعض العلوم، وتبقي فنون كثيرة من فنون العلم يصل إليها الطالب بمطالعته بنفسه وحده، أو مع بعض رفاقه، فلا ينتهي من مدة دراسته العلمية في الدروس إلا وقد اتسع نطاق معلوماته بفنون كثيرة. ونرى الطلاب اليوم في أكبر المعاهد – كالزيتونة – لا يخرج الطالب عن كتبه الدراسية إلى مطالعة شيء بنفسه مما يكسبه علماً أو خبرةً بالحياة، فيخرج الطالب بعد تحصيل الشهادة وهو غريب عن الحياة. فعلى الطلبة والمتولين أمر الطلبة أن يسيروا على خطة التحصيل الدرسي، والتحصيل النفسي ليقتصدوا في الوقت ويتسعوا في العلم، ويوسعوا نطاق التفكير”[14].


[1] – جامع بيان العلم وفضله (1/118)
[2] –  الجامع للخطيب البغدادي (1/194) .
[3] – مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة ، محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: 751هـ)، (1/ 169)، دار الكتب العلمية – بيروت
[4] – جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر (1/107-108) .
[5] –  تقييد العلم للخطيب البغدادي (ص: 114)
[6] –  تقييد العلم للخطيب البغدادي (ص: 114)
[7] –  تقييد العلم للخطيب البغدادي (ص: 115)
[8] –  تقييد العلم للخطيب البغدادي (ص: 112)
[9] –  تقييد العلم للخطيب البغدادي (ص: 115)، وهي من بحر الكامل
[10] – جامع بيان العلم وفضله (1/ 406)
[11] – جامع بيان العلم وفضله (1/ 401)
[12] – جامع بيان العلم وفضله (1/ 431)
[13] – المدخل إلى مذهب الإمام أحمد لابن بدران (ص: 489- 490)، تحقيق عبد المحسن التركي، مؤسسة الرسالة
[14] –  ابن باديس، حياته وآثاره، للدكتور عمار الطالبي (4/203) .


المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين