فكر

الإمام التنواجيوي شيخ القراءات في موريتانيا

هو الإمام الشيخ النحوي اللغوي المتفنن العالم العلامة حامل لواء السبع أبو محمد سيدي عبد الله بن أبي بكر التنواجيوي رحمه الله تعالى.كان أحد الأعلام المشهورين والإئمة المذكورين في طلب العلم.

بلغ التنواجيوي الغاية القصوى، وقرأ كثيرا من الفنون والفقه والنحو وغيرهما، وجد الناس يلحنون في القراءة ويصحفون في الحروف فأزال اللحن والتصحيف عنهم ولا سيما مسألة الجيم المشهورة، وصحح القرآن وجوده، وقصده الناس وانتفعوا به وانتفع به خلق كثير فصاروا أئمة يقتدى بهم.

ويعتبر التنواجيوي شيخ القراءات في موريتانيا، وهو عالم جليل وقارئ متميز حفظ القرآن الكريم في سن مبكرة، تميز بحدة الذكاء وسرعة البديهة وشدة الحافظة فقد كان يحفظ كل ما يسمعه بحكاية واحدة، عاش 100 سنة، ورحل تاركا إرثا ثقافيا معتبرا تضمن العديد من الكتب القيمة في الشرح والتفسير والحديث. له مؤلفات من أهمها: شرح خليل المعروف بالرارية، شرح الفية ابن مالك، شرح أم البراهين للسنوسي، و نوازل مختلفة.

كان رحمه الله تعالى إماما جليلا، صدرا من صدور العلماء، بحرا من مفاخر النجباء، بحر لا تكدره الدلاء، محييا للسنة، مميتا للبدعة، جامعا لعدة علوم، منها القرآن والحديث والفقه والعربية وغير ذلك، بزغ في الفقه ورسخ فيه وفي العربية وفنون شتى، له فتاوى في الفقه تدل على وسع باعه، وكثرة اطلاعه. يدعم الجواب بالنصوص الصريحة والنقول المعتمدة، يفسر الشاطبية والخلاصة ومختصر الشيخ خليل، أخذ القراءات عن الولي الصالح المقرئ المتفنن سيد أحمد الحبيب السجلماسي عن فلان عن فلان ..إلخ

قرأ عليه الطالب صالح التنواجيوي، والمختار بن عمر بن الحاج الطيب والخضر وإلياس ابني الفقيه محمد ابن الحاج عثمان، وعمر بن محمد بوه الايلي، وغيرهم مما لا يكاد يعد، وأخذ عنه الشيخ الفقيه سيد أحمد بن موسى بن إيكل الزبيدي رحمهم الله تعالى

إجازة التنواجيوي

وقد ورد السند الإقرائي ذي الأصل المغربي على أيدي أربعة شيوخ:

أولا : سند محمد المختار بن الأعمش العلوي

ثانيا : سند ابن امبوجه سيدي محمد بن محمد الصغير بن امبوجه العلوي

ثالثا : سند محمد الأمين بن أيده بن عبد القادر الجكني

رابعا : سند سيدي عبد الله ابن أبي بكر التنواجيوي

وقد قال الدكتور سيد أحمد ولد عبد الله في كتابه السند القرآني – دراسة وتأصيل السند الشنقيطي نموذجا ما نصه :

“هذه هي الإجازات الثلاث التي لا تمر على التنواجيوي؛ أما الأولى والثانية فصحيح أنهما لا تمران على التنواجيوي كما هو واضح من خلال قراءتهما ولكن لانقطاعهما وعدم وجودهما في الإجازات اليوم فإن قيمتهما العلمية تبقى محصورة  في قيمتهما التاريخية كمصدر من مصادر تاريخ القرآن والقراءات في هذا البلد لا أكثر.

أما الإجازة الثالثة وهي إجازة محمد الأمين بن أيده بن عبد القادر الجكني فقد أخطأ الباحثون وشيوخ المحاظر حين عدوها من الإجازات التي لا تمر على التنواجيوي، لكن، وبناء على كثير من الأمور، فإن هذه الإجازة تمر على التنواجيوي، غير أن سقوط اسمه منها بسبب خطأ في النسخ أدى بالبعض إلى الاعتقاد بأنها لا تمر عليه.

وتعتبر إجازة التنواجيوي هي الإجازة الوحيدة المتداولة اليوم بالنسبة للسند القرآني المغربي الأصل، حسب ما أفاد به شيوخ المحاظر في أكثر من ثمانين موقعا ومقاما ومحظرة وما أكده الباحثون.

وللتنواجيوي رسالة في الجيم وقد توفي رحمه الله تعالى سنة 1145 هجرية 1733 ميلادية.

ناقل الواقع العلمي والثقافي لبلاد التكرور

وإذا أردنا أن ننزل الشيخ سيدي عبد الله بن أبي بكر التنواجيوي منزلته الحقيقية نقول باختصار أنه نقل الواقع العلمي والثقافي لبلاد التكرور من طور المحدودية إلى طور الانتشار الواسع، ومن طور الاكتفاء بالمبادئ الأساسية في التعليم والتعلم إلى طور التعمق والتخصص، في مجالات عدة من العلوم الشرعية واللغوية، وقد امتد تأثيره على مجال جغرافي واسع، عرف تاريخيا ببلاد التكرور التي حددها مؤلف كتاب فتح الشكور محمد بن أبي بكر الصديق البرتلي الولاتي المتوفى 1219هـ ، بقوله “والتكرور إقليم واسع ممتد شرقا إلى آدغاغ ومغربا إلى بحر بني الزناگية وجنوبا إلي بيط وشمالا إلى آدرار”.

وبهذا التحديد يتضح لنا أن تأثير هذا الرجل كان كبيرا بوصفه شمل رقعة جغرافية واسعة من غرب إفريقيا ولعل كلمة صاحب فتح الشكور في ترجمته للرجل تعد أهم دليل على كم المستفيدين على يد هذا العالم البارز، حين قال: “وأنتفع على يده خلق كثير كانو أئمة يقتدى بهم”.

وقد خصص المؤلف الترجمة رقم 200 في كتابه لهذا الشيخ الجليل قائلا “هو الشيخ الأمام الفقيه المقرئ النحوي اللغوي المتفنن العالم العلامة وحيد دهره وفريد عصره حامل لواء السبع أبو محمد سيدي عبدالله بن ابي بكر التنواجيوي رحمه الله تعالى، كان أحد الأعلام المشهورين، والائمة المذكورين في طلب العلم، وبلغ الغاية القصوى، ورحل الى قطب زمانه ولي الله تعالى سيدي احمد الحبيب اللمطي السجلماسي، وقرأ عليه السبع بل أزيد من السبع، ولا أدري هل قرأ بالقراء العشر فقط، أم بأزبد منها. وقرأ كثيرا من الفنون والفقه والنحو وغيرهما، وأتى بخزانة نفيسة ووجد الناس يلحنون في القراءة ويصحفون في الحروف ، فأزال اللحن والتصحيف عنهم ولاسيما مسألة الجيم المشهورة، وصحح القرآن وجوّده، فقصده الناس وأنتفعوا به، وأنتفع به خلق كثير فصاروا أئمة يقتدى بهم”.

كما يقول : “جعل الله بفضله ذلك حسنات وضياء في القبر ودرجات في الآخرة انتهت إليه رئاسة الإقراء في بلاد التكرور في زمانه وبعد صيته كان رحمه الله تعالى إماما جليلا فخرا من مفاخر النجباء بحر لا تكدره الدلاء، محييا للسنة مميتا للبدعة، جامعا لعدة علوم منها القرآن، والحديث، والفقه، والعربية وغير ذلك، برع في الفقه ورسخ فيه وفي العربية وفنون شتي ما رأيت أحسن نقلا ولا أكثر اطلاعا علي المسائل منه، له فتاوي في الفقه تدل على وسع باعه وكثرة اطلاعه، يدعم الجواب بالنصوص الصريحة والنقول المعتمدة، يفسر الشاطبية والخلاصة ومختصر خليل رحمه الله تعالي”ز

رائد النهضة الثقافية

 إن هذه الترجمة التي عقدها صاحب أهم كتاب تراجم في البلد لهذا الشيخ كفيلة بلفت انتباه الباحثين الي مكانته العلمية كرائد للنهضة الثقافية في منطقة غرب الصحراء وجوارها من السودان الغربي خلال النصف الأول من القرن الثاني عشر هجري ففي هذه الترجمة اشارات مهمة تدل على انه كان له الفضل في انتشار الأسانيد القرآنية وعلم القراءات والتجويد وانه لعب دورا كبيرا في تعميق هذه المعارف المتخصصة وغيرها لدي النخب العلمية في الصحراء كما لعب دورا بارزا في تعريب المنطقة فكانت جهوده في مايعرف اصطلاحا بقضايا ملاحن القراء بمثابة دروس في الفصاحة والنطق السليم للغة العربية.

وشكلت نوازله في هذا المجال مثارا مهما لقضايا ومساجلات علمية وفكرية ولغوية اثرت الساحة الثقافية في المنطقة وأسست للتعمق في علوم النحو واللغة والبلاغة، واتي بخزانة كتب عظيمة رسخت تقليد اقتناء الكتب وولدت حركة منقطعة النظير في مجال نسخها وتداولها وتعميم مافيها من فوائد وجعل ثقافة اقتناء الكتب والمخطوطا ت ثقافة شائعة في محيطه الاجتماعي ولدي تلاميذه وتلامذتهم ويشير صاحب “فتح الشكور” إلي ذلك في سياق ترجمته لأحد أكبر من ورثواعن شيخ القراء علمه وهو الطالب أحمد بن محمد راره التنواجيوي الذي انفق على شراء الكتب واستجلابها نزرا غير قليل من ماله.

 وعلي الرغم من اختفاء الكثير من آثار الرجل والاهمال الكبير من قبل الباحثين في مجال تناوله كاحدي الشخصيات العلمية البارزة في الصحراء والمؤسسة لتقاليد المحظرة الشنقيطية التي اثارت اعجاب وانتباه علماء المشرق ودارسي الحضارة الاسلامية من المستشرقين لكونها المؤسسة التقليدية البدوية الوحيدة التي استطاعت أن تقدم العلوم الاسلامية والعربية باستيعاب ومنهج عجزت عنه أرقي الجامعات والمعاهد الاسلامية.

باحثون معاصرون يشيدون بالتنواجيوي

الا انه في هذا الجانب تجدر الاشارة الي بعض الجهود والاعمال العلمية لبعض الباحثين المعاصرين في حقل التاريخ الثقافي للبلد الذين استطاعوا أن يظهروا جوانب مهمة من حياة هذا العالم نذكر منهم علي سبيل المثال لا الحصر الدكتور محمد المختار بن أباه في كتابه “تاريخ المشرق والمغرب” حيث اعترف لهذا العالم بدوره الرائد في تأسيس المحظرة القرآنية قائلا “ان تأسيس مدارس قرآنية لم يتم في شكل منتظم ومتواصل إلا بعد رجوع التنواجيوي من تافلالت ومنذ ذلك العهد انطلقت حركة نشاط تدريس هذا العلم وازدهرت في عدة مناطق من شرق اقليم شنقيط”.

 كما ناقش الدكتور عبد الودود بن عبد الله (ددود)آراء الشيخ سيدي عبد الله بن أبي بكر التنواجيوي حول مسألة الجيم واعتبر أن ما ساقه حولها يعتبر من المناظرات الفكرية والعلمية المهمة في القرن الثاني عشر هجري الثامن عشر ميلادي وخصص لنقاش آراء الرجل في المسألة وأهم الردود عليه عدة صفحات من كتابه “الحركة الفكرية في بلاد شنقيط حتي نهاية القرن 12ه 18م وفي مقاله “الفقيه والمجتمع في الحواضر الصحراوية محمد يحي الفقيه ومجتمع ولاته نموذجا “اعتبر ددود أن الشيخ سيدي عبد الله التنواجيوي يعتبر ممن اثرت الرحلة في مسارهم الفكري ورجعوا بدعوات اضافت جديدا الي الساحة الفكرية في المنطقة.

 وفي أطروحته “موريتانيا في الذاكرة العربية” أورد الدكتور حماه الله ولد السالم مايشير الي استحسان علماء مصر لفتاوي ونوازل التنواجيوي التي أطلعهم عليها بعض الحجاج القادمين من بلاد التكرور اثناء مقامهم في مصر في طريقهم الي الحج.

 ومن الجهود الجبارة التي بذلها الباحثون في تتبع آثار شيخ القراء التنواجيوي تلك الاضافة النوعية التي جاء بها الدكتور يحي بن البراء في عمله القيم “المجموعة الكبري لفتاوي غرب وجنوب غرب الصحراء “حيث ترجم له في الجزء الخاص بالتراجم ترجمة أضافت معلومات جديدة حول الرجل وأكملت بعض النقص في ترجمة صاحب “فتح الشكور” كما أنه أورد له بعض النوازل المهمة في أجزاء الموسوعة الأخري كما أشار إلي كونه يعد من أوائل العلماء الذين نشروا سند الفرع الناصري من الطريقة الشاذلية التي انتشرت بجهوده هو وبعض معاصريه من العلماء في أوساط المتعلمين ومن المعروف أن شيوخ هذه الطريقة كما يشيرالي ذلك عبد الودود ولد عبد الله كانوا الي جانب البعد الصوفي فقهاء متمكنين كما كانوا ينتقون مريديهم فلا يعطون الاوراد الا لمن اطمأنوا الي علمه وورعهز

محظرة التنواجيوي

 وعموما فان محظرة الشيخ سيدي عبد الله بن ابي بكر التنواجيوي لم ينقطع عطاءها بوفاته سنة 1145هج بل أن لواء ومشعل العلم فيها ظل منيرا من خلال تلميذه سيدي محمد بن عبد الله بن بابا ثم ابرز تلامذة تلمذه الطالب أحمد بن محمد راره رحمهم الله ويشير صاحب “فتح الشكور” الي ذلك في ترجمته للطالب أحمدبن محمد راره فيقول أن “محظرة الطالب أحمد التي تعد احدي المحاظر التي ورثت منهج مؤسس المحظرة القرآنية في بلاد التكرور الشيخ التنواجيوي الذي كان اكثر عبادته اقراء القرآن العظيم وتعليم الناس العلم انتفع به كثير من الطلبة …. وكان معمر الاوقات بالتعليم ربما يقرئ التلاميذ قبل صلاة الصبح ثم بعد الصلاة يشتغل بأوراده الي حل النفل ويصلي ركعتي الضحي ثم يجلس للتعليم الي قرب الزوال فينام نوما خفيفا ثم بعد الصلاة يشتغل بالتعليم الي صلاة العصر ثم يشتغل به بعدها الي أذان المغرب …. واذا كان ثلث الليل الاخير يقوم فيركع ويشتغل بالتعليم الي الصبح”.

 ويعد هذا المقطع من ترجمة الطالب أحمد في “فتح الشكور” مقطعا مهما يوضح أن هذا التكريس المكثف للوقت من قبل مشائخ المحاظر في الانقطاع للتعليم هو الذي رسخ عادة الحفظ للمتون نتيجة تكرارها الدائم كما احتوت الترجمة علي صور من عطف هذا الشيخ علي تلاميذه والانفاق عليهم من ماله وهي قيم ظل مشايخ محاظر هذه البلاد يزرعونها في طلاب العلم الي اليوم.

المصدر : تقرير من مصادر متعددة

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين

أحدث المقالات